Archived: د.محمد حسن كيوان: و نجح (بشار الأسد) في إثبات تقمص الأرواح

د.محمد حسن كيوان: كلنا شركاء

يُحكى أنه في جلسة غريبة من جلسات مجلس الشعب السوري إبان عهد حافظ الأسد، حلّت شجاعة نادرة في نفوس أعضاء المجلس فقاموا بحركة تاريخية صوتوا فيها برفض أحد القرارات المطروحة للنقاش. على الرغم مفاجأته بالأمر، استطاع  المخضرم عبد القادر قدّورة، رئيس المجلس لأكثر من خمسة عشر عاماً لم يرفض خلالها أعضاء مجلس الشعب أي مرسوم رئاسي، احتواء الموقف بخبرته المعهودة في فن ترويض النواب. ففي حركة ذكية، أعلن قدّورة أن النقاش لم ينضج بعد، ثم طلب إعادة التصويت من جديد و لكن هذه المرة بشكل تفقد شخصي ينادي على اسم العضو ثم يأخذ نتيجة تصويته مذكراً قبل ذلك النواب أن ” الرفيق المناضل حافظ الأسد” كان قد صادق على القرار المطروح للمناقشة. بذلك حول قدّورة التصويت إلى فحص ولاء الأعضاء لشخص حافظ الأٍسد. وهكذا، بفضل هذه المناورة الماكرة، تمكّن من “تنخيخ” النواب و قلب رفضهم إلى موافقة مفعمة بالإيمان و التسليم بحكمة و حنكة القائد حافظ الأسد (1).

اليوم، لا يملك المرء إلا أن يتذكر هذه القصة عند متابعة شكل علاقة رأس النظام السوري مع راعيه الروسي و خاصة في تجلياتها الأخيرة. فمنذ أسبوعين، أصدرت وزارة الدفاع الروسية تصريحاً لافتاً أعلن فيه وزير الدفاع الروسي فتح أربع “ممرات انسانية” لإخراج المحاصرين في حلب الشرقية. يتجاهل هذا الاعلان النظام السوري أو الحكومة السورية تجاهلاً تاماً و كأن حلب أصبحت شأن داخلي روسي. و قد ازداد موقف النظام أمام رعاته الروس سوءاً بعد الأداء المهلهل الذي أبداه جيشه في معركة فك الحصار عن حلب.  فالنظام اليوم بحاجة أكثر إلحاحاً لتلقي جرعات الدعم الروسي. و قد بدأت نداءات الاستغاثة بالفعل من المفتي حسون الذي “استصرخ ضمائر الأصدقاء الروس و حزب الله و كل الشرفاء الذين جاؤوا من أنحاء العالم للدفاع عن حلب”. و قبله استغاث اللواء حسن برجو بالروس راجياً أن تزداد وتيرة القصف الروسي في حلب بعد أن أسقط “الإرهابيون” المروحية الروسية في ادلب (2).  ولكن على الجانب الآخر، يوماً بعد يوم يبدو النظام وجيشه الضعيف عبئاً قد يطيح بأهداف التدخل الروسي و يغرق روسياً شيئاً فشيئاً في معركة لم تكن تريد أن يتم استدراجها إليها.

و حتى قبل معركة فك الحصار عن حلب، امتلأت الأسابيع الأخيرة بإهانات مختلفة تعمد الروس توجيهها للأسد لعل أبرزها زيارة وزير الدفاع الروسي إلى قاعدة حميم دون علم الأسد. و تسرب مسودة  الاتفاق الروسي الأميركي الاخير الذي ينص على “إيقاف الجيش السوري لأي نشاط جوي عسكري فوق المناطق التي تحددها روسيا و أميركا” (3) الأمر الذي من شأنه، إن نفذ، أن يعني حظراً جوياً روسياً ـ أميركياً على طيران النظام و“سيادته” فوق الأجواء السورية.

و يبدو أن رأس النظام يفهم وضعه الضعيف و الحرج هذا و لهذا السبب يشدّد بشار الأسد، في إطلالاته الإعلامية المتكاثرة مؤخراً، على قصة أنه حامي السيادة الوطنية و الاستقلال و يكثر الأمل بأنه سيدخل التاريخ لأنه الزعيم الذي “حمى  سيادة سوريا من التدخل الخارجي”!.  و لا حاجة للعجب من تناقض تصريحات بشّار مع  الواقع الأليم الذي تعيشه “السيادة السورية” (و التي غدت هذه الأيام أشبه بالمصفاة لكثرة ما تعرضت من خروقات روسية و أميركية و إيرانية و حتى أفغانية!) فالولد سر أبيه كما يقول المثل وقد كان من عادة الأسد الأب إكثار الكلام عن أمر ما إذا ما كان يفعل عكسه تماماً.  فكان يكثر ذكر الديموقراطية بنفس الوقت الذي كان فيه يبني نظامه التسلطي الجاثم على ظهر البلد حتى اليوم. و عندما كثرت تقارير منظمات حقوق الإنسان حول الأوضاع الرهيبة في السجون السياسية في سوريا (تدمر و أمثاله) في أواخر الثمانينات و أوائل التسعينات، زاد الأسد  الأب من تواتر تصريحاته حول الأمر حتى أنه شطح في إحدى المرات إلى القول بأنه لا يوجد في سوريا أي سجين سياسي !

على أي حال، رغم هذا التشابه بين الابن و أبيه، إلا أن الوضع الدولي اليوم مختلف تماماً عن الحال إبان الحرب الباردة مما يجعل إدارة علاقة الأسد الأب مع السوفيات أسهل بكثير من علاقة بشّار مع رعاته الروس. ففي الحالة الأولى، أتقن نظام الأب، و أمثاله من النظم “التقدمية” العربية، فن المناورة على الحبلين: فمن جهة يفيد التحالف مع الاتحاد السوفياتي في الحفاظ على أركان النظام و الحصول على السلاح و”مواجهة الإمبريالية”، و من جهة أخرى تبقى الخطوط مفتوحة مع الغرب لأهداف مختلفة أهمها قمع الاحزاب الشيوعية الناشطة في هذه البلدان وقتئذ و الحفاظ على موطئ قدم في الاقتصاد  الرأسمالي العالمي و تمهيد الطريق، في مرحلة لاحقة، للدخول في مراحل الخصخصة و  اللبرلة الاقتصادية (4).

هذه الظروف هي ما سمحت للأسد الأب أن يخرج عاصياً على السوفيات عندما تدخل في لبنان، برعاية أميركية و صمت إسرائيلي، لقمع اليسار اللبناني في صيف 1976 رغم وساطة  رئيس الوزراء السوفياتي آنذاك أليكسي كوسيغن (5). و هي ما سمحت له لاحقاً منذ منتصف الثمانينات  بتطويرالعلاقات مع أميركا و الدخول معها في تحالف إخراج صدام حسين من الكويت و ما تلاه من عملية السلام و مؤتمر مدريد.
أما اليوم، فلا يتمتع بشار الأسد بظروف دولية مماثلة. و الأهم من ذلك أنه قد وضع نفسه، منذ بداية 2011، في مواجهة مفتوحة مع الشعب السوري لا يمكن أن يخرج منها منتصراً و هذا ما يجعله معلقاً تحت رحمة رعاته من روس و إيرانيين و غيرهم.

و لعل أكثر ما يدل على انكماش سلطته هو الطريقة التي خرجت بها حكومة عماد خميس إلى العلن و التي تذكر بأسلوب عبد القادر قدورة في الترويض (القصة المذكورة في بداية المقال).  إذ بدأ الأمر بتسريب من قناة “روسيا اليوم” يكشف عزم الأسد على تكليف المهندس عماد خميس برئاسة حكومة جديدة. تلى ذلك نفي وكالة سانا الرسمية للتسريب كلياً و اعتباره غير دقيق إطلاقاً. إلا أن بشّار الأسد عاد بعد أيام معدودات و تصرف كما فعل أعضاء مجلس شعبه في المثال أعلاه  وأصدر مرسوماً بتكليف عماد خميس بتشكيل الحكومة منسجماً بذلك مع نص الخبر الروسي و مع توجيهات “الرفيق بوتين”.

على أي حال، من المؤكد أن بشار الأسد لن يدخل التاريخ على أنه “الرئيس الذي أنقذ بلاده من التدخل الخارجي” كما يحب أن يروج في مقابلاته المختلفة. و لكنه، من جهة أخرى، نجح في دخول التاريخ من باب آخر سيُجّل فيه أنه أول من أثبت صحة تقمص الأرواح.. فقد أجبرته علاقته مع رعاته الروس على تقمّص روح أعضاء مجلس شعبه و طبيعة سلوكهم السياسي حتى غدت حالته اليوم أشبه بحالة عضو مجلس الشعب “عبد العزيز طراد الملحم”  الذي اقتصر دوره، في جلسة افتتاح الدور التشريعي الاخير آذار 2016 ، على تكرار تلقائي لما يقوله الملقن.

و يبقى السؤال، ماذا سيكون موقف حافظ الأسد لو عرف أن أبنه أصبح “عضو مجلس شعب” ؟

المراجع
  1. Alan George. Syria: Neither Bread nor Freedom. London : Zed Books، 2003.
  2. روسيا اليوم. بعد انهيار جيش بشار الاسد : اللواء حسن يرجو روسيا التدخل بحلب. كلنا شركاء في الوطن. 6 8, 2016.
  3. وثيقة أميركية لروسيا تربط محاربة «النصرة» ووقف النار بالانتقال السياسي. إبراهيم حميدي. 2016، الحياة.
  4. M.Kamel. LE ROLE POLITIQUE ET IDEOLOGIQUE DE LA PETITE BOURGEOISIE DANS LE MONDE ARABE. Renaissance du monde arabe. Gembloux : Duclot، 1972، الصفحات 366-426.
  5. باتريك سيل. الأسد و الصراع على الشرق الأوسط . بيروت : شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1989.




Tags: سلايد