on
محمد أحمد العربي: الأستانة 4.. تحت المجهر
| الروس يؤكدون أنهم لن يتخلوا عن مصالحهم الاستراتيجية في سوريا وأنهم مستعدون للتكيف مع أمريكا، والإيرانيين يودون أن يتستروا بالروس ويثبتوا حضورهم المستقبلي في سورية كجزء من الحل كما هم جزء من المشكلة |
محمد أحمد العربي: الأيام السورية
أولاً: كان لا بد أن تضرب أمريكا مطار الشعيرات السوري، بعد ضرب النظام السوري لخان شيخون بالكيماوي، ولتعلن أمريكا ترامب عودتها – بقوة – للحضور في الحالة السورية، وليتم محاولة هضم الحضور الأمريكي الجديد من قبل كل الأطراف الدولية والاقليمية الفاعلة في الملف السوري.
ثانياً: سيعتمد النظام السوري على الإنكار الفج الغبي، وسيندد الروس والإيرانيين بالضربة الأمريكية ويطالبوا باحترام سيادة الدولة السورية، التي حولوها والإيرانيين وحزب الله والمرتزقة الطائفيين إلى مجرد (وهم يقتل صاحبه)، وسينتظرون ما سيسفر عنه هذا الحضور الأمريكي الجديد، هل هو بداية تصعيد عسكري مباشر من الأمريكان أم هو ضوء أخضر للثوار السوريين بتصعيد عملياتهم ضد النظام، وسترتفع نبرة حلفاء الثورة السورية الأوربيين وتركيا ودول الخليج بالتنديد والتعويل على أمريكا أن تعدل ميزان القوى لصالح الشعب السوري وثورته.
ثالثاً: كان الروس في حالة ارتباك من الموقف الأمريكي المباشر، فهذه أول مرة يتم ضرب النظام السوري علناً ومن قبل أمريكا، وروسيا حاضرة مع إيران في كل شيء داخل سوريا عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، إلى درجة اعتبارهم دولياً أوصياء على النظام، واعتبارهم محتلين لسوريا من وجهة نظر الشعب السوري وثورته ومصالحه، وأمريكا ترامب توقفت عن غزل روسيا؛ وأعلنت بقوة رفضها للتمدد الإيراني في كل توترات المنطقة، ورفضها للاتفاق النووي الذي رعته أمريكا أوباما، وأن إيران وامتدادها من حرس ثوري وحزب الله والمرتزقة الطائفيين من العراق وأفغانستان بدأوا بالإحساس أنهم مستهدفون آجلاً أو عاجلاً.
رابعاً: بدأت أمريكا تبعث برسائلها للأطراف الدولية والاقليمية، عن مواقفها المستجدة في القضية السورية، حيث تركت جلسة جنيف الأخيرة تنتهي دون تقدم يذكر؛ سوى موضوع السلال الأربعة التي يجب أن تناقش، ورفضت تحديد جلسه قادمه، وأخبرت الأطراف أنها تعد موقفها على نار هادئة، وحاول الروس عقد جلسه في الأستانة – حصلت بالفعل- لكنها فشلت لعدم حضور ممثلي الثوار العسكريين فيها، وبدأت أمريكا بالنزول العلني كقوة عسكرية في الشمال السوري، في منبج أولاً ثم في كل مناطق تواجد قوات سورية الديمقراطية داعمة لها وصانعة غطاء وحماية لها من الأتراك؛ الذين يرون الـ “ب ي د” وهو أكبر قوة في قوات سورية الديمقراطية؛ يرون به تهديداً استراتيجياً لتركيا ويعتبرونه امتداداً لـ “ب ك ك” الإرهابي فيها؛ وإضافة لتسريب الأمريكان لقبولهم لفكرة المناطق الآمنة في سوريا؛ وحضورهم المباشر بمواجهة داعش، وعلى تماس مع قوات النظام السوري والقوات الإيرانية وحلفاء النظام الآخرين.
خامساً: ثبتت أمريكا موقفها الداعم لـ “ب ي د” على الأرض وقدمت الدعم العسكري، وخاضت معها عبر قوات سوريا الديمقراطية معركة تحرير الطبقة كمقدمه لتحرير الرقة من داعش، إن أول أولويات أمريكا المعلنة في سوريا والعراق محاربة داعش، وتناغمت أمريكا مع الأتراك وتحدثت عن المناطق الآمنة سواء في شمال سوريا وكذلك في جنوبها، وهذا ما بحثه ترامب مع الملك الأردني عبدالله في أمريكا، وكذلك الحديث بين ترامب وولي ولي العهد السعودي عن تحجيم إيران في قضايا المنطقة كلها ومنها سوريا.
سادساً: أصبح واضحاً للروس معالم استراتيجية ترامب في المنطقة وسوريا خاصة، وبدأت تعمل على التكيف من حيث وصلت في سياساتها السورية سواء في الأستانة أو جنيف، وبما أنها هي الطرف الدولي الراعي للأستانة مع إيران وتركيا، عادت لتفعيل مسار الأستانة حسب توجهات أمريكا وبرضى تركي إيراني، وطرحت مناطق تخفيف توتر كمقدمه لمناطق آمنه في أغلب مناطق تواجد الثوار في سوريا، وهذا ما رضي به كل الأطراف، فأمريكا شريك مراقب يعول على النتائج وحسابات مصالحها المباشرة والمستقبلية، والروس يؤكدون أنهم لن يتخلوا عن مصالحهم الاستراتيجية في سوريا وأنهم مستعدون للتكيف مع أمريكا، والإيرانيين يودون أن يتستروا بالروس ويثبتوا حضورهم المستقبلي في سورية كجزء من الحل كما هم جزء من المشكلة، ويؤخروا قدرهم الأمريكي الصراعي أو يتلاعبوا عليه ولو قليلاً، والأتراك ومن وراءهم دول الخليج يريدون أن يكونوا جزء من الحراك في الملف السوري، ليضمنوا حصصهم من مستقبل سوريا والحل فيها، فالأتراك منشغلين جداً بمنعكس الوضع السوري عليهم سواء في مشكلة اللاجئين السوريين بملايينهم الثلاثة داخل تركيا، أو مشكلة إمكانية امتداد “داعش” كمشكلة عابره للأوطان لتركيا، أو مشكلة الـ “ب ك ك” في تركيا وامتدادها الـ “ب ي د” في سوريا كمشكله تتصل بالأمن القومي التركي، وضرورة تحجيم إيران التي أصبحت تحدها من ثلاث جهات سوريا والعراق إضافة للحدود المشتركة بينهما وتضغط عليها بقوة، ودول الخليج التي ترى تمدد إيران تهديد قومي لكل دوله فيهم داخلياً وفي اليمن والعراق ولبنان وسوريا طبعاً.
سابعاً: بعد تقاطع كل هذه العوامل وتواصل الأطراف الاقليمية كلها، ولقاء وزراء خارجية وأركان الروس والأمريكان وحديث بوتن وترامب الهاتفي؛ سارعت روسيا للدعوة للأستانة بجولتها الرابعة وفي جعبتها توافقات ضمنيه ترضي كل الأطراف بأقل الممكنات، الأمريكان ومطلبهم بالمناطق الآمنة وتثبيت حضورهم الجدي، الروس والإيرانيين والأتراك كلاعبين أساسيين في إدارة المشكلة السورية وحلها الآن، وكضامنين على الأرض، وامتداد الأدوار لدول الخليج والأردن، وغزل روسي لأمريكا عن تحجيم الحضور الإيراني في سوريا؛ وإن على استحياء وبصمت إيراني الآن، وكان من أهم ما أقرته المبادرة أنها مناطق تخفيف توتر؛ فهي أقل من آمنه وليست منطقة صراع، لا أعمال عدائية، لا تحليق طيران للأطراف، تخفيف الحصار، وتسهيل تمرير المساعدات الإنسانية، تركيز الصراع على داعش والنصرة وحلفائهم، ومدتها الأولية سته أشهر قابله للتمديد، والأهم أن هذا الإجراء يحصل ضمن سياق القرار الدولي 2254.
ثامناً: حصل لقاء الأستانة 4 وأقر الاتفاق ووقع عليه الروس والإيرانيين والأتراك كضامنين، وسيكون منهم من يحضر كمراقبين للاتفاق على الأرض، ولم يغير من الأمر شيئاً محاولة وفد الثورة أن يستنكر توقيع إيران على الوثيقة، فهي فعلاً طرفٌ معاديٍّ للشعب السوري تماماً كالروس، وهم الفاعلين على الأرض أكثر من الحضور الرمزي للنظام وقواته، وعدم الاعتراف بهم وبدورهم لا يلغي أنه دون قبولهم ودون حضورهم لن يتم تنفيذ أي اتفاق، إلا إذا حضرت قوى دولية وحيدت الكل وهذا ما لم يحصل، وأقصى ما قدمه حلفاء الثورة السورية أن قالوا إن هذا أفضل الممكن، ضمن توازنات الصراع إقليمياً وبحدود الموقف الأمريكي الذي رضي بالاتفاق من باب انتظار ما يسفر على الأرض.
تاسعاً: أما قراءة ما حصل من خلفية مصلحة الشعب السوري وثورته فإنه وبغياب أي فرصة لحسم الصراع بانتصار الثورة عسكرياً؛ لغياب القرار الدولي والإمكانية العسكرية والسياسية، وأن سقف العمل في سوريا هو القرار 2254 وأن الحل السياسي التوافقي هو الأصل، فإن هذه فرصة للانتقال من الصراع مع النظام وحلفائه إلى الحل الذي يعني في نهاية المطاف الوصول إلى الدولة الوطنية الديمقراطية في سوريا، ولكن دون ذلك عقبات كثيرة؛ أولها هل فعلاً ستعمل روسيا وإيران على إبعاد النظام وعصبته عن السلطة في المرحلة الانتقالية كما يقول القرار 2254 الدولي؟
عاشراً: هناك استحقاقات خطيرة على قوى الثورة السورية أن تحلها، أولها عليها أن تحل مشكلة جبهة النصرة وحضورها وامتدادها، وهذه المشكلة هي أخطر ما يهدد الثورة السورية، لأن عدم إدارة هذا الملف بشكل صحيح سيعني اقتتال داخلي بين الثوار وفي مواجهة النصرة إن لم تتخذ الموقف السليم، لأن ما حصل ويحصل في الغوطة الشرقية الآن؛ يعني أن الثوار لم ينضجوا بعد لوعي خطورة أن يكونوا أداة صراع بيني وضحاياه أيضاً، وقد يكون هذا الملف مقتلاً للثورة عسكرياً ومن ثم للثورة سياسياً، لأنه سينتفي الشريك في مواجهة النظام عند القوى الدولية والاقليمية.
وهناك أيضاً مشكلة التوحد العسكري للثوار، فحتى الآن مازال الثوار يحضرون كفصائل ومجموعات فلم يحسموا أمرهم ويعلنوا انتقالهم من الفرقة إلى التنسيق ووحدة التوجه والعمل وإدارة عملهم كفريق واحد، وهناك مأزق آخر فهناك من يشكك بالهيئة العليا للمفاوضات ويعتبرها ناقصة ولا تمثل كل الثورة، وهناك أطراف دولية واقليمية تنفخ في موضوع المنصات وتعمل لصناعة طرف يدعي المشروعية، وتحتضنه القاهرة وروسيا ولبنان والإمارات وغيرهم، وكل ذلك للوصول إلى تأكيد أنه لا يوجد طرف سياسي واحد يمثل الثورة السورية سياسياً، وهناك أيضاً محاولة زرع الـ “ب ي د” في قلب المعادلة السورية على أنها من أركان الثورة وهي لم تغادر مواقع النظام إلى الآن، وهي تعمل على الأرض كطرف تقسيمي انفصالي، وتبيع مواقفها للروس والإيرانيين والأمريكان، يعملون كبندقيه للإيجار وخنجر في خاصرة تركيا وفي قلب المكون الكردي السوري وضد الثورة السورية.
أحد عشر: كل هذه الاعتبارات حاضرة وهناك الأطراف الدولية روسيا وأمريكا يدرسون كيف سيتقاسمون الكعكة السورية. وكيف سينتهون من مشكلة داعش والنصرة، وهل ستكون المناطق الآمنة مقدمة حل أم مقدمة تقسيم واقعي؛ سينضج مع الوقت لترعاه الدول المجاورة؛ الجنوب للأردن و( إسرائيل )، والشمال للأتراك والأكراد الانفصاليين وبقية سوريا للنظام تحت مسمى سوريا المفيدة، واستمرار الصراع مع داعش والنصرة كمبرر لاستمرار الحرب بعنوانها المعلن؛ كحرب على الإرهاب، ولن ننسى المطلب الأمريكي لتحجيم إيران وأدواتها في سوريا ولبنان “حزب الله” والعراق مليشيا “الحشد الشعبي”، وهذه معركة إن فتحت فلن تحسم بسهوله وسيكون ثمنها غال وتستمر لسنين ووقودها دماءنا ومالنا ووجودنا أيضاً.
أخيراً إن كل الاحتمالات مفتوحه بعد الأستانة 4 وأكثرها شاعرية وتفاؤلاً: أن يتعامل الكل بجدية مع احتمال الحل هذا؛ ولتعود مفاوضات جنيف ويتم التحرك الجدي لتنفيذ القرار الدولي 2254 وبيان جنيف في سوريا؛ كحد أدنى لحل ممكن يعيد لسوريا وللسوريين الأمل أن تبنى لهم دولتهم الوطنية الديمقراطية، دولة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والحياة الأفضل لكل السوريين.