on
وائل عصام: إسلاميون عرب في قصر السلطان .. قصة حب من طرف واحد!
وائل عصام: القدس العربي
يتفق كثيرون على أن للاتراك ودولتهم العثمانية مكانة كبيرة في الوجدان العربي المسلم.. السني خصوصاً.. فهم شركاء التاريخ والهوية وحلفاء التصدي للنفوذ الشيعي قديماً.. وان قادة الحكومة التركية ذات الميول الاسلامية شعبيا، اعادت مد الجسور الثقافية مع العالم الاسلامي واحيت بالتالي روح التضامن المشترك مع قضايانا وان كانت بأضعف الايمان.. قلباً ولساناً.
ولكن لا ينكر احد أيضاً أن فعلاً جليلاً قامت به الحكومة التركية بقيادة اردوغان يتمثل باستقبال ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين ومنحهم حق الاقامة والرعاية الطبية والتعليم المجاني وهو ما لم تفعله اي دولة عربية على الاطلاق.. وان كان هناك على الجانب الاخر من ينكر ان الفعل العسكري الوحيد الذي تم تنفيذه داخل الساحة العربية وهو التدخل العسكري شمال حلب، قد اوقع مئات المدنيين وشرد عشرات الآلاف وصب في النهاية بمصلحة الامريكيين والنظام الذي استعاد حلب خلال العملية.
وامام هذا الدور التركي المتعاطف مع قضايا المنطقة بنظر كثيرين، كان من الطبيعي ان تتنامى شعبية الحكومة التركية بين الاوساط الاسلامية العربية، بل لتصل لحالة التصاق وتماهٍ كامل عند تيارات كبيرة، تظهر بكل مناسبه تركية داخلية كالانتخابات او الاستفتاء الأخير في تركيا، وبالنظر لحالة العجز بل الشلل العربي المتواصل منذ قرون، فانه من المفهوم في حالة الوهن هذه تفشي حالة الاستنجاد بالاخرين وسط هذا البحر المتلاطم، وبحث الغارق في مخيلته عما يراه منقذاً وان تهيأ له ان القشة باتت جذعاً متيناً، دون ان يسأل نفسه ابداً لماذا لا يتعلم السباحة، لكي يسهل على الاقل مهمة من يريد انقاذه؟!
يتجاهل الاسلاميون العرب ان الحالة الاسلامية صوفية الجذور في تركيا هي ابنة التجربة التركية المحلية، المرتبطة بالدولة القومية والشعور القومي التركي، والذي يبقى الاسلام مكوناً اساسياً فيه بلا شك، وهي بالتالي مصممة للتعامل مع المشاكل والتحديات في المجتمع التركي اولاً، وكذلك الامر بخصوص التجربة الاسلامية الشيعية الايرانية، فهما تجربتان اسلاميتان بخصوصية ووعي قومي، وبلا شك ان النظر للحالة التركية كحليف هو امر مفهوم ووجيه لكنه يقتضي اولاً بناء دولة تنتمي لتجربة عربية اسلامية بوعي قومي يناسب احتياجاتها وتطلعاتها ومن ثم يمكن الحديث عن علاقة تحالف ان كانت من باب الشراكة، اما العلاقة برابط التبعية فهي القدر الذي سيلاحق كل ضائع يبحث عن شقيق قبل ان يجد ذاته اولاً.
هذا ليس بالحاضر فقط، بل ان الماضي يعج بالشواهد، فمن يتحدث عن تماهٍ عربي لحد الذوبان تحت العنوان الاسلامي، عليه ان ينظر اولاً للاخرين، هل هم مستعدون لهذا التماهي وبالحماسة نفسها؟! ام هو حب من طرف واحد؟! فكما يمجد الكثير من الاسلاميين العرب الدولة العثمانية، هل سألوا انفسهم لماذا تختفي تماماً اي اشارة تمجيد للدولة الاسلامية الاموية العربية عند الطرف الاخر؟! ولماذا لا يفتخر الاسلاميون الاتراك عموماً سوى بالدول الاسلامية التركية العثمانية والسلجوقية ولا يبدون الحماس نفسه للدولة العربية الاسلامية الاولى الاموية؟!
قد لا يكون هذا امراً سلبياً، بل هو ببساطة وعي قومي عند الاسلاميين الاتراك غير متحقق لغيرهم، وهو ما منحهم القدرة على ادامة قوة دولتهم الاسلامية لقرون طويلة، لان الامر الاخر المهم الانتباه له، ان لا دولة اسلامية قامت في التاريخ دون بنية وعصبة قومية احادية، هذا كان في الماضي الاقرب للتماهي الديني، فما بالكم اليوم ونحن في عصر الدول القومية، التي لم يتخط العرب فيها حدود الدولة الوطنية القطرية المبتكرة ليقفزوا لدولة اممية لم تكن سوى قومية البناء..
وحتى لا نسهب في الماضي، هناك في الحاضر الكثير من الامثلة التي باتت تؤشر الى طبيعة هذه العلاقة، التي تفرض واقعاً لخصوصية كل تجربة واولياتها، فمثلاً، يضطر بعض السوريين في تركيا المتقدمين لطلبات التجنس ان يغيروا اسماء ابنائهم لاسماء تركية، ورغم ان هذه الحالة ليست عامة الا انها تؤشر الى احد معاني الاندماج بالهوية التركية، كما يتلقى ابناء السوريين تعليماً مجانياً كجزء من سياسة الدولة التركية الاخوية المعطاءة تجاه اللاجئين السوريين، ولكنهم يشتكون ويتساءلون لماذا لا يتعلم اولادهم اللغة العربية في المدرسة؟! وكأن من واجب الدولة التركية تعليم اللغة العربية! ويتناسى هؤلاء ان احد اسباب النفور القومي للعرب من الدولة العثمانية اواخر عهدها هو ان اولادهم لم يكن مسموحاً لهم بتلقي اي تعليم باللغة العربية في المدارس التي يديرها العثمانيون في سوريا تلك الفترة.. وبينما ينظر البعض للسياسة التركية في سوريا بعين المترقب لدور اكبر ضد الاسد والقوى الكردية المسلحة الاعداء المشتركين، فانه من الواضح ان هذا الدور التركي خارج الحدود لا يسير بأجندة تخص المصالح العربية او الاسلامية بقدر ما هو يخص طبيعة التفاهمات التركية مع روسيا والولايات المتحدة في العراق وسوريا.
ولو افترضنا جدلاً ان دوراً تركياً كبيراً قفز للواجهة، وامكن له مد نفوذه داخل سوريا كما يأمل المتعلقون بهذا النموذج، فكيف سيمكن الاستفادة منه من باب الشراكة لا التبعية مع انعدام اي كيان ناضج المشروع ذاتي القيادة للعرب السنة في سوريا او العراق يمكنه التعاون مع الاتراك؟!
ومجرد النظر الى التجربة الوحيدة في شمال حلب تمنحنا الاجابة على شكل العلاقة، ففي مناطق درع الفرات أمكن للاتراك التدخل في جيب حدودي وبات جيشهم يسيطر هناك على القرار السياسي والاداري، ولا تملك اي قوى سورية معارضة من شركاء الاتراك من فصائل المعارضة اي صلاحيات دون الرجوع للاتراك، بل ان اذن التصوير لاي صحافي في قرى شمال حلب يملكه والي محافظة كلس التركية حصراً! ليس الامر ببعيد عن تاريخ العراق وسوريا في الحقبة العثمانية في ازهى فتراتها عندما كانت السلطات بيد الاتراك حصراً وتكاد لا تجد اي دور لقيادة عربية في ولايات العراق والشام العثمانية.
ولأن مدمني التبعية اعتادوا على ترويض خصوصياتهم الذاتية ببراعة تحت رايات توفيقية براقة، فان الاسلامي السني العربي «المعتدل كالرمادي بلا لون» الذي تآلف مع حكم احزاب ايران الشيعية في العراق من باب الاخوة «الوطنية» لن يجد حرجاً من تقبل قيادة أقوام آخرين له من باب الاخوة «الاسلامية».. ولاحظوا هنا انه هو نفسه في الحالتين، يكون وطنياً مخلصاً في بغداد ويبحث عن مخلص اسلامي في اسطنبول! ويعلن ايمانه ببرنامج ومقاربة سورية وطنية لا اسلامية في دمشق، ويهتف للاسلام الاممي في إسطنبول!