on
Archived: إبراهيم الجبين: كيف تتغير أوروبا وتغير معها الملف السوري؟
إبراهيم الجبين: كلنا شركاء
قبل أيام قليلة فقط، نشرت وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي رسالة في صحيفة “تايمز″ تعلن فيها ترشّحها لمنصب رئيس الحكومة. كان أهم ما ورد فيها تعهد ماي بأن تجمع كلمة البريطانيين المنقسمين على أنفسهم. ورغم موقفها المعارض لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي إلا أن ماي كانت قد قررت دعم رئيس الحكومة كاميرون حتى اللحظة الأخيرة.
لكن وعد ماي لم يقتصر على توحيد كلمة البريطانيين وحسب، بل إنها وصفت البلاد بأنها تفتقر إلى الزعامة الحقيقية، مقدمة نفسها القائد المنتظر للمرحلة المقبلة، مرحلة المفاوضات للخروج من الاتحاد الأوروبي.
ومثلما تعاني المعارضة السورية من مأزق العثور على قيادة قادرة على توحيد الجميع، تعاني بريطانيا، فقد قالت ماي أيضاً “يحتاج بلدنا إلى قائد قويّ ومعترف بمؤهلاته لاجتياز هذه الفترة من الغموض الاقتصادي والسياسي، ولإجراء مفاوضات حول أفضل الطرق للخروج من الاتحاد الأوروبي”. وكانت تقارير قد ذكرت أن ماي، قامت بسحب الجنسية من مواطنين بريطانيين، ووفقاً لصحيفة “ميل أون صندي” فإن وزيرة الداخلية، نزعت الجنسية من بريطاني مسلم بعد رفضه الانضمام إلى جهاز الأمن الداخلي البريطاني “إم آي 5″.
أولئك الذين رفضوا الديمقراطية
ماي هي من اتخذ قرار طرد أبو حمزة المصري وتسليمه إلى الولايات المتحدة الأميركية في العام 2012 وكذلك إبعاد وتسليم أبو قتادة إلى الأردن. وصرّحت ماي مراراً أنها لن تتهاون مع أولئك الذين “رفضوا قيم الديمقراطية وحرية التعبير والمساواة وسيادة القانون في هذا البلد” مضيفة أن التطرف يمثل “المشكلة الأخطر والأوسع انتشارا”. كلماتها تلك التي ألقتها في لندن ذات يوم، توضح ذهنية ماي بصورة لا تقبل الجدل “إلى أولئك الذين اختاروا بإرادتهم رفض قيمنا والمبادئ الأساسية لمجتمعنا. الرسالة واضحة: لم يعد بوسعكم الاستمرار فيما تفعلونه. لن نتهاون بعد الآن مع سلوككم”.
وجدت ماي نفسها ترث اللحظة السياسية مرتين، الأولى حين تم تعيينها وزيرة للداخلية، والثانية هذه الأيام بعد تنحي كاميرون. فقبل توليها لحقيبة الداخلية كانت بريطانيا قد شهدت تفجيرات انتحارية في نظام النقل في لندن في العام 2005 ولم تتوقف تلك التهديدات عند اغتيال جندي بريطاني في العام 2013 بيد إسلاميين بريطانيين. ثم ظهور مشكلة المواطنين المنضوين تحت لواء داعش. إذ سافر المئات من البريطانيين للقتال في صفوفه في العراق وسوريا.
ماي كانت قد جاءت إلى الحكومة في العام 2010، بتعيين من كاميرون، ومنذ تعيينها دفعت التطورات في الشرق الأوسط، وكذلك في أوروبا، بوزيرة الداخلية إلى اتّباع سياسة حازمة مع المهاجرين غير الشرعيين، وكذلك مع الإسلاميين.
تنفست الصعداء، بعد أن ظهرت نتيجة الاستفتاء، مؤكدة أن نسبة مؤيدي الانسحاب من الاتحاد الأوروبي تزيد بقليل نسبة مؤيدي البقاء. وقالت “أعتقد أنه لا يجب أن يكون هناك إعادة للاستفتاء. أو أيّ انتخابات عامة حتى العام 2020، أو حتى أيّ ميزانية طارئة، كما أنه لا يجب تطبيق المادة 50 إلى أن تصبح استراتيجية بريطانيا واضحة، وهذا لن يحدث قبل نهاية العام الحالي”.
العمالة المهاجرة
من الأفكار التي تطرحها ماي أمام الجمهور، أن ما نسبته 70 بالمئة فقط من الأيدي العاملة التي تقدم إلى بريطانيا للعمل في وظيفة معينة سيتم منحهم رقم “التأمين الوطني” كعمال مؤقتين بلا إقامات دائمة، ولن يسمح لهم باستقدام أسرهم معهم. مع فرض حظر على قدوم ما نسبته 30 بالمئة من الأشخاص الذين يهاجرون من دول الاتحاد الأوروبي.
طالبت بتعديل قوانين حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي، وقالت إن “خفض صافي الهجرة في الاتحاد الأوروبي، يجب ألاّ يكون تقويضا لمبدأ حرية التنقل، فحرية الحركة تعني حرية الانتقال إلى وظيفة، لا حرية لعبور الحدود للبحث عن عمل أو المطالبة باستحقاقات”.
تشرح ماي ما لديها من بيانات حول المهاجرين بالقول “في العام الماضي وحده، كان أربعة من أصل كل عشرة مهاجرين من الاتحاد الأوروبي، أي ما يبلغ 63 ألف شخص، جاؤوا إلى هنا بسبب عرض عمل”. مضيفةً أن “البحث عن حياة أفضل لأولئك الأشخاص في بريطانيا، والبحث عن عمل أديا في بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى فقدان الآلاف من الأيدي العاملة. وذلك هو ما تعاني منه اقتصادات شمال أوروبا، وهو ما يكلفها الكثير على المستوى الاجتماعي والاقتصادي”.
ماي هي ذاتها التي طرحت في مثل هذا الشهر قبل ثلاث سنوات فقط، ما سمّي بالمقترح اليميني الذي ينص على “فرض وديعة مالية على المهاجرين” إلى بريطانيا بوسعهم أن يستردوها إذا لم يحصلوا على مساعدات مالية من الحكومة، حسبما أوردت الغارديان آنذاك. وهي غالباً ما تطرح نظريتها الخاصة في التعامل مع التطرف، معتبرة أنه “ليست كل أشكال التطرف تقود إلى الإرهاب لكن من ينشرون الكراهية هم الذين يتعين التعامل معهم”. وهي تدعو المسلمين إلى الانضمام إلى “شراكة لهزيمة المتطرفين”، مبشرة بأنها ستواصل تصميم إجراءات خاصة، تشمل فرض الحظر على الجماعات التي لا تلتزم بأوامر الحظر المتصلة بالإرهاب وقرارات الإغلاق الخاصة بالأماكن التي يمتلكها أو يستخدمها متطرفون، أو أوامر استهداف المحرضين على الكراهية. وتبدو ماي واثقة من قيادتها للمرحلة القادمة، فهي تضع العناوين والخطط التنفيذية بلا أيّ تردد، مشيرة إلى أن الاقتصاد البريطاني “لن يشهد أيّ تغيير، في ما يتعلق بالتبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي وغيره”.
الملف السوري يخضع للمتغيرات، وكما تتغير مركباته، فهي تحدث موجات ارتدادية في العالم في الوقت ذاته. ظهرت في ألمانيا وظهرت في بريطانيا، وستظهر قريباً في أميركا. كل تلك التحولات، ستنشيء خطاباً عالمياً جديداً، يحقق الأهداف التي طالب بها السوريون، بغض النظر عن تشويش محاربة الإرهاب. فالدولة الوطنية آخذة في التشكل بصلابة حول الهويات التي تناشد بحقوقها في كل مكان. وهذا سيصب حتماً في صالح بؤرة التوتر الذي أصر الرئيس أوباما وإدارته على المحافظة عليها في سوريا.
Tags: سلايد