on
Archived: د. محمد حبش: فتح الله غولن… الهادئ الهادر… قلق أردوغان ووعد تركيا ….
د. محمد حبش: كلنا شركاء
ما هو سر فتح الله غولن الذي يقيم في بيت هادئ في بنسلفانيا، ولكنه يكتب تاريخ تركيا الصاخب بكل أهواله وضجيجه.
ومن هو ذلك الشيخ الذي يكرسه أتباعه صوفياً زاهداً وعارفاً بالله، لا أرب له في هذا العالم، وأن الدنيا تراوده عن نفسه ببهارجها وزخارفها ولكنه يريها أيما شمم وإباء؟
ومع أن الزج بالقناعات الشخصية قد يشوش القراءة الموضوعية للأحداث ولكن قلمي يسابقني لتقرير ان الصراع بين أردوغان وغولن لا يتجاوز الجانب الشخصي والغيرة على خطف الأضواء والنجاح.
ومع كل إعجابي بخطوات اردوغان الواثقة، ونجاحاته المترافدة في بناء مستقبل حقيقي لبلاده، وأخيراً شجاعته وحزمه في تجاوز تهديد الانقلاب الرهيب، ولكنني أشعر بالاحباط من موقفه من حركة خدمة التركية.
وأشعر بالحيرة أكثر من تحميل غولن مسؤولية الانقلاب الفاشل الذي هز بشكل عنيف كيان الوطن التركي الجبار، رغم الإدانة القطعية الواضحة لهذا الأخير لهذا الانقلاب المشؤوم بكل الوسائل.
حركة خدمة التي يقودها غولن أو حزمت كما يسميها الترك ليست حركة سياسية بالاساس، وهي امتداد تاريخي لسياق حركة الشيخ سعيد النورسي الذي استطاع أن يحافظ على المجتمع التركي حيوياً في إسلامه رغم العاصفة الأتاتوركية الهوجاء، وتمكن ببراعة من نزع فتيل المواجهة والصدام بين الإسلاميين والنظام العلماني، وكان فتح الله غولن أكثر امتداداته تعبيراً عن روح الحركة النورجية النورسية في تركيا والعالم.
وغولن كما أفهمه صاحب مشروع تنويري شجاع يهدف الى مصالحة الإسلام مع العالم وبناء علاقات صحيحة بين الاسلام والغرب، بعيداً عن حمولات الماضي الإيديولوجية من جيوش الغازي العثماني ومن ابتزاز المستعمر الأوربي.
لا يقبل غولن اي وجه من الاستعلاء الثقافي، ولا يوجد في خطابه ما يشير إلى تفوق الإسلام على المسيحية او اليهودية، أو تفوق الترك على العرب والفرس، إنه دين بين الأديان وليس ديناً فوقها، وإنها أمة بين الأمم وليست أمة فوق الأمم، وإنه نبي بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء، وإنما تتفوق الأمم والأديان بمشاريعها وبرامجها وليس بإيديولوجياتها.
ولا يؤسس كفاحه على أساس حق وباطل، وحليف وعدو، وحب وحرب، فالعالم بالنسبة لغولن أسر متجاورة تلتقي على مصالحها ومنافعها، وهي مطالبة أن تطور علاقاتها في إطار المساواة والعدالة، وهو يرفض بإطلاق اي سعي طائفي او تبشيري.
وتركيا وراء الأسوار هي البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى قبل ان تكون العرب أو الفرس، والمجال الحيوي لتركيا هو الشمال وليس الجنوب، وهو أوربا وأمريكا، إنه يرى أن محاولة إحياء الميول العثمانية عبث لا طائل تحته، وأن الغرب المتحضر هو الصديق الطبيعي للأمة التركية الناهضة.
أمريكا ليست كما قال أربكان عدواً لتركيا، بل هي حضارة كبرى كما هو حال تركيا أيضاً، وعلينا أن نتجاور مع هذا العالم دون أن تسكن في مشاعرنا تلك النزعة الاستعلائية النازية، وأن نفهم مصالح الآخرين كما نريدهم أن يفهموا مصالحنا.
كيف يمكن لمشروع تنويري بهذا الوضوح والتحضر أن ينخرط في عمل انقلابي دموي فاشل بالغ الغباء؟ وكيف يمكن لفيلسوف حقيقي يكرسه العالم إمام حكمة وسلم ونور أن يتورط وهو في خريف العمر بمخابرة العسكر ليقوموا بمغامرات طائشة مخبولة لا تنم عن أي عقل ولا منطق ولا تحضر؟
في مطلع الألفية الجديدة يسعى إليه البابا يوحنا بولس الثاني بوصفه أبرز زعماء الاسلام تأثيراً، وتقدمه التايمز مطلع 2012 على صفحة الغلاف وتعتبره أهم شخصية إسلامية مؤثرة في العالم، وتتعاقب بعدها 23 مجلة عالمية وتركية على نشره صورة غلاف وتقديم استطلاعات واسعة عن حياته وفكره، وتصدر مئات الكتب في وصف سيرته وحركته وحياته وفكره ونشاطه، وتنعقد مئات الندوات والمؤتمرات للحديث عن فكره وبرامجه ومشاريعه.
قبل سنوات قمنا بدعوة فتح الله غولن لحفل تكريم دولي كبير، عبر واحدة من المنظمات الدولية الكبرى الرائدة في حوار الأديان عن طريق الحكومة التركية نفسها، وكانت المفاجأة هي اعتذاره القاطع عن المشاركة ورغبته أن لا يمنح أي تكريم جديد.
يقيم غولن في عزلته الروحية بعد أن خلف مستقبله وراءه، وأصبح في السن التي يكتفي فيها الحكيم بالبصيرة والتأمل والبهجة بإنجازاته وأعماله المستمرة فقد أطلق أكثر من عشر جامعات متطورة ومئات المدارس الحديثة، وعشرات القنوات الفضائية التي تبشر برسالته، وتنفق على هذه المؤسسات وقفيات استثمارية هائلة عابرة للقارات من مصانع وشركات كبرى، تعمل في ظل القوانين في تركيا والبلقان والمانيا وأمريكا وهي مستمرة في عملها التنموي دون أن يكون لها دخل بالسياسة.
قراءتي الخاصة أنه إذا نجحت تركيا تاريخياً في تجنب الصراع بين الإسلاميين والعسكر فإن الفضل يعود بشكل خاص لبديع الزمان النورسي وخليفته فتح الله غولن حيث نجح السلف والخلف في خلق فضاء إسلامي حقيقي لنشاط شبابي ناجح وغير عنيف، واستطاع أن يبني بصوفيته واعتداله موقفا بالغ الدقة ويحول الانفعال الشوارعي إلى عمل مؤسساتي يخدم تركيا وشعبها الكبير.
لا أفهم في الواقع سبب قناعات اردوغان بأن غولن يقف وراء انقلابات كهذه، فالرجل تجاوز السابعة والسبعين من العمر وقد اختار بنسلفانيا منفى احتيارياً منذ عشرين سنة، ومع أن علاقاته باردوغان كانت في غاية القوة والثقة، وكان ينظر إليه على قطاع واسع أنه أستاذ أردوغان الحقيقي، حتى كان رجال العدالة والتنمية يطلقون عليه لقب الأب الاحتماعي للترك، ورغم ذلك كله فهو منذ عشرين عاماً لم يشأ أن يدخل تركيا لاي دور سياسي، واكتفى بمراقبة ازدهار مشاريعه في تركيا ومجالها الحيوي في العلم والثقافة والإعلام والاقتصاد.
لماذا يبحث غولن عن انقلاب دموي فاشل تزهق فيه مئات الأرواح ولا يستفيد منه المعارضون بشيء ويرتد بالكامل لمصلحة اردوغان وحزبه وتياره.
أسئلة صعبة لا جواب لها في منظق الربح والخسائر، ولكنها تعكس زاهرة الثنائيات سيئة السمعة، ثنائيات تكررت في تاريخ الاسلام السياسي خلال العقود الماضية وهي تشبه حال الترابي والبشير، ومهاتير محمد وأنور ابراهيم، والخميني وشريعتمداري وخامنئي والنجفي مرعشي، واردوغان واربكان، ومرسي وبرهامي، وكانت تحمل أغرب المفاجآت، فالخطاب واحد والأهداف واحدة والمدرسة واحدة، والبرامج متطابقة وليست متشابهة، ومع ذلك فقد كانت المنافسات تنتهي بزج الخصم في السجون القاسية، وإطلاق حملات تشهير سوداء لا تعرف إلا ولا ذمة ولا تحفظ وداً ولا عهداً.
لا أكتب هذه الكلمات لأطلق مبادرة مصالحة وحوار، فالأمر يختلف سياقاً وسباقاً، ولكنه في الوقت نفسه مؤشر خطير على غياب الوعي لصالح الانفعال، وسقوط المبادئ من أجل السياسة.
لقد أطلق أردوغان مبادرة هامة بعد الانقلاب لجمع الأحزاب الاربعة، وفي تقديري فإن هذه المبادرة ستكون أخلد كفاح اجتماعي في تاريخ تركيا لو انها ضمت خامساً وهو حركة (حزمت) التي هي أقوى الحركات نفوذاً في النخب التركية وهي التي تقود المد التنويري في تركيا وآسيا الوسطى والبلقان وكثير من مدن أوربا وأمريكا.
Tags: سلايد