مضر الزعبي: لم يكن ينقصنا الخبز كنا جياع للكرامة (1/3)

مضر الزعبي: كلنا شركاء

لم يكن ينقصنا الخبز و لا المال، و لكن يبقى السؤال لماذا ثاروا أهلي؟  من لا يعرف حوران قبل العام 2011 فهي ببساطة كانت المدينة الوحيدة في سوريا التي لا يستطيع الزائر أن يميز مابين أبعد بلدة فيها و مابين مركز المدينة، فأينما اتجهت تجد النهضة العمرانية، لم يكن ينقصها الخدمات ، أذكر أيام الجامعة أن السؤال الذي كان يشغل معظم الطلاب السوريين مابعد التخرج  “ماذا ستعمل وهل سنجد وضيفة” لم يكن يشغلنا  في حوران، هنا سأذكر وصايا أبي “نحن لا نعمل لديهم”، لا يمكن أن أنسى كيف تحولت حوران لقبلة لأهالي الشمال السوري منذ أستلم الأسد الأبن السلطة عام 2000 فأينما ذهبت بحوران تجد مخيمات الفقر التي تضم مئات الأسر من الشمال السوري الذين يعملون بحوران، ولا سيما في الزراعة، حتى أطلقوا عليها اسم (خليج سوريا).

أنا من بلدة تبعد عن مركز المدينة 24 كم، أذكر السؤال الدائم لدى أصدقائي من باقي المحافظات ، بماذا تعملون وهل لديكم موظفين؟ بكل بساطة من أصل 7 الأف شخص يوجد شرطي وأحد و ضابط واحد و موظف واحد بالإضافة لكادر تعليمي، وماذا عن البقية؟ جميعهم يعملون ودخل أقلهم يعادل خمسة أضعاف مرتب أي موظف.

اعتمد أهلي على الاغتراب ولكن لم يتركوا أرضهم، بل على العكس أينما وليت وجهك في حوران تجد الاستثمارات قبل العام 2011، وهذا ما جعل من حوران قبلة لمسؤولي النظام الذين باتوا يحاولون استقطاب الأهالي فالامتيازات التي كانت تعطى لأهالي حوران لم تكن تعطى لأهالي أي منطقة أخرى في سوريا.

هنا كان يتجدد السؤال بالنسبة لي لماذا نحن هكذا، ولماذا يجوع باقي السوريين ؟ ما قبل العام 2011 اشترى المزارعون بمحافظة درعا معظم المساحات الزراعية من مزارعي محافظة السويداء ، علما أنه كان يحكى لنا أنه بيوم من الأيام كان أهلنا يعملون لدى مزارعي السويداء ، فماذا الذي تبدل ؟ ، ما بعد 2011 وجدت الأجابة عن سؤالي : لم يكن النظام يريد أن يدخ أهل حوران في سلك الجيش و الأمن بكل بساطة لأنهم من الطائفة السنية ، و بالمقابل كان يريد ان يدخل أهل السويداء في هذا السلك كعناصر ، وهذا ما دفعة لتجويع محافظة السويداء على حساب حوران الذي لم يكن يعتقد أنها سنكون في يوم من الأيام شرارة لثورة القرن .

النظام كان يظن أنه يسيطر على درعا، ولكن تجاهل أن حوران 2011 ليست حوران 1980 ، فلم يعد  للوجهاء التقليديين دور في المجتمع ، فالرجل في حوران كان يفني حياته في الاغتراب من أجل أمرين لا ثالث لهما ، أولها أن يعلم أبنائه ، و ثانيهما أن يبني منزل كي يستريح به في أخر حياته ، جيل كامل من الشباب المتعلم لا ينتظر وظيفة حكومية و لا يعاني من نقص الطعام ، هذا الجيل أصبح يشعر بالجوع و يبحث عن كرامته ، لم يكن مستعد لسماع كلام من عمل النظام على تربيتهم طوال 40 عام .

فعلوها أهلي

18/3/2011 لم يكن يختلف عن أي يوم من أيام حوران ، أبي كالعادة في الصباح بمزرعته ، فهي قطعة من روحه ، بعدها يبدأ التفقد اليومي على الجميع أن يتجهز لنذهب لمسجد البلدة ، بعدها اجتماع لـ (حزبيي درعا) في مكان ما ، فهم يتجهزون لانتخابات فرع الحزب بدرعا ، بصدفة كنت في المكان مع أبي، في هذه الأثناء أذكر جيدا حين كنت أشاهد التلفاز وكان الخبر الأول من قناة (فرنس 24) ، مظاهرات في مدينة درعا ، عندها بدأ يقول (الحزبيون) هذا الكلام غير صحيح ، منذ أقل من ساعة خرجنا من درعا ولم يكن هنالك أي شيء، الخبر التالي كان قتيل بالاحتجاجات في درعا ، هنا أنتهى اجتماع (الرفاق) .

الشك مع الريبة هو سيد الموقف ماذا يجري وهل هذه الأخبار صحيحة، أقل من ساعة كانت الإجابة نعم، الفرح سيد الموقف لا ينقصنا أي شيء، فعلوها أهلي .

يمضي اليوم الأول ، و اليوم الثاني ، المدينة الثائرة تحولت لجزيرة معزولة عن ريفها ، نكتفي بسماع الأخبار شهيد يشيع شهيد ، الانتظار سيد الموقف ، نستمر هكذا إلى أن يأتي صباح يوم الأربعاء 23 آذار/مارس 2011 ، خبر الصباح: الأمن السوري يقتحم ساحات المسجد العمري و يقتل 11 من المعتصمين ، للمرة الأولى أشعر بالقهر ، ولكن أقل من ساعة يجتمع 10 من شباب الحارة ، الجميع يسأل ماذا سنفعل ، دقائق يقول احدهم علينا أن نذهب إلى درعا ، و بالفعل للمرة الاولى يعصي الجميع كلام الأهل ، المدينة الأقرب لنا هي (الحراك) شرق درعا ، هنالك كانت المظاهرة الأولى لنا أكثر من 100 شاب ، ولكن هو السؤال من جديد ماذا سنفعل ، هذه المرة كانت الإجابة من نساء المدينة فكل واحدة بدأت تشجع أبناءها ، دقائق اكثر من 1000 شاب ونساء المدينة على شرفات  ، وكأنه عرس فكل واحدة ترمي الأرز و الحلوى على الشباب ، لا أحد يسيطر على هذا السيل البشري ، يتابع مسيره بلدة تلوا البلدة  فالهدف أصبح وأضحا: المسجد العمري ، لسنا أقل من شباب درعا ، في هذه لحظات تشاهد العامل يترك عملة و ينضم لنا و الطالب ، الجميع يريد أن يشارك ، أربع ساعات من السير درعا أصبحت على مرمى حجر ، ينادي احدهم صلاة العصر ، يصلي الجمع الذي تجاوز 20 ألف شخص و يتعاهد الجميع أن صلاة المغرب ستكون بدرعا ، هنا بدا الترقب ، هنالك أعين تراقب المظاهرة ، السيارات تأتي من أتجاه المدينة نحو المظاهرة ثم تعود ، الحاجز الأول للجيش  على مدخل درعا ، الثورة المصرية حاضرة بهتاف (شعب وجيش يد وحدة) يفتح الحاجز و يسمح لنا بالدخول ، أنها درعا و لكن لا بشر جميع النوافذ مغلقة ، لا يهم قد وصلنا ، أقل من 2 كم المظاهرة على طول الطريق الرئيسي بدرعا المحطة ، صوت رصاص ، يقول أحدهم أنه قادم من درعا البلد فرحا بنا ، لم تنتهي الجملة حتى بدأ كل شيء يتغير ، وكأن الأرض شقّت و بلعت الجمع، للمرة الأولى سأشاهد قتيلاً أمامي ، لا صوت يعلو على صوت الرصاص ، الكل يبحث عن مخرج للهروب ، لقد وقعنا في الفخ .

للمرة الأولى أشاهد الموت و أسمع ازيز الرصاص، عشر دقائق ما بين أواني الفخار كانت كفيلة بأن تغير حياتي، لم يصل الجمع إلى العمري، فقد قتل أكثر من 35 شابا في المجزرة الأولى من عمر الثورة، لم يكن أحد يريد إسقاط النظام، لم يهتف أحد ضد الأسد ، فسقف هو عاطف نجيب و المحافظ .

سنعود و يعود معنا الشهداء ويكون تاريخا جديداً، لم ننجح بالوصول إلى ساحة الاعتصام لكن دماء الشهداء كانت كفيلة بأن تحول جميع بلدات حوران لساحات اعتصام.

ما بعد المجزرة ليس كما قبلها للمرة الأولى سنسمع (الشعب يريد أسقاط النظام)، وللمرة سأعترف بأن الخوف يتملكني نحن لم نقل نريد (إسقاط النظام) وقتل منا العشرات فأي ضريبة سندفعها بعد هذا الهتاف.