on
يمان دابقي: حلب في ذكرى الثورة
يمان دابقي: العربي الجديد
تشهد حلب اليوم الذكرى الأولى من تاريخ ثورة الحرية في عامها السادس، وهي غريبة عن أبنائها، بعدما دنستها مليشيات طائفية دخلت المدينة، لتُفرغ حقدها على من تبقّى من أبنائها، مليشيات غازية، اقتحمتها من جميع أبوابها التي فتحها لهم بشار الأسد، فإذا كان الأب أطبق عليه لقب بائع الجولان، فالوريث باع سورية أرضاً وشعباً وقدّمها للطامعين على طبق من ذهب.
ليست الذكرى السنوية السادسة للثورة السورية عند الحلبيين كغيرها من السنوات التي مضت، وربما هي اليوم جاءت في غير موعدها، كما وصفها أصحاب الأرض الحقيقيين والوصف والذكرى يأتيان، هذه المرّة، من خارج أسوار المدينة، فحالُ أهلها اليوم بهذه الذكرى كحالِ العاشق المُتلهِف لمعانقة جدارن تلك المدينة العتيقة، وإن أصبحت اليوم كومة من الركام.
مدينة حلب حكاية انتهت قبل أوانها، وما كانت لتنتهي لولا “حمائم” السلام الروسية وإذعان الأسد وحلفائه على أنّ طريق القدس يمرّ من حلب.
يستحضرُ الحلبيون اليوم في ذكرى ثورتهم السادسة حكايتهم وسيرتهم الأولى التي بدأت مع أوّل مظاهراتهم في ساحة الجامع الأموي في حلب القديمة.
لم تُخمد آلة القمع عند شبيحة النظام إرادة التغيير الحلبية، بل زادتها عزيمةَ وإصراراً على المضي قدماً، والسعي في مطلب الحرية، فعمّت المظاهرات كامل المدينة بحراكٍ سلميٍّ، مصحوب مع تكبيرات الله أكبر التي علّت أصوات المآذن مع لافتاتٍ خضراء غطّت سماء المدينة، الأمر الذي شلّ حركة النظام، وجعلته في حالة هستيرية، بعدما عجز عن إسكات صوت الحق، فقرّر أن يكون هو بطل الرواية بالقوة العسكرية وهدير الطائرات، فاختار طريق الدبابات المجنزرة، ضارباً بعرض الحائط كلّ المطالب المدنية، ورافضاً أيّ تغير قد يسكن فورة الاحتقان الشعبي.
بعد سفح شلال من الدماء الجارية، قرّر أبناء المدينة حمل السلاح لحماية أنفسهم، والحفاظ على حقوقهم في حق العيش، وقرّروا تحرير مدنيتهم فكان شهر أغسطس/ آب من عام 2012 عام انتصارات لتحرير كامل المدينة في جزئها الشرقي، ومع حلول عام 2013، قُسّمت مدينة حلب إلى جزئين، أحياء شرقية تخضع لسيطرة فصائل المعارضة وأحياء غربية تخضع لسيطرة قوات النظام والمليشيات الطائفية المساندة له. وهنا، تساوت كفةُ الميزان بين القوتين.
استمر النظام في سياسة الأرض المحروقة مع دخول اللاعب الروسي بشكل مباشرفي سبتمر/ أيلول 2015، والذي غيّر موازين القوة، وصبّ جام غضبه على مدينة حلب التي أوجعت النظام في معارك فك الحصار الأولى والثانية في أغسطس/ آب 2016، وبعد حصار الأحياء الشرقية أكثر من ستة أشهر من مليشيات النظام المتعددة الجنسيات، قرّرت روسيا أن تضع بصمتها الأخيرة في حسم عسكري لحلب، بعدما دمرت كامل المشافي الميدانية، واستخدمت مختلف الأسلحة المحرّمة دولياً وارتكبت هولوكوست حلب، كما غرزوني في الشيشان، إضافة إلى تدميرٍ كاملٍ للبنى التحتية، وقتل آلاف الحلبين قصفاً من الجو ليقتحم النظام براً الأحياء الشرقية من الجهة الجنوبية الشرقية للمدينة، عند حي مساكن هنانو. حينها، لم تصمد الجبهات كثيراً داخل حلب، بسبب تخاذل أصحاب النفوس من القادة المرتبطين بأجندات خارجية، لتسقط سريعاً الأحياء، واحدةَ تلو أخرى، لتنتهي الحكاية بالتفاوض بين ثوار المدينة مع روسيا والنظام، وتمت بعدها النكسة بتهجير قسري لمن تبقّوا على قيد الحياة من أبنائها، ليكن تاريخ 22/12/2016 يوم ذكرى مؤلمة لحكايةٍ انتهت قبل أوانها.