on
مترجم: أحلام سورية على حدود الحصار
كلنا شركاء: إيه تي تي إن- ترجمة صحيفة التقرير
كانت سنوات عمر غنى وادي لا تتجاوز الست حين اندلعت الحرب، و10 حين أطلق قناص النار على ساقها عند نقطة تفتيش تابعة للحكومة السورية، خارج مدينة مضايا المُحاصرة في أغسطس الماضي. الآن تعيش غنى في واحدة من أخطر المدن في العالم، وتقول إنها مُمتنة.
تقول في مقابلة بمدينة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون، والتي تم إجلائها في إبريل: “في اليوم العادي، أتعارك مع إخواني وأخواتي”. لا ترغب غنى في الحديث عن حياتها في مضايا، حيث يموت العشرات جوعًا، وأنها لا تشتاق إلى المدينة التي كانت تضطر فيها إلى حرق الأوراق لنيل بعض الدفء.
تقول غنى إنها أكثر سعادة الآن بعد لم شملها مع أجدادها في إدلب، إلا أن سؤالًا كـ “هل تشعرون بأمان أكثر؟” لم يبد لها مفهومًا، فالأمن ليس له معنى كبير في سوريا. ما تعرفه غنى هو القصف والغارات الجوية. “القتل في كل مكان. بشار الأسد يريد أن يأخذ أرضنا منا”، تقول عن الديكتاتور بالوراثة في سوريا.
لا يوجد سلام حقيقي في سوريا، حيث قُتل أكثر من 400 ألف شخص، وفقُا لتقدير أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة، كما تشرد ما يقدر بـ 11 مليون شخص، سواء داخليًا أو في الخارج، منذ تحولت ثورة عام 2011 إلى واحدة من أسوأ الصراعات في القرن الحادي والعشرين. يبدو أن الأمور تزداد سوءًا.
وفقا لليونيسف، “قتل الأطفال وتشويههم وتجنيدهم زاد بشكل حاد في العام الماضي، في تصاعد حاد للعنف في جميع أنحاء البلاد”، حيث قُتل ما لا يقل عن 652 طفلًا، ما يقرب من 40% منهم كانوا في المدرسة أو بالقرب منها.
تعليم غنى مُعلّق، حيث إن رعاية أشقائها الصغار وإرضائهم، هي وظيفتها بدوام كامل. نشأ شقيقها الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات دون أن يعرف سوى نقص الغذاء. عندما قُدم إليه الآيس كريم في إدلب، فوجئ به كيف كان باردًا، ولم يكن يعلم كيف يأكله.
تبدو محافظة إدلب التي ينتمي إليها ائتلاف من المتمردين تتأرجح بين أيدي الجيش السوري الحر الوطني وحركة أحرار الشام الإسلامية والجهادية لتحرير الشام، كالجنة لأولئك الذين أمضوا سنوات على حافة المجاعة، لكن عدن ليست كذلك.
يقول زيدون الزعبي، رئيس اتحاد الرعاية الطبية ومنظمات الإغاثة، الذي يدعم العيادات الطبية في جميع أنحاء سوريا بالإمدادات والموظفين: “الوضع في إدلب يزداد سوءًا على سوء. هناك نقص في كل شيء. أهم نقص يكمن في الموارد البشرية. السبب في ذلك هو هجرة المُسعفين والأطباء، والقتل بالطبع. هذه نتيجة مباشرة للاستهداف المنهجي للمستشفيات”.
منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان قالت إن ما لا يقل عن 11 مرفقًا طبيًا قُصف في مدينة إدلب بواسطة طائرات سورية أو روسية.
يقول أحمد الدبيس، الصيدلي الذي يعمل مع منظمة الإغاثة في إدلب: “يعيش الناس في خوف، فالحكومة السورية وحليفتها الروسية تستهدفان المستشفيات بشكل منهجي؛ مما أدى إلى تعطيل سبع منشآت طبية في أبريل. هذا يعني حرمان آلاف الأشخاص من الخدمات الطبية”.
يمكن تفهم أن هذه هي النقطة عمومًا، وهي جعل الحياة غير ممكنة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، وإجبار الناس على الاختيار بين المنفى أو الموت أو الخضوع.
يضيف الدبيس: “الوضع في إدلب سيء جدًا؛ لأن هناك عددًا كبيرًا جدًا من اللاجئين والنازحين، لكن هناك مستشفيين فقط لنحو 400 ألف شخص”.
هذه مشكلة غنى على وجه الخصوص. بعد أن أطُلق النار عليها في مضايا، انتقال جيران عائلتها بعيدًا. تقول والدتها سحر: “لم يستطيعوا سماع صراخها أكثر من ذلك”. بعد ما يقرب من أسبوعين وحملة بقيادة منظمة العفو الدولية، ابتسم لها الحظ. فالحكومة السورية، التي كانت جنبًا إلى جنب مع حلفائها في ميليشيات حزب الله اللبناني، والتي كانت تفرض حصارًا على المدينة في ذلك الوقت، وافقت على إخراجها حتى يمكنها إجراء الجراحة في العاصمة دمشق.
بعد رحلتها إلى دمشق، أُعيدت إلى مضايا، ثم تم إجلائها مرة أخرى بموجب اتفاق أن ترفع الحكومة حصارها عن المدينة في مقابل قيام المتمردين برفع الحصار عن مدينتي الفوعة وكفريا (قُتل العشرات ممن تم إجلاؤهم مؤخرًا في هجوم إرهابي).
إلا أن نوع الرعاية المتاحة في سوريا التي تسيطر عليها الحكومة ليس متوفرًا في إدلب، وغنى بحاجة إلى مزيد من الرعاية. أجرت جراحتين حتى الآن، لكنها لا تزال غير قادرة أم تُحني ركبتها اليسرى وساقها اليسرى أقصر من اليُمنى، وهي مشكلة من شأنها أن تتفاقم لأنها تنمو.
تقول والدتها: “لا توجد رعاية طبية جديّة هنا في إدلب. الفقر منتشر، كما أن التهديد بالقتل أكثر شيوعًا من الهواء. كي تكون “بحال جيدة” في إدلب، وفقًا لسحر، عليك “الحصول على ما يكفي من الغذاء لبضعة أيام. الخيار الوحيد أمامي هو الرحيل أو اللجوء إلى تركيا”.
لكن غنى تأمل أن تذهب إلى أبعد من تركيا في يوم من الأيام. إذا كان بإمكانها الذهاب إلى أي مكان في العالم، سيكون باريس. تريد غنى أن تكون ممثلة يومًا ما. “أنا أحب هذا البرج المعدني طويل القامة” كما تقول.
في الوقت الراهن، تبدو غنى بعيدة عن حلمها بأميال طويلة، حيث تعيش في مكان حيث تناضل يوميًا من أجل التمسك بمثل هذه الأحلام. وببساطة البقاء على قيد الحياة.
“لا أحد يهتم” كما يقول كمال جد غنى “كل شخص يهتم لشؤونه الخاصة في هذه المدينة”.