كامل عباس: صادق جلال العظم والعلوية السياسية

كامل عباس: كلنا شركاء

رحل المفكر السوري الكبير صادق العظم عن دنيانا في لحظة تاريخية كانت فيها الثورة السورية بأشد الحاجة الى المتعاطفين من أمثاله معها حتى نقي عظمه . لقد تاه الكثير عن دربها فوجّهوا سهام نقدهم اليه من اليمين واليسار . من اليمين أمثال من رفضوا الوقوف دقيقة صمت على روحه بوصفه علماني , ومن اليسار تلامذة له أوسعوه شتما بعد طرحه مفهوم العلوية السياسية  كونه انحاز حسب رأيهم الى طائفته السنية على حساب فكره العلماني .

ينطلق جلال العظم في إنتاجه لهذا المفهوم من موضوع قديم أشعل نقاشا حادا داخل الفلسفة الماركسية حول  حدود دور الاقتصاد والسياسة في صنع التغيير الاجتماعي . كان المتشددون وما زالوا يعطون الدور الأساسي للاقتصاد , ويراهنون على الثورات في التغيير, ويهملون امكانية حدوث أي تغيير سلمي عبر الطريق البرلماني , شغل هذا الموضوع الفلسفي بامتياز-  وما يزال –  كثير من الفلاسفة الماركسيين وغير الماركسيين وتبلور بدراسات متعددة حول حركة الوعي المستقلة نسبيا عن حركة الواقع .من أعمق ما كتب في هذا الموضوع المرحوم حسين مروة حيث أجاد في تسليطه الضوء على تلك الاشكالية  من خلال مؤلفه الضخم – النزعات المادية في الفلسفة العربيةالاسلامية –

لقد وضع الراحل الكبير  بمصطلحه الأخير  – العلوية السياسية – الملح على الجرح , ولكنه اقتصر في شرحه ومقابلاته على الجانب السياسي منه,وهو محق في ذلك كونه الهّم الطاغي على الوضع السوري , ولو أن القدر أمهله لعاد والتفت الى الجانب المعرفي بعد استمرار الأزمة وتحول الثورة في بعض الأماكن الى ما يشبه حرب أهلية داخلية . هي مهمتنا نحن السائرين على خطاه, وعملنا هذا أكبر خدمة لذكرى الراحل ولنصرة الثورة السورية. نحن أحوج ما نكون الآن الى تعميق هذا المفهوم وتخليصه ممن يتلاعبون به من المتطرفين السنة والشيعة من أجل مصالح أنانية خاصة بهم.

يزداد الأمر تعقيدا عندما ترتبط حركة الوعي المستقلة نسبيا بالمقدس الديني لتصبح أهميتها مضاعفة وهو ما حصل تاريخيا مع الطوائف الدينية كما هو في مثالنا المدروس الطائفة العلوية .

أعتقد ان من البداهة القول : لم يأت احد منا مسيحيا او سنيا أو علويا باختياره , بل  يُفرض عليه دينه وطائفته ويرضع مع حليب أمه جرعات ذلك الوعي الديني او الطائفي . والمولود بالفطرة في بيئة علوية سيتشكل في ذهنه صورة عن المظلومية التاريخية التي تعرّض لها العلويون وما لاقوه من قمع واضطهاد في ذلك التاريخ . ان ما تعرضت له الأقليات سواء كانت قومية أم اثنية أم طائفية شكّل الأساس للالتقاء مع الفكر اليساري بسبب وعده لهم برفع الاضطهاد عنهم. من هنا كان التقاء العلويين في سوريا مع حزب البعث وما طرح في البداية من وعود حول تحررهم, لكن التجربة التاريخية أوضحت أزمة الفكر اليساري كفلسفة تنطلق من إسقاط الرغبة على الواقع, من المبادئ والشعارات والتبشير بالجنة الاشتراكية أكثر مما تنطلق من تحديد السلسلة الايجابية والسلسلة السلبية في المجتمع وكيفية دفع توازن القوى ليميل لمصلحة السلسلة الايجابية ومن ثم لمصلحة التقدم الاجتماعي. وهو ما قادهم بالنهاية الى محنتهم الحالية ومعهم كل الأقليات التي ساندتهم. توّهم الشيوعيون ومناصريهم من كل حركات التحرر في العالم ان القبض على السلطة سيحل كل مشاكلهم ومنها سيبدأ التحول الاجتماعي لصالح المظلومين في الأرض بإرادتهم, لكن الواقع كان أقوى منهم , وهكذا وجدوا أنفسهم أثيري مكونات المجتمع من جديد,  ليبنوا رأسمالية دولة رغما عنهم , وعلى جماجم تلك الأقليات التي ساندتهم في البداية.

لا يتحمل النظام السوري لوحده أسباب محنة العلويين , بل تتحملها مرحلة تاريخية كاملة سادت داخل النظام العالمي السابق. لقد استعمل النظام الطائفية والعلمانية بنفس الدرجة من أجل بقائه في السلطة واكبر دليل على ذلك تحالفه مع دولة دينية  وهو العلماني كما يقول . لقد كان للعلوية السياسية نصيب في ذلك التحالف . أذكر مثالا فاقعا عن العلوية السياسية في سوريا مستمد من أقوال العميد اسعد الزعبي : قال العميد :كنت في كتيبة عسكرية تضم  مائة واحدى عشر ضابطا كان بينهم ثلاثة عشر ضابطا من الطائفة السنية والبقية كلهم علويون – والعلويون كما هو معروف لاتتعدى نسبتهم في سوريا 11%  .

يحّز في نفسي مرافعات اليسار السوري وتحديدا العلوي ضد المكفر جلال العظم , حتى ان بعضهم وصلت الوقاحة به الى القول : حكمونا الف وأربعمائة سنة وعندما حكمناهم اربعون سنة جن جنونهم .

ان جذر المارونية السياسية والشيعية السياسية والعلوية السياسية يكمن في مقولة حركة الوعي المستقلة نسبيا عن الواقع  وكان الأولى بالرفاق الماركسيين التبصر بها قبل غيرهم انطلاقا من منهجهم المادي التاريخي, وهي تتجسد الآن في تركيا وضمن حزب يسمي نفسه ماركسي لينيني , وقيادته مثل قيادة حزب البعث السوري اغلبها علويين ويتحالف ضمنيا مع دولة ايران الشيعية بنفس الطريقة البعثية مع انه حزب علماني .

أختم مداخلتي بتوجيه نداء حار الى رفاقي الماركسيين القدامي العلويين المتعاطفين مع طائفتهم ومعاناتها الشديدة في سوريا الآن, وانا مثلهم من أبناء هذه الطائفة وأتعاطف معها بالقدر ذاته . لقد قادنا الى هذا المستنقع الاستبداد الذي بينت حركة التاريخ أنه اخطر على شعبنا من الأمبريالية والخروج منه لا يكون بإنكار الواقع بل بالانطلاق منه مهما كان قاسيا , ان العلويين في سوريا جزء أصيل من النسيج السوري ولكن عليهم أن يقرّوا انهم لايتجاوزوا 11 % منه وان خلاصهم من واقعهم الفاسد هو بالعمل مع باقي مكونات المجتمع من أجل انتاج دستور ديمقراطي جديد ينصف كل الأقليات سواء كانت قومية أم اثنية ام طائفية . اكرادا وآىشوريين وعرب وسنة ودروز واسماعيلية ومسيحيين وعلويين . دستور يشكل بداية لعقد اجتماعي جديد يتنافس فيه السوريون لخدمة مصالح شعبهم . عندما يسيروا في هذا الطريق سيكون أحرار العالم والدول الديمقراطية الى جانبهم . فقط في حالة كهذه نعزل نظامنا وداعميه من الدول الاستبدادية  وفي طليعتهم روسيا وايران .





Tags: محرر