مرح البقاعي: المكارثيون الجدد وترامب المغرّد!

مرح البقاعي: كلنا شركاء

يرجع مصطلح المكارثية بجذره السياسي إلى الفترة الزمنية الممتدة بين الأعوام  1947-1956 في الولايات المتحدة الأميركية، والتي عرفت بـ بموجة “الخوف الأحمر الثاني”. وقد عرفت تلك الفترة حالة من القمع السياسي غير مسبوقة في الولايات المتحدة ، وكذلك موجات من بث الخوف والحذر من التأثير على المؤسسات الأميركية والتجسس عليها بواسطة  “العملاء السوفييت” كما كان يطلق على أفراد من الرسميين الذين يتهمون بالتواصل مع عناصر من السوفييت المنخرطين في الأجهزة الحكومية للنظام الشيوعي الحاكم في ذلك الوقت.

ولحماية المؤسسات الأميركية من التجسس على مراكز القرار السياسي الأميركي قام رئيس الولايات المتحدة في تلك الفترة، هاري ترومان، بإصدار القرار الرئاسي التنفيذي رقم  9835 بتاريخ 21 آذار/ مارس  للعام 1947، والذي ينص على إلزامية إخضاع جميع موظفي الخدمة المدنية في الاتحاد الفيدرالي الأميركي لاستجواب دقيق بهدف التأكد من درجة “الولاء” لديهم، وبحيث يكون من صلاحية المحققين توجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة إذا ارتأوا ذلك دون الاهتمام بالأدلة. ويُنسب هذا النههج الانعزالي إلى عضو مجلس الشيوخ الأميركي جوزيف مكارثي، وكان رئيساً لإحدى اللجان الفرعية بالمجلس، واتهم عدداً من موظفي الحكومة وبخاصة وزارة الخارجية بالمكارثية، الأمر الذي أدى إلى اعتقال العديد منهم بتهمة أنهم شيوعيون، أو يناصرون الفكر الشيوعي، أو أنهم يعملون لصالح الاتحاد السوفييتي وتحقيق أهدافه لتغيير شكل الحكم الرأسمالي في أميركا أو التأثير عليه في أضعف الأحوال. وقد تبيّن فيما بعد أن معظم اتهامات جوزيف مكارثي كانت غير مدموغة بالأدلة والوقائع،  وأصدر مجلس الشيوخ في العام 1954 قراراً بتوجيه اللوم له لما تسبب من خلال أحكامه المتسرعّة من تأجيج حالة من الإرهاب الثقافي موجهة إلى طبقة النخبة من المثقفين الأميركيين وكبار الموظفين في السلك الخارجي.

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تواجه حالة من المكارثية الجديدة غير مسبوقة منذ الحرب الباردة بين القطبين السياسيين روسيا وأميركا. وقد بدأت هذه الحملة الجديدة باتهام الرئيس ترامب قبيل انتخابه بالتغطية على القرصنة التي قامت بها روسيا على البريد الالكتروني للحزب الديمقراطي بهدف التأثير على الانتخابات الرئاسية وتقويض حملة هيلاري كلينتون لحساب انتخاب منافسها دونالد ترامب. كما تمّ الترويج إلى علاقة ودّية تربط المرشح الرئاسي آنذاك، والرئيس الأميركي اليوم، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأمر الذي نفاه ترامب جملة وتفصيلاً معلناً أنه لم يلتقِ بوتين أبداً ولكنه برحب بعلاقة ندية وسويّة مع روسيا حال انتخابه.

وتوالت حبات السبحة المكارثية لتطال الجنرال المتقاعد مايكل فلين الذي عينه الرئيس ترامب مستشاراً للأمن القومي. فالرجل اضطر إلى الاستقالة بعد أسابيع فقط من تعيينه بسبب اتصالات كان قد قام بها مع السفير الروسي قبل أن يتم تعيبنه في المنصب الجديد، حيث كان قد ناقش موضوع العقوبات على موسكو مع سيرجي كيسلياك، السفير الروسي في واشنطن. هذا ويحظر القانون الأميركي على المواطنين الأميركيين العاديين غير المتولين لمهام رسمية القيام بمهام دبلوماسية. وقد جرت اتصالات فلين مع الجانب الروسي في أواخر العام الماضي، قبل تعيينه في إدارة ترامب، الأمر الذي استدعى تطبيق القانون الآنف الذكر والطلب منه تقديم استقالته طوعاً.

وفِي أحدث سيناريو ــ فضائحي هذه المرة ــ عن علاقة مقرّبين من الرئيس ترامب بموسكو ودوائرها السياسية والاستخباراتية، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” خبراً يفيد أن الابن الأكبر للرئيس الأميركي، ايريك ترامب، ربما قد حقق أرباحاً من ظهوره في مناسبة نظمها شخصان مرتبطان بالحكومة الروسية هدفها بحث الأزمة في سوريا. ويشير التقرير إلى أن نجل ترامب شارك مع أشخاص موالين للروس، في اجتماع عقد في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 في فندق “ريتز” بالعاصمة الفرنسية، لافتاً إلى أنه من المرجّح أن ترامب الابن ربما حصل على مبلغ 50 ألف دولار مقابل أن يكون أحد المتحدّثين في المناسية. وتفيد الصحيفة أن ترامب الابن كان ضيفاً على اجتماع نظّمه مركز الشؤون السياسية والخارجية، الذي يديره فابيان بوسار وزوجته السورية رندا قسيس، اللذان تعاونا مع الروس في محاولات إنهاء الحربفي سوريا. وقال بوسار للصحيفة “إنه وزوجته يركزان على إيجاد حل للأزمة السورية، التي مضى عليها ستة أعوام، وبتعاون بين الروس والأمريكيين”، أما قسيس فقالت “إنها شرحت لترامب الابن الحاجة للتعاون بين الدولتين، مضيفة أنها نقلت أفكاره حول النزاع إلى الدبلوماسيين الروس المعنيين بالملف السوري في موسكو”.

وعن آخر المطبات السياسية في إدارة الرئيس ترامب، والتي اندلعت في اليومين الماضيين، فكان توجيه الاتهام للنائب العام الأميركي الجديد المعيّن من قبل الرئيس ترامب، جيف سيشن، بتواصله مع جهات دبلوماسية روسية، الأمر الذي نفاه الأخير بقوة خلال جلسة المصادقة على تعيينه في الكونغرس.

أما الرئيس الأميركي الذي يغرّد على حسابه الشخصي في موقع تويتر أكثر من مرة في اليوم، متناولاً معظم الشؤون السياسية المحلية الأميركية والخارجية الدولية بما لا يزيد عن 140 حرفاً يسمح بها نظام تويتر للتغريدة الواحدة، فقد غرّد واصفاً معارضي إقامة علاقات جيدة مع روسيا بأنهم “أغبياء” أو “حمقى”.  وفي سلسلة تغريدات حديثة له، تعهد ترامب بالعمل مع روسيا من أجل “حل بعض من المشاكل والقضايا الكثيرة والملحّة في العالم”. هذا وقد جاء في التقرير الاستخباراتي الذي صدر في الولايات المتحدة، إثر اتهام موسكو بالتدخّل في الانتخابات لمصلحة نجاح ترامب، أن “الرئيس بوتين معجبٌ بترامب لأن الأخير تعهد بالعمل مع روسيا”، وأن “للرئيس الروسي تجارب إيجابية في العمل مع الزعماء السياسيين الغربيين الذين لديهم مصالح اقتصادية تجعلهم أكثر ميلاً للتعامل مع روسيا مثل رئيس الحكومة الإيطالية الأسبق، سيلفيو برلسكوني، والمستشار الألماني الأسبق، غيرهارد شرويدر”.

على الطرقات السريعة الرئيسيّة لجمهورية الجبل الأسود (اليوغسلافية سابقاً) ترتفع لوحات إعلانية متوالية تحمل صورتين ضخمتين للرئيسين بوتين وترامب كتب أسفلهما العبارة التالية: “دعونا نجعل سوياً هذا العالم رائعاً من جديد”.