on
د. يحيى العريضي: بداية الإنقاذ (فكرة)
د. يحيى العريضي: كلنا شركاء
“يكثر الحديث عن “دستور لسورية”، وكأنه يشكل /خطة الطريق/ لإخراج سورية من علّة قارب عمرها السبع سنوات. القرارات الدولية بخصوص القضية السورية أتت على ذكر ذلك. الروس تقدموا بفجاجة وفي السياق الغلط بهكذا مشروع. مع انطلاقة “أستانة”، فاق الروس “بريمر” بلطجيةً عندما أتحفونا برزمة أوراق سمّوها /دستوراً/؛ ولكنهم تراجعوا قليلاً عندما شهدوا ردة فعلنا ، فغيروا اسمها إلى “أفكار” لمناقشة دستور لسورية. ثم خرج علينا السيد المبعوث الدولي الخاص “دي مستورة”- في آخر جنيف – بورقة الحاوي التي تحدثت عن آليات ولجان تقنية استشارية لإنجاز المعجزة الدستورية التي يعتقد كثيرون أنها المخرج من عنق الزجاجة السورية النارية. كنّا نعرف أن حركة “دي ميستورة” تأتي إثر الضغط الروسي المضغوط أمريكياً لإلباس الفعل الروسي البشع في سورية صيغة سياسية لا عسكرية بلطجية كما هو الحال فعلاً.
قبل الغوص في هذه “المعجزة” لا بد من خلفية عن أي سورية نتحدث ليكون لها قوة ناظمة لحياتها إسمها دستور. فمع بدايات القرن الماضي، وبعد أربعة قرون من الحكم العثماني المُرهَق بشيخوخته وأمراضه وتكالب استعمارات جديدة عليه وعلى رعاياه، كنّا أيضاً منهكين مبعثرين ضعفاء؛ فأُخرجنا من ناره إلى رمضاء استعمار آخر، سمّوه”الاستعمار الحديث”، بعد الحرب العالمية الأولى. فعل ذلك “الاستعمار الحديث” ما فعل بنا، ولكنه لم يغادر إلاّ بعد أن ضمن أن استعماره لنا وتحكمه بمصيرنا وسحب خيرنا وخيراتنا مستمرٌ، وذلك عبر أدوات يحركها بالتحكّم عن بعد دون عناء او خسارة. تمثّل ذلك بذيوله العسكرية التي نصبّها وغادر. كنا في سورية، ننام على انقلاب لنصحى على آخر. خيراتنا مسروقة وإرادتنا مسلوبة وجهودنا مبعثرة ضائعة.
زاد الطين بلة استعمار استيطاني تمثل بقذف اوروبا يهودها إلى ارضنا في فلسطين وزرع سرطان داخل قلوبنا. سُحبت خيرات بلادنا ودمنا من أجلها. لعب حكامنا بها. بقيت جسماً غريباً. حار الغرب في إرغامنا على قبولها حرباً وحربقة وخيانة وخبثا،ً ولم يفلح على الصعيد الشعبي. أما على صعيد السلطات الممثِّلة لمن زرع السرطان أساساً، فما كان الجسم غريبا.
في نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، هيأ ذلك الاستعمار الذي غادرنا في منتصف القرن منظومة إجرامية مماثلة جزء من إسمها من ديننا ” الجمهورية الإسلامية” لتتقاسم الشرور مع السرطان السابق. بعثرنا أكثر، دمر بلادنا. كثر منا نسيوا ظلم واستبداد وإجرام وإرهاب إسرائيل، وانشغلوا بإجرام وإرهاب إيران وعبثها بنا، بعضنا تحالف معها ليقوى على إخوته وليساهم دارياً أم غافلا بجعل جرائم إسرائيل مألوفة و “مقبولة” مقارنة. ونستذكر في هذا السياق ما قاله المفكر الياس مرقص يوما : ” لا تهللوا لهذه “الثورة” إنها ستجلب شلالات من الدماء في المنطقة ؛ وهذا ما كان.
هذا هو حالنا، وهناك من يأتي ليكتب لنا دستورا؛ وكنّا نحن السوريين ( أهل حمورابي)، بفرحة غامرة وعقول وقّادة بعد أن خرج المستعمر من بلدنا، وفي عام 1950 بالذات، قد أنجزنا – عبر “جمعية تأسيسية” وطنية منتخبة بنزاهة مطلقة – دستورا تفخر به الأمم… دستوراً شكّل العقبة الكأداء في وجه الانقلابات العسكرية المتكررة، والتي حاولت جميعها تخطيه وتجاوزه؛ إلى أن تم اغتياله كليةً في بداية الستينيات.
والآن، مع كل الأيادي الغريبة العابثة ببلدنا، ومع تكابش مصالحها وتناقضها، ومع نظام هاجسه البقاء في السلطة يوفر لتلك القوى مناخ تخريب بلدنا وبعثرته كي يبقى حاكماً حتى ولو على قطعة منه؛ تبرز ضرورة انتفاضة جديدة على واقع الحال المزري الذي وصلت سورية إليه. إن جينات مَن كتبوا دستور عام 1950 لا تزال تسري في أرواح وعقول السوريين الذين لا بد أن يتنادوا لإعادة تشخيص الوضع السوري القائم وتطوراته والخروج برؤية وخطة واستراتيجية تعيد سورية وأهلها إلى سكة الحياة الحرة الكريمة: فعسكرة الثورة لم تكن خياراً لثورة أهل سورية الصادقة، وما الارتماء بأحضان دول لا يزال مخططها في جعل بلدنا تابعاً كان خيار الثورة الحقيقية، وما الارتزاق من انتفاضة شريفة كان هاجس أولئك الشباب الذين صدحت حناجرهم بالحرية، وما التابع لدولة اجنبية ومدين لها ببقائه في سلطته او عرشه بقادر على التجاوب مع ثورة حرية، وما من قوة شبه عظمى تحكمها الدكتاتورية ولا تلتفت للقانون او الدستور، بمؤهلة لتكتب لسورية الحرة دستورها، وما القرارات الدولية في عصر الدكتاتوريات العالمية- والتي ما احترمت يوماً قرارات دولية إلا إذا خدمت مصالحها- جاهزة إلى احترام قرار يخصنا وينجز لنا “الانتقال السياسي” الذي ينقذ بلدنا.
سنوات سبع عجاف كافية لاكتشاف من عقله وروحه وقلبه وعزيمته متوفرة لإحداث النقلة الوطنية. سورية غير عاجزة عن إيجاد ألف سوري وسورية مهمتهم خلق هذه النقلة الوطنية. كثيرون يفكرون بالأمر ذاته- وأنا مطلٌّ على جهود سوريين يعملون متفرقين على الخطوط ذاتها- بعد اختيار هؤلاء الألف بناءً على معايير محددة، وأخذهم شرعية شعبية بحكم المد الشعبي وراءهم؛ وبالتعاون مع الأمم المتحدة، يختار هؤلاء جمعية تأسيسية وطنية مؤلفة من مئتين وخمسين شخصاً يختارون هيئة الآباء المؤسسين المؤلفة من خمسين شخصاً يديرون البلاد لفترة انتقالية تكلّف لجنة بوضع دستور للبلاد.
لا ادّعي ابتكار هذه الأفكار؛ وأعلم أن كثيرين عملوا ويعملون عليها؛ ولكن أعرف أن تفصيلات هذه الأفكار السريعة كفيلة بإخراج مشروع إنقاذ لسورية تكون بدايته بخلق خلية محدودة العدد تضع مخطط المشروع.
Tags: سلايد