on
د. وائل العجي: ظاهرة الناشط الفيسبوكي
د.وائل العجي: كلنا شركاء
قيل قديما: إرضاء الناس غاية لا تدرك، أما اليوم فيصح القول: إرضاء الناشط الفيسبوكي غاية لا تدرك، فلسان حال الناشط الفيسبوكي يقول دوما: لا أريكم إلا ما أرى و لاتفعلون أو تقولون إلا ما أرى.
أدت ثورات الربيع العربي إلى فورة في استعمال وسائط التواصل الاجتماعي وهذا بحد ذاته أمر إيجابي إذ أنه وفر منبرا مفتوحا للتعبير عن الرأي لكثير من الفئات الاجتماعية في العالم العربي الذي تعاني كل بلدانه و مجتمعاته على الإطلاق من درجات مختلفة من القمع و الاستبداد و مصادرة الرأي حيث لا تتاح للمواطن فرصة التعبير و الاختلاف عبر قنوات أخرى أكثر موضوعية و مصداقية مما أدى تسطيح عملية الاطلاع و التعلم و التعبير فتراجعت قيمة العلم و الفكر و الخبرة التي تعب أصحابها كثيرا في اكتسابها و مراكمتها بينما تصاعدت قيمة الثرثرة و الشعبوية و لغة المزايدات و الافتراءات.
الناشط الفيسبوكي يفهم في كل شيء و يدلي بدلوه في كل مسألة، من السياسة المحلية و الدولية إلى التاريخ و علم الاجتماع و علم الأديان المقارن، و من الفن و الشعر و الأدب إلى علوم اللاهوت و الفقه و الملل و النحل….الخ
و السمة المميزة في هذا السياق هي أن الناشط الفيسبوكي لا يرضيه و لا يقنعه شيء و هو دائم الشكوى و الانتقاد و غالبا ما يتطور الأمر إلى الاستهزاء و الشتائم وصولا إلى التهديدات. فمن جلسته المريحة خلف شاشة الكمبيوتر و بقربه فنجان القهوة أو الشاي، يتحفك الناشط الفيسبوكي بتحليلاته لمختلف القضايا السياسية و العسكرية و الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية و التاريخية، كما يتحفك بتعليقاته على هذا الشخص أو ذاك فيشتعل الفسيبووك بحملات الاستهزاء و الشتائم و التخوين و التكفير و التحريض….الخ، فلدى الناشط الفيسبوكي الفذ قوالب جاهزة تلائم أي شخص لا يتفق مع وجهة نظره، و لأن الناشط الفيسبوكي هو عموما شخص متنطع مدع و سطحي الثقافة و المعرفة فإنه يعجز عن مقارعة الحجة بالحجة فيلجأ إلى الإسفاف و التحريض و الشعبوية.
فعلى سبيل المثال، إنت كنت مسلما سنيا تبدو عليك مظاهر التدين فأنت غالبا أخواني أو قاعدي أو داعشي، و إن كنت مسلما سنيا ليبراليا أو لا تبدو عليك مظاهر التدين فأنت علماني خارج عن الملة و مطية للغرب و للأقليات.
و إن كنت مسيحيا متدينا فأنت غالبا جزء من المؤامرة الغربية الصليبية الحاقدة على العرب و الأتراك و المسلمين عموما، و إن كنت مسيحيا غير متدين أو يساري فقد يتهمك البعض بأنك تسوق للإسلاميين أو القوميين العرب و تعمل كديكور مكمل لهم.
أما إن كنت علويا أو اسماعيليا أو درزيا فأنت غالبا إما جزء من حلف الأقليات الذي يتحدث عنه البعض، أو أنك يساري علماني ملحد تقبل بأن تكون أداة بيد الإسلاميين و المتطرفين و ثورتهم و معارضتهم.
أما إن كنت كرديا، فتبعا للمكان الذي تقف فيه فقد يتهمك البعض بأنك عميل للمعارضة الأردوغانية القطرية، أو بأنك انفصالي أوجلاني ملحد، و أضاف بعض ناشطي الفيسبوك مؤخرا صفة البويجي.
الناشط الفيسبوكي دائما جاهز و متحفز للتعليق على أي حدث أو نشاط، فإن قمت بمبادرة ما تظن أن فيها نفعا أو دفاعا عن قضيتك فتذكر أن الناشط الفيسبوكي واقف لك بالمرصاد و لن يبخل عليك بسلسلة لامتناهية من التوجيهات و التحفظات و الانتقاد وصولا إلى السخرية و التحريض و الاتهامات الجاهزة و أولها و أكثرها شيوعا “معارضة الفنادق و الدولار” حتى و لو كنت مستقلا تماما و حتى لو كان نشاطك على حسابك الشخصي و على حساب عملك و جامعتك و أسرتك و صحتك. كيف لا يحصل هذا و قد نصب الناشط الفيسبوكي الفذ نفسه وصيا على القيم و المبادئ و ممثلا للذات الإلهية نفسها و جلس يمارس وصايته من مكمنه أو ملجأه الآمن و بين يديه وفرة من الوقت فوظيفته الرئيسية هي نشاطه الفيسبوكي.
أما إن قررت التراجع و الانكفاء ظنا منك أن هذا قد يرضي الناشط الفيسبوكي فيؤسفني أن أقول لك أنك على خطأ، فعندها سيبدأ الناشط الفيسبوكي البليد بالنواح و الندب على الثورة اليتيمة التي هجرها أبناؤها و لم يبق في ميدان النضال الثوري إلا هو و أمثاله يذكروننا و يعايروننا بنشاطاتهم و تضحياتهم الفيسبوكية العظيمة التي تتضاءل أمامها أي أعمال أو تضحيات قام بها غيرهم.
انقضت ست سنوات من عمر الثورة السورية المجيدة عرفت و عملت خلالها مع عدد من أفضل السوريين أخلاقا و فكرا و روحا وطنية، لهؤلاء سأحمل دوما كل محبة أخوية و فخر بانتمائي و إياهم إلى قضية عادلة نبيلة كالثورة السورية.
أما سقط المتاع الذين فرضت علينا المسيرة التعثر بهم و الذين لا يعرفون سوى التثبيط و السخرية و التحريض فلا أحمل لهم سوى الشفقة و الرجاء بأن يخرجوا يوما من القاع الأخلاقي الذي اختاروه لأنفسهم.
Tags: مميز