د.يحيى العريضي: روسيا ستضطر لوقف إطلاق النار في أستانة هذه المرة

د.يحيى العريضي: كلنا شركاء

نعم، ستذهب الفصائل  إلى “أستانة” من جديد… ستذهب ؛ وهي تعرف أن الروس لا يلتزمون بوعد؛ أحياناً بحكم الاضطرار، وأحياناً بحكم الإختيار. في الاضطرار، هناك ما لا طائل لهم او قدرة على القيام به، بحكم تحكم إيران ومنظومة الأسد بقضايا تُمسِك الروس في مقتل على الساحة السورية؛ فالسماء للروس، ولكن الأرض تأخذها ميليشيات إيران والأسد رهينة. في الاختيار، هناك ما يسعى الروس أنفسهم لرفع سعره عبر عرقلته؛ فكون {وقف إطلاق النار} – محور “أستانة” –  هو الخطوة الأولى والشرط الأساس لأي تقدم في محادثات جنيف للانتقال السياسي، فروسيا تسعى إلى اللعب والتلاعب بهذا الشرط كي تحسّن وضعها التفاوضي على المسرح الدولي الذي يتحكّم بملفاتها الثقيلة.

العبارة التي تحتل أدمغة كل من بوتين ووزيري خارجيته  ودفاعه هي العبارة الأمريكية التي أوصلها لهم وزير خارجية “ترامب” بان روسيا فشلت في معالجة الملف السوري الذي عُهد أليها به من قبل إدارة أوباما. هاجس بوتين ورجاله الآن أن ينفوا عن أنفسهم صفة الفشل  التي أطلقها “تاليرسون” وزير الخارجية الأمريكي. ومن هنا فشل جنيف، لن يقلق بوتين؛ لأنه ليس من صنع يديه؛ ولكن فشل “استانة” سيكون فعلاً صدمة لبوتين لأنه من صنع يديه.

من جانبها الولايات المتحدة وحلفاؤها ليسوا حريصين جدا على نجاح “أستانة” تماماً بعكس ما يصرحون به؛ وبوتين يعرف ذلك تماماً؛ ويعرف أيضاً أنه لا النظام، الذي يحميه في دمشق؛ ولا إيران، التي أضافها كـ “ضامن” في أستانة، يريدان لأستانة أن تنجح. إيران لم يكتمل مشروعها بعد، ووقف إطلاق النار يوقف حلمها باستكمال هلالها؛ والنظام الذي يعيش على استمرار حالة الحرب يستشعر نهايته بانتهائها وبالإنتقال السياسي الذي يريده العالم. 

تذهب الفصائل الثورية السورية إلى أستانة وفي ذهنها خريطة بتفصيلاتها، وتدرك تماماً أن المخرج الوحيد للروس من وصمة الفشل التي أسبغها عليهم الأمريكيون تكمن بتغيير قواعد المراهنات والاشتباكات والشروط والتكتيكات الروسية التي ستدفع بهم إلى مزيد من فشل ينتظره الأمريكيون والأوروبيون – وربما يعملون عليه. يدرك الجميع ان المخرج الوحيد للروس هو فعلاً بتثبيت وقف إطلاق النار؛ بوقف مسلسل التطهير العرقي والترحيل الناتج عن سياسة “الجوع او الركوع” في إيصال الإغاثة الدولية للمناطق المحاصرة، وفي وقف البراميل الأسدية والعناقيد البوتينية. والمفارقة العجيبة هاهنا أن الأكثر معاناةً من بوتين هم الأحرص على نجاحه في أستانة؛ والأكثر حرصاً على فشلها، هم اولئك الذين يحميهم بوتين.

اجتماعات أستانة 1 و 2 و 3 تختلف عن أستانة أربعة؛ إنها تأتي بعد أن تصرفت إدارة أمريكية جديدة تصرفاً عسكرياً تجاه السلطة الحاكمة في دمشق لأول مرة في القضية السورية… أستانة أربعة تأتي بعد أن سمع لافروف وسيده عبارة “الفشل” في معالجة قضية عُهِدَ لهما بها.

أمام موسكو تحديات ليست بقليلة؛ أمامها حتى الآن خيارات قد لا يطول توفرها. لا تزال تركيا شريكاً لها كضامن لوقف إطلاق النار. الفصائل التي قاطعت استانة 3 تتجاوب الآن مع الدعوة لأستانة أربعة مراهنة على تغيّر في الموقف والمسلك الروسي من التكتيك للاستراتيجية متجاوبة مع الدعوة الأمريكية في الانضمام إلى المجتمع الدولي والتوقف عن التمترس عند حماية القتلة.

تستطيع موسكو أن تُنجح أستانة وتقدم للعالم – الذي ينتظر انفراجاً في جنيف – ورقة قوية تزيح “الفشل” عن روسيا، وتعيدها إلى الساحة الدولية لاعباً يتجاوز “القوة الإقليمية” الوصف الذي حددها به أوباما يوماً. يبقى أن تتمكن موسكو من تجاوز الحالة الإيرانية التي يبدو ان لا مهرب لها منها. ولكن هناك خيار واضح أمام موسكو بالنسبة لإيران تمثل بجلبها كضامن لاتفاق وقف اطلاق النار؛ وكان ذلك كمن يمنح مهمة بوليسية في حفظ الأمن  لقاتل. كم ستنجح موسكو في مغامرتها الإيرانية غير معروف. المهم ألا تتحول العلاقة إلى حالة انتحارية؛ تخسر روسيا عبرها كل شيْ؛ وخاصة أن هناك من يتمنى –وربما يعمل على- إغراق موسكو في  افغانستان جديدة.

إنجاح “أستانة” عملية معقدة ومكلفة؛ ولكن بحسابات الربح والخسارة؛ تبقى كلفة إنجاحها أقل بكثير من تبعات وأثمان فشلها- تحديداً على روسيا. كثيرون سيريحهم فشل أستانة؛ وجلّهم من متنافري المصالح. الرابح الأساس من أستانة السوريون الذين ينتظرون وقفاً للحمم والنزف وروسيا ذاتها- التي ستحمل ورقة قوة إلى جنيف تبيعها لكل متنافري الإجندات أعداءً كانوا أم شركاء مضاربين. وإذا ما استعرنا صورة من عالم كرة القدم؛ فإن روسيا “ستفتح اللعب” مضطرة لا مختارة… كي تكسب؛ أو على الأقل ؛ كي لا تفشل.





Tags: سلايد