ولاء عساف: أختي قتلت أبنائي!

ولاء عساف: كلنا شركاء

أعيش مع زوجي وأولادي بسلام واستقرار، عيشنا قليل ومردودنا يكفينا لنعيش يومنا، ولكن كنا مرتاحي البال، عندما اشتعلت الثورات في سوريا كان زوجي يحمل أقلامه ولوحاته، ويخرج ليشارك في المظاهرات، كان يبقى طوال الليل يكتب اللافتات، فقد كان بارعاً في الخط العربي.

بقي على هذه الحال حوالي الستة أشهر حتى جاءت مداهمة إلى المنزل وأخدت زوجي وأحد أولادي سليم عمره 20 عاماً، ولحسن الحظ أن ابني الثاني خارج المنزل، سعيت حوالي الشهرين لإخراجهم، وفعلاً نجحت، ولكن بعد أن بعت ما بقي لدي من مدخرات، ووعدني زوجي ألا يخرج في المظاهرات، ولكن رغم وعده كلما وجد فرصة خرج مع المتظاهرين، باتت حياته “حرية”.

كان يقول لي: كفانا عيش ذليل، نُحّيت عن عملي لأُن من استلم محلي مدعوم أكثر مني.

وفي أحد الأيام خرج ونظر إلى المنزل نظرة حزينة، وقال لي: انتبهي لنفسك. خرج… لم أتكلم، ولكن أصاب قلبي الفزع، وبعد ساعات جاءني خبر استشهاده، كان يعرف أن المنية ستلاقيه… مات ملطخاً بالدم… دم الحرية.

وبعد عدة أشهر بدأت المداهمات تأخذ أي شاب لتضعه على الجبهات الأولى كبش فداء… وعندها خبأت ولدي في علية المنزل، ليخرجا ليلاً يغتالان عدد من الشبيحة ويعودان كل النهار يسكنان العلية.

وفي إحدى المرات كنت أطبخ، وجاءت أختي لزيارتي، وبدأت تساعدني بطبخ “المحشي واليبرق” وسألتني بعد أحاديث طويلة: لمن تطبخين كل هذا الطعام وأنت وحدك في المنزل وأولادك مسافرون؟

قلت لها: بصراحة أنت أختي وسأخبرك بسري، أولادي يسكنون العلية نهاراً ويخرجون ليلاً ليغتالون الشبيحة.

نفضت يديها وقامت. حملت حقيبتها وقالت: لدي مشوار صغير وأعود فوراً، لن اتأخر.

وأنا من غبائي صدقت ذلك.

عدت لأكمل طبختي، وبعد حوالي النصف ساعة طُرق الباب بقوة وسمعت صوتاً يقول: افتحي الباب نحن الأمن، لم أدر ماذا أفعل ولكن دخلت إلى أولادي بسرعة وأخبرتهم أن الأمن في الخارج إن سمعوا صوتي عال فعليهم الفرار بأنفسهم.

وفعلاً تمالكت نفسي وفتحت الباب… وبدأت أقول لهم أنا امرأة وحيدة مسكينة ماذا تريدون مني؟؟ قال أحدهم: نريد تفتيش المنزل… جاءتنا إخبارية عن وجود إرهابيين في المنزل.

تكلمت عندها بصوت عال: ستفتشون المنزل؟ لا يوجد عندي أحد وأولادي مسافرون. فهم أولادي لهجتي وتمكن أحدهم من الفرار… وقبل أن يهرب الثاني أطلقوا النار عليه، ووقع صريع الموت والدم يملأ رأسه.

صرخت بهم… وجلست أضرب وجهي، ورفعت يدي إلى السماء ورحت أدعو عليهم. وهم خارجون لمحت امرأة معهم لم تكن موجودة عندما فتحت الباب، تلبس خمارا، فلم أستطع معرفتها، ولمعت في ذهني كلمة إخبارية، وركضت إليها من بين رجال الأمن ونزعت الخمار عن وجهها، وإذ بها أختي…

رحت أصيح… أختي… أختي… أختي يا ناس قتلت أولادي… أختي من لحمي ودمي من نفس الأب والأم… خالة تقتل أولاد أختها.

تلفتت حولي كالمجنونة وركضت إلى المطبخ حملت سكين وزرعته في صدرها على مرأى الجيران والأمن، ونزعته وعدت أضربها به، ولكن أوقفني أحد رجال الأمن وقال: ماتت وانتهى الأمر.

وعدت إلى ابني الملطخ بالدم في الداخل، ورحت أبكيه وأبكي زوجي الطيب الحنون، قلبي يبكي… روحي تبكي… كل ما فيّ يبكي مع عيناي.





Tags: محرر