فهد المصري: الجريمة الكبرى

 فهد المصري: كلنا شركاء

أكبر عملية ارهابية و أخطر بكثير من جريمة استخدام السلاح الكيماوي بحق المدنيين ، ارتكبت بحق سورية العظيمة والشعب السوري وهي بحق اكبر جريمة على الإطلاق ارتكبها عهد الأسد هي تجهيل وتسخيف مجتمع بأكمله.

استغل برابرة و إرهابيو حكم الأسد (الغرفة الاستراتيجية التي أدارها بعناية مجرم حاقد ومريض نفسي وانتهازي اسمه حافظ الأسد) الكم الهائل من الطيبة لدرجة السذاجة لدى الكثيرين وحسن النوايا والاخلاص والتفاني لدى السوريين عموماً للعبث في منظومة القيم والأخلاق  في مجتمع بأكمله بالاعتماد على قاعدة عدوانية استعمارية معروفة هي” فرق تسد”.

نزع عهد الأسد من المجتمع السوري نخبه المجتمعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والفكرية و شردها وجعلها تتلاشى إما في المغتربات و المنافي أو السجون والقبور يل و نكل بها أو أجبر بوسائل وأدوات مختلفة  من تبقى منهم على الصمت حتى ذبلت و شاخت وهرمت كما ينزع الدسم من الحليب فأصبحنا مجتمعاً خال من الدسم.

مارس عهد الأسد جرائم كثيرة  بمستويات مختلفة لخدمة هذا الهدف ليخدم وجوده وبقاءه وتنفيذ المهام المكلف بها منها ما مارسه في عمليات ممنهجة للتغيير الديمغرافي منذ السبعينات ببناء المستوطنات والعشوائيات لتفتيت التلاحم المجتمعي والأسري وتغيير منظومة القيم و العادات والتقاليد والأعراف ولتكون أيضاً كأطواق تحاصر عدة  محافظات على   رأسها دمشق وحمص واستقدم بأشكال وأدوات مختلفة الوافدين من الأرياف بحكم العمل في الجيش والأمن و باقي دوائر دولة الاسد ومستفيداً من عوامل النمو السكاني و وجود مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ثم تزاحم اللاجئين العراقيين وكذلك معتمداً على إرث تاريخي متخلف تسببت به عوامل استعمارية كالبرجوازية والطبقية لينطلق على قاعدة تمدين الريفيين و ترييف أبناء المدن بالتزامن مع تعمد عهد الأسد ومنذ السبعينات على الحرمان  من التنمية في مناطق الساحل المهملة أساساً وفي بعض المدن والمحافظات الأخرى فتمكن من خلق الشروخ المجتمعية واللعب على النظم القيمية والمجتمعية فأبناء المدن اضطروا للنزوح التدريجي نحو الأرياف وتشكيل منظومات اجتماعية وثقافية  جديدة مختلفة بل عمد إلى تشكيل أساليب ونظم حياة مختلفة لتحقيق التفكك والتباعد الأسري في مجتمعات كانت محافظة على توازنها وتلاحمها المجتمعي و هناك نماذج كثيرة منها ريف دمشق ففي ريف دمشق نجد أن غالبية سكان الريف الدمشقي هم من أبناء مدينة دمشق وباتوا هم أنفسهم أو أبنائهم أغلب سكان مدن مثل جوبر وحرستا وداريا وغيرها و بالتالي لا يجوز بالمطلق القول أن الدمشقيين لم ينخرطوا في الثورة بل كانوا نواة الثورة في العاصمة السياسية السورية بل كانوا عماد الثورة في العاصمة ومحيطها مع أهالي مدن وقرى الريف الدمشقي الذي توافدوا إليه تدريجياً خلال خمسة عقود مما جعل من قرى صغيرة في الريف الدمشقي تتحول تدريجياً إلى مدن مكتظة بالسكان بينما المناطق والمستوطنات والعشوائيات التي سكن بها أبناء المحافظات الأخرى وعلى رأسهم من أبناء الساحل من لون طائفي واحد كانت منبع قمع ثورة السوريين في عاصمتهم مثل عش الورور و السومرية و غيرها فيما شهدنا تطور و  نمو متسارع لقرية جرمانا التي تحولت إلى مدينة على كتف دمشق  وسكانها أغلبهم من السوريين الدروز القادمين من جبل العرب كنتيجة طبيعية من نتائج الحرمان من التنمية وسوء الإدارة وكذلك الحال في مناطق القابون ومحيطها للوافدين من أبناء محافظة الحسكة نتيجة الحرمان من التنمية و الجفاف والتصحر …

هذا الزحف نحو العاصمة  حرمها من رئتها التي تتنفس منها لأن كل المناطق العشوائية والمستوطنات بنيت في مناطق زراعية من الغوطتين واللتان كانتا تشكلان السلة الغذائية للعاصمة من الخضار والفاكهة كما تسبب ذلك أيضا بتدمير مسارات الفروع السبعة لنهر بردى وليس غريباً أن نعلم أن أول فرع من فروع بردى تم طمره هو فرع يزيد !!!

توافد أعداد هائلة من اللاجئين العراقيين إلى سورية منذ عام 2003 و دفع إيران من لهم صبغة طائفية محددة للاستيطان في مناطق ريف دمشق في قرى السيدة زينب ومحيطها من القرى والبلدات جعلها أيضاً مناطق بلون طائفي معين وساهم ذلك أيضا بالعبث في الهوية المجتمعية والأهلية  لتلك المناطق التي تحولت إلى أشبه ماتكون بالضاحية الجنوبية لبيروت ومعقلاً لقوات حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية و غيرها  و شعر ولمس الدمشقيون أنفسهم أن هويتهم الحضارية و منظومتهم الأخلاقية والثقافية مستهدفة لذلك لم تكن مفاجئة حصول العديد من المواجهات والاحتكاكات بينهم وبين الوافدين سواء من غير السوريين أو القادمين من محافظات أخرى.

الكثير من العادات والسلوكيات الهجينة والمستهجنة تسربت إلى مدن كانت بالأمس القريب أشبه بالقلاع المحصنة ضد عادات وسلوكيات منبوذة لأسباب ومعتقدات دينية و أخلاقية ومجتمعية فلم يكن يعرف الدمشقيون مايسمى بزواج المسيار أو زواج المساكنة ولم يكن ليتجرأ أحد على القيام بسلوكيات منافية للحشمة ضمن المجتمع المحافظ في  الشوارع والحدائق والأماكن العامة المختلفة ولم يكن الدمشقيون وأهل ريف دمشق ليصدقوا أن مناطق متفرقة من ريف دمشق تتحول إلى مناطق تفتتح فيها كازينوهات وكباريهات ومراقص في تحول مخيف ينقض على هوية عاصمة السوريين.

كل ذلك ساهم على مدار العقود الخمسة من حكم عهد الأسد لأن نصبح مجتمعا موبوءا فيه الكثير من الأمراض والسلوكيات والعادات الغريبة والهجينة.

هذا جزء بسيط مما حدث في دمشق عاصمة الأمويين وبالتالي ليس مستغرباً ماحدث باشكال مختلفة في باقي المحافظات فالهدف هو تشويه المجتمع السوري ويكفي أن نطالع سلوكيات شرائح مختلفة من السوريين لنرى إلى أي مدى ساهم عهد الأسد بتسخيف المجتمع وتدمير منظومته التعليمية والفكرية والثقافية ونشر الانحلال الأخلاقي والفساد لنتحول إلى مجتمع فاسد فيه الكثير من الأمراض ينضح منه الكثير من الأوساخ و السقوط الأخلاقي ودون أدنى شك فإن الثورة السورية الثورة الكاشفة الوضاحة الفضاحة كشفت كل العورات و التخلف الأخلاقي والفكري والثقافي بل وحتى تفشي الانحطاط الأخلاقي و الوطني لدى نسبة لا يستهان بها من السوريين الذين ينضحون بثقافة  الأنانية والانتهازية وسوء الأخلاق و اللصوصية.

نحن بحاجة قبل كل شيء إلى عقد وطني واجتماعي وإلى إعادة بناء المنظومة الأخلاقية والتربوية والثقافية للمجتمع السوري أي نحن بحاجة إلى خطة استراتيجية  لبناء الإنسان السوري من جديد وهذا دون شك ينقسم إلى قسمين المدرسة والبيت وهذا يتطلب منظومة تعليمية وتربوية جديدة حضارية تعيد الوعي والتربية للأجيال القادمة وبحاجة لإعلام ونخب مجتمعية و ثقافية و فكرية  و دينية تعيد للمجتمع السوري أصالته ونضارته وهويته الحضارية  وكل ذلك يتطلب قيام نظام سياسي وطني يمثل بالفعل سورية والسوريين و ما السبيل إلى كل ذلك إلا المشروع الوطني.

تصبحون على وطن





Tags: محرر