on
Archived: د. وليد البني: بوتين، اردوغان، وسوريا
د. وليد البني: كلنا شركاء
انتهت أزمة العلاقات الروسية التركية ، وأعادت التطورات السياسية الوئام بين السلطان والقيصر . فقد زار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان موسكو أخيراً وزالت غمامة اسقاط الطائرة الروسية فوق الاراضي السورية والتي عكرت هذه العلاقات في الأشهر التسعة الماضية .
ولكن مالذي ستحدثه هذه الخطوة التركية من تأثير على مسيرة الأحداث في سوريا ، ومالذي سيغيره هذا التقارب بين طرفين يقعان على طرفي نقيض فيما يتعلق بالثورة السورية والحرب المستمرة هناك منذ أكثر من خمسة سنوات ؟؟؟.
ما تسرب من نتائج هذه الزيارة حتى الآن لا يوحي بتغيرات كبيرة على مواقف الطرفين ، والإنطباع السائد أن القضية السورية لم تأخذ الكثير من وقت الزعيمين وأن القضايا الاقتصادية وتحسين العلاقات الثنائية بين الطرفين وخاصة بعد الإنقلاب الفاشل في تركيا كانت الملفات المهمة على طاولة المباحثات.
قد يكون أحد أهم اسباب هذه الزيارة هو أن الرئيس اردوغان ادرك بعد الإنقلاب الفاشل الذي كاد ان يطيح به بأن روسيا قد تكون حليفاً أفضل وأكثر إخلاصاً لحلفائها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وخاصة بعد المواقف الباردة والمترددة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي أثناء الساعات المصيرية التي مرت قبل إعلان فشل العملية الإنقلابية، وعدم صدور ادانة واضحة من قبلهما قبل التاكد من فشله، بالمقارنة مع الرفض الروسي الفوري للإنقلاب ، كما شكلت الإنتقادات الكثيرة التي لاقتها الاجراءات الصارمة التي قام بها اردوغان ضد جماعة غولن بعد الانقلاب من قبل الأوربيين والأمريكيين ، بالمقارنة مع الاتصال الفوري مع اردوغان ودعم بوتين الواضح لهذه الإجراءات، عاملاً آخر عجل من خطوة اردوغان نحو روسيا .
لكن وبغض النظر عن اسباب أردوغان ومبرراته التي دفعته لتجاهل كل ما تقوم به روسيا في سوريا من دعم لنظام الاسد والميليشيات الحليفة له وهماالعدوان المعلنان لتركيا ولأردوغان شخصياً ، وبالرغم من وحشية القصف الذي يقوم به اسطولها الجوي على المدن والقرى السورية وسياسة الأرض المحروقة التي يتبعها لإيقاع الهزيمة بالمعارضة المسلحة المدعومة مباشرة من الحكومة التركية ، فإن على السوريين أن يعتبروا خطوة اردوغان دليلاً آخر على مدى الإرتباط الوثيق بين سياسات الدول والمصالح المباشرة لحكوماتها بغض النظر عن العدالة والمبادئ الأخلاقية، وخاصة أنه سبق الإجراء التركي اشياء مشابهة قامت بها حكومات عربية واوربية أخرى تجاه روسيا، وكأن القوى الدولية والإقليمية قد سلّمت بالدور الروسي في سوريا وأعطت روسيا الضوء الأخضر للحسم العسكري كمقدمة لفرض حلول سياسية قد لا تتوافق وكل ما أعلنته مؤسسات المعارضة الرسمية من إئتلاف وهيئة تفاوض من خطوط حمر وزرق وبيض.
لقد استطاع نظام الأسد وحلفاءه في ايران وبتغطية اسرائيلية وتواطؤ أمريكي واضح ، تحويل ثورة الشعب السوري العادلة والتي هدفها الخلاص من أحد أكثر الأنظمة استبدادا وفسادا في العالم الى حرب ضد الإرهاب، الأمر الذي قلّل كثيرا من تعاطف وتضامن الرأي العام الدولي مع عدالتها ، ثم حولها بعد استقدام الإيرانيين والروس الى حرب تحرير ضد احتلال مزدوج طرفها السوري الأقوى هي فصائل اسلامية ذات طروحات تهدف لإقامة دولة دينية، ساهمت طروحاتها بتعميق الهوة بين الثورة السورية والكثير من السوريين والرأي العام العربي والدولي.
إن مهمة الوطننين السوريين في الحفاظ على وطنهم وايقاف المقتلة التي يتعرض لها أهلهم وعملية التدمير الشامل التي بتعرض لها وطنهم تزداد صعوبة يوما بعد يوم وقد تتحول الى مستحيلة؛ اذا ما استمروا في تسليم أمرهم وأمر وطنهم الى قوى اقليمية ودولية تعتبر أن من حقها استخدام كل مافي حوزتها من أوراق للدفاع عن مصالح بلدانها واستقرار انظمتها .
إن تجاهل أوإغفال حقيقة أن السياسة الدولية لاتعترف إلا بالمصالح كمعيار أساسي لرسم سياساتها وأن من لا يحاول الدفاع عن مصالح وطنه وشعبه بنفسه وبكل السبل الممكنة سيخسر كل شيء ، أدى الى الوضع الذي نعيشه اليوم، وهذا يدفعنا الى الاستنتاج أن أهم ما يجب علينا إدراكه اليوم هو مدى أهمية اتخاذ القرارات الضرورية والجريئة بالكثير من الاستقلالية والحرفية السياسية وفي التوقيت المناسب .
هناك مسلمتان أصبحتا واضحتين وضوح الشمس : بينما لا تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتدخل ، فإن روسيا لن تتراجع عن الحسم العسكري حتى ولو حولت جميع المدن السورية الخارجة عن سيطرة النظام الى غروزني أخرى ، و أن أولويات تركيا ودول الخليج العربي هي الحفاظ على استقرار أنظمتها السياسية وحماية أمنها القومي .
لنضع استراتيجية إنقاذ وطننا وهزيمة الاستبداد والفساد والتطرف فيه دون تجاهل هاتين المُسٓلَّمتين ، ولنعمل اليوم قبل ان نندم غداً.
Tags: سلايد