on
العميد الركن أحمد رحال: (ترامب) يرفع البطاقة الحمراء بوجه (بوتين) و(إيران) و(بشار الأسد)
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
الضربة الصاروخية الأمريكية على قاعدة الشعيرات الجوية لم تكن حجوم مفاعيلها تتناسب مطلقاً مع محدودية نتائجها العسكرية على الأرض, بل إن ارتداداتها كانت أكثر مما هو متوقع, فالزخم والدعم السياسي الذي حصل عليه الرئيس الأمريكي “ترامب” داخلياً, وحجم وارتفاع الأصوات الغربية والإقليمية الخارجية المؤيدة للضربة أعطت الكثير من المؤشرات الإيجابية وأعطت للإدارة الأمريكية إشارات واضحة أن معظم حلفاء أمريكا وقادتها كانوا مجبرين على التعايش قسراً مع سياسة “الاحتواء” التي فرضتها إدارة الرئيس السابق “أوباما” في التعامل مع نظامي إيران والأسد, وأن تلك الدول لم تكن راغبة فيها مطلقاً.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بعد الانقلاب الجذري للرئيس “ترامب” بما يخص الملف السوري وما تسرب عنها من اتجاه بناء خطط عسكرية جديدة تتناسب وتحقق الأهداف التي يسعها لها البيت الأبيض, تلك الاستراتيجية عكسها الخطاب الشرس الذي خرج عن الرئيس الأمريكي “ترامب” واستخدامه لعبارات غير دبلوماسية لكن “الحيوان” كان يستحقها, ولم تتأخر بريطانيا باللحاق بركب الصفات الجديدة لمجرم سورية عندما وصفه وزير خارجيتها بـ”الإرهابي الأكبر” وزاد عليها “جونسون” بدعم الضربة الصاروخية الأمريكية وطالب بتكرارها ولم يستبعد حتى مشاركة بريطانيا بضربات أخرى مشتركة مع الأمريكان وطالب أيضاً بجر “الاسد” لمحكمة الجنايات الدولية.
في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكية “ريكس تيلرسون” لموسكو كانت في حقيبته رسالة أزعجت نظيره “لافروف” وأقلقت معلمه “بوتين”, فاللقاء اتسم بالإملاء الأمريكي أكثر مما هو نقاش وتحاور, وكان على “لافروف” الاستماع بإصغاء للوافد الجديد للخارجية الأمريكية والاستماع بتمعن لملامح السياسة الجديدة التي سينتهجها الرئيس “ترامب” لأربع سنوات على الأقل, والنقاط الأساسية التي نقلها “تيلرسون” لموسكو تتجلى برسائل ثلاث: مصالحكم محفوظة, عليكم إخراج إيران وتوابعها من سورية, وعليكم رفع الغطاء عن الأسد فلا مكان له في مستقبل سورية, على أن نضمن له خروجاً سلساً وإلا فإخراجه قد يكون بالقوة.
موسكو تدرك وتعلم أنها غير قادرة على رفض المطالب الأمريكية لكن يمكنها أن تناور وتراوغ مرحلياً لعلمها المسبق بعدم قدرتها على الدخول بمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية بكل المقاييس, لا سياسياً ولا عسكرياً ولا حتى اقتصادياً, ولعلمها أيضاً أن سياسة المواجهة الأمريكية مع الأسد لم تتبلور بعد وقد تتأخر زمنياً, وخلال هذا الوقت المستقطع يرغب “بوتين” أن يتعامل معه العالم على أنه قطب دولي ويزعم أن ما حققه خلال السنوات الأخيرة قد أنهى سياسة التفرد الأمريكي بالعالم وأنه حان الوقت للتخلص من سياسة القطب الواحد.
الوهم الروسي الآخر الذي يعيشه “بوتين” ووزير خارجيته “لافروف” يتلخص بقناعتهم المقززة بأن المجازر والجرائم التي ارتكبوها بحق حاضنة الثورة والواقع الجديد الذي شكلوه على الأرض السورية بفعل ضربات صواريخهم الفراغية وفوسفورهم الأبيض وقنابلهم العنقودية تحت شعار مخادع بـ”الحرب على الإرهاب” ستتم مبادلتها مع الغرب بصفقة تشمل “أوكرايينا” و”شبه جزيرة القرم” والتغطية على أساليب القرصنة واللصوصية والإرهاب التي مارسوها هناك, بل تطمح “موسكو” لأكثر من ذلك من خلال “السمسرة” بالمقايضات ليشمل البازار الجديد رفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا وإبعاد الدرع الصاروخي عن حدودها.
جولة وزير الدفاع الأمريكي “ماتيس” التي بدأت من السعودية مع كل ما يحمله اختيار “الرياض” لتكون البداية, ومع التصريحات النارية التي أطلقها “ماتيس” قبل لقائه بالمسؤولين السعوديين والتي تحدثت عن خطر صواريخ إيران للحوثي وعن تهديدات “إيران” للسلام والاستقرار في المنطقة, مع ترافق تلك التصريحات باجتماعات للكونغرس الأمريكي لتغليظ العقوبات على “الاسد” وكل داعميه, وتفويض من الكونغرس للرئيس “ترامب” بتزويد المعارضة السورية بوسائط الدفاع عن النفس ضد طائرات وحوامات “الاسد” وزاد عليها “ترامب” بتقديم عرض تسليحي من الأسلحة ذات الدقة العالية والموجهة لتقديمها للمملكة العربية السعودية في حربها ضد عصابة “الحوثي” في اليمن.
الواضح من السياسة الأمريكية وتصريحات مسؤوليها أنها لم تتوقف حول ما يمكن أن تفعله موسكو اتجاه إيران والأسد, بل انطلقت واشنطن للبدء بإجراءات تقلص النفوذ الإيراني في العراق وسورية, والكلام الذي سمعه “حيدر العبادي” بزيارته لواشنطن كان واضحاً بحل وإبعاد ميليشيات الحشد الشعبي الإيرانية النفوذ عن مفاصل الحكم في العراق, والكونغرس الأمريكي الذي قيدته المرحلة “الأوبامية” انطلق اليوم بإعداد سلسلة عقوبات ضد إيران والأسد بدءاً من تفعيل قانون “قيصر” وصولاً لعقوبات أمريكية صارمة على الطيران المدني الإيراني الذي أصبح واسطة لنقل القتل والدمار لدول المنطقة, وصولاً إلى تحجيم و”قصقصة” أذرع “الحرس الثوري الإيراني” ووقف نشاطاته التخريبية في المنطقة تحت شعار تصدير الثورة للخارج.
بالتأكيد جولة وزير الدفاع الأمريكي في المنطقة والتي تشمل السعودية وقطر ومصر وجيبوتي وإسرائيل ليست من أجل التعارف, وليست من أجل تناول أطباق الحلويات وتناول أكواب الشاي أيضاً, بل هي زيارة لنقل معالم السياسة الأمريكية القادمة, ونقل أولويات الرئيس “ترامب” في المرحلة المقبلة, والواضح أن تطلعات الإدارة الجديدة تحمل في طياتها ما يبشر ولو بقليل من التفاؤل بإنهاء فترة الاستنزاف التي عاشتها الجبهات السورية خلال حكم إدارة “أوباما” وإن كانت عقلية التاجر لم تغب عن تلك الإدارة بالبحث عمن يسدد الحساب إذا ما كانت هناك فواتير.
معظم الإدارات الأمريكية السابقة تناوبت سياساتها بالتنقل ما بين دبلوماسية القوة وقوة الدبلوماسية إلا في عهد إدارة “أوباما” التي تخلت عن كل تلك السياسات وفضلت سياسة الاحتواء وفقدان الأصدقاء, لكن مما يتضح الآن ووفق الإدارة البيضاوية الجديدة فإن سياسة التلويح باستخدام القوة واستخدامها فعلياً عند الضرورة كما في قصف “قاعدة الشعيرات” مع ترافق ذلك بخطاب ناري لصقور إدارة “ترامب”, مما يؤكد أن النقلة النوعية الأمريكية مع حلفائها الأوربيين (سياسياً وعسكرياً) شكلت صفعة قاسية لروسيا وإيران, وأظهرت (حتى الآن) إصراراً أمريكياً على تحجيم الدور الروسي في سورية واقتلاع الأسد وإنهاء الدور التخريبي الإيراني في المنطقة وقص الأذرع الأخطبوطية لملالي طهران ووقف تمدد الهلال الشيعي.
أجنحة الثورة السياسية والعسكرية وخلال السنوات السابقة أضاعت الكثير من الفرص واتصفت قراراتها بالشعبوية أكثر مما هي قرارات واقعية تتجاوب مع المناخ السياسي والعسكري الذي تعيشه الثورة, اليوم ومع حتمية التماشي والسير بالتوجهات الجديدة للإدارة الأمريكية فهي مطالبة بتفعيل وجودها وتفعيل مشاركتها للأحداث والابتعاد عن الاتكالية فنحن أهل الثورة وعلينا عدم القبول بدور المتفرج والباحث عن حلول معلبة وجاهزة لا تتوافق مع تطلعات وأهداف الشعب السوري في كثير من الأحيان.
وسياسة المعارضين السوريين وبكل أطيافهم اتسمت قراراتهم في المراحل السابقة أيضاً بالرضوخ لمطالب الداعم أو الراعي الإقليمي أو العربي أو الغربي أكثر مما تتوافق تلك السياسات مع رغبات الشعب السوري الحر, فهل نستفيد من تلك التغيرات ونخرج من تلك الشرنقة التي طوقت أهدافنا لحلول وسطية تحقق ما نرغب وتستجيب لما يريدون؟؟؟
ننتظر ونرى!!!!
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
Tags: سلايد