كامل عباس: الأزمة فينا وليست في الليبرالية

كامل عباس: كلنا شركاء

كتب الكاتب ياسين الحاج صالح مقالا في صحيفة القدس العربي – الديمقراطية الليبرالية في أزمة في العالم وعندنا – 14/5/2017.

في المقال الكثير من المغالطات, والحوار حوله مفيد جدا لنا نحن السوريين في هذه اللحظة ولذلك ارتأيت أن أرد على بعض ما جاء فيه:

يبدأ المقال هكذا ( ليس لفوز ايمانويل ماكرون في الانتخابات الفرنسية ان يحجب أزمة عميقة في الديمقراطية الليبرالية التي بدت خلال جيل كامل أفق الطوبى العالمية الوحيدة … ) . تُذّكرني هذه الكلمات بكلمات مشابهة قالها الدكتور برهان غليون قبل أكثر من عشر سنوات في مقال حمل عنوان تحرير الديمقراطية من الفلسفة الليبرالية شرط تعميمها في العالم العربي جاء فيه (وهناك مشروع الديمقراطية الليبرالية الذي يرى التعددية إطارا لتنمية الحريات الفردية ….. وفي هذه الحالة يمكن لليبرالية أن تتحول وهي تتحول بالفعل إلى عائق أمام الديمقراطية ).

لا يستطيع كثيرون ممن يحملون خلفية ماركسية مثل ياسين الحاج صالح وبرهان غليون ان يكونوا موضوعيين تجاه الفلسفة الليبرالية التي عالجت تلك الإشكالية التي تصل بعض الأحيان لتجعل ممارسة الحرية بواسطة آلية الديمقراطية ضد الإصلاح والتقدم الاجتماعي وضد الحرية. انصحهم بالعودة إلى عميدها جون ستيوارت ميل وما كتبه في بحثه القيم عن الحرية والذي قال فيه (( لا يزال استبداد العادة في كل مكان العقبة الرئيسية في سبيل التقدم البشري, ولا غرو فان العادة منافية بطبيعتها لتلك النزعة التي تطمح إلى الارتقاء عن المألوف والتي تسمى بحسب الظروف تارة روح الحرية وتارة روح الإصلاح, وجدير بالملاحظة في هذا المقام إن روح الإصلاح ليست على الدوام روح الحرية, فإنها قد ترمي إلى إكراه شعب على قبول ضروب من الإصلاح بالرغم من أرادته, كما إن روح الحرية عند مقاومتها أمثال هذه المجهودات قد تكون منافية لروح الإصلاح …. على أن مبدأ التقدم سواء تجلى في صورة حب الحرية أم في صورة حب الإصلاح, لا يفتأ منابذا لسلطان العادة أو على الأقل مطالبا بخلع نيرها وصدع أغلالها, ولا يزال النزاع القائم بين هاتين القوتين مصدر الفائدة وبيت القصيد في تاريخ الإنسانية بأجمعه))

إن عبقرية جون ميل جعلته يتنبأ بالمستقبل وما يمكن أن تسببه ممارسة الحرية عبر آلية الديمقراطية, وهذا ما حصل بوصول هتلر إلى السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية في ألمانيا, وفي أيامنا هذه أيضا وصل ترامب إلى السلطة بنفس الطريقة, وهو ما يمكن أن يحصل الآن في كثير من الدول الإسلامية, إذ أن انتخابات حرة ونزيهة يمكن أن تحمل إلى السلطة تيارات أصولية إرهابية لا تتورع عن قطع رؤوس مخالفيها في الرأي بالبلطات والسكاكين. مع كل ذلك لا ترى الفلسفة الليبرالية بديلا  عن ممارسة الحرية عبر آلية الديمقراطية, رغم كل تكاليفها الباهظة التي سندفعها مرغمين كبشر قربانا للتقدم الاجتماعي, وتلك الممارسة وحدها تفسح المجال لتكوين رأي عام جديد وثقافة جديدة وقيم جديدة تعارض الثقافة القديمة.

الفلسفة الليبرالية أول من مّيز بينها وبين الديمقراطية التي سبقتها في الظهور تاريخيا. هناك فرق كبير بين الديمقراطية والليبرالية, الديمقراطية كما وصفها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بحق (آلية للحكم وليست عقيدة أو مذهبا ولا حتى نظاما سياسيا ) أما الليبرالية فهي فلسفة ونظام سياسي, اتفق مع الكاتب في تجيير الليبرالية كفلسفة لصالح الأغنياء في كل مكان تحت حجة حرية العمل وهي بهذا المعنى لا تشذ عن الأديان والماركسية أيضا التي تم هضمها من قبل الطبقات المالكة, ولكن ميزتها عما سبقها كونها ذات نهايات مفتوحة وليست ذات نهايات مغلقة ويمكن إذا أحسنا صنعا أن نعود بها إلى سيرتها الأولى التي تخدم التقدم الاجتماعي.

يقول الكاتب في ثنايا المقال ( ليس هناك مراجعة لأي أساسيات في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ولا يبدو أن هناك تطلعا لتغير في النظام الدولي على نحو يوفر عدالة اكبر للأكثر حرمانا).

على الضد مما تقول يا صديقي فقد بدا أن هناك تطلع لتغيير في النظام الدولي بداية هذا القرن. لقد وقّعت 191 دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة على إعلان الأمم المتحدة للألفية عام 2002 عرف باسم الأهداف الإنمائية للألفية (MDG ) ربطت بين الإرهاب والفقر وحددتها بثمانية أهداف منها

تخفيض الفقر بنسبة النصف بحلول عام 2015 مقارنة بخط أساس عام 1990.

إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2025.

مساعدة الدول الغنية للدول الفقيرة كي تستطيع أن تحقق تقدما على سلم التنمية الاقتصادية قبل عام 2025.

تشكلت لجنة من خبراء اقتصاديين لرئاسة مشروع الأمم المتحدة للألفية بإدارة مارك مالون براون وعضوية جوزيف شامي والأمريكي  جيفري ساكس الذي قال في مشروعه المقدم للخطة عام 2004 ما يلي: علينا استخدام ثروتنا بصورة عاقلة لشفاء كوكب منقسم على نفسه, ولإنهاء معاناة الذين مازالوا مكبلين بالفقر, وإقامة رباط مشترك للبشرية, والوصول إلى الأمان, وبناء هدف مشترك عبر الثقافات والأقاليم المشتركة.

لكن كما تعرف انقلب مسار العولمة بفضل رجل المخابرات الروسي الشعبوي المصاب بجنون العظمة وليس بسبب الغرب, وبدلا من أن تحمل روسيا تاريخها الاشتراكي وما ينادي به من عدالة وتدعم ديمقراطية الغرب الإصلاحية وتفسح المجال لمجلس امن جديد ينسجم مع القرن الواحد والعشرين يقود بوتين ووزير خارجيته خطا معاكسا للتطور الاجتماعي بإصراره على حماية الديكتاتوريين في كل مكان تحت حجة السيادة الوطنية, بكل أسف الروس هم من يمنعوا أي تغيير في النظام الدولي على نحو يوفر عدالة اكبر للأكثر حرمانا كما تريد, وتفسير الأمر بسيط, ذلك أن رأسمالهم الأساسي جاء من نهب الدولة وبدون تعب ولم يتشكل على طريقة رأسمال الغرب من الثروة إلى الدولة, ولذلك تستجيب القيادة الروسية لمصالح الرأسمال المتوحش المعادي لأي قيم إنسانية أكثر من الرأسمال الغربي. 

يقول الكاتب أيضا  (لا نستطيع في سوريا أن نبقى خارج التفكير في هذه الشؤون. ليس فقط لأن الثورة في بلدنا كانت بصورة ما ضحية أزمة الديمقراطية الليبرالية عالميا, وإنما كذلك لأن الأزمة توافقت مع تحطيم بلدنا, وكانت أقرب إلى تعهد هذا التحطيم دون أصوات احتجاج فكرية وسياسية مسموعة من الغرب)

كلام خطير وانفعالي وغير واقعي وهو يعزو كل مشاكلنا إلى ما يسميه أزمة الديمقراطية الليبرالية في الغرب تحديدا. أما أنا فأعتقد إن السبب كامن فينا وفي استبدادنا الشرقي والذي قد نحتاج لكي نخرج من مستنقعه إلى مئات السنين كما احتاج الغرب إلى ثلاثمائة سنة ليصل إلى قرن أنواره, بهذا المعنى عدة سنوات ليست شيئا في عمر التاريخ.

أنا أتساءل هنا أليس من حق الغرب أن يتخوف من سقوط النظام السوري بيد الجهاديين المتطرفين الذين يديرون المناطق المحررة استنادا إلى الشرع الإلهي !! الأهم من هذا عجزنا كعلمانيين ديمقراطيين يا أستاذ ياسين أن نشكل قطبا على الأرض, بدلا من لوم الغرب لأنه لم يساعدنا في الوصول إلى السلطة. أنت تعرف أكثر مني مهاترات رموز المعارضة السورية من أجل سلخ جلد الدب قبل اصطياده ومازالوا بكل أسف يفعلون ذلك ولم يرتقوا بعد إلى مصاف تضحيات شعبهم. سأعطيك مثالا مما يفعله الكثيرون من أعضاء المعارضة السورية حاليا في طرحهم لمؤتمر وطني سوري وما في ذلك الطرح من شعبوية تخدم النظام أكثر مما تخدم الثورة. لقد طرحت الهيئة العليا للمفاوضات وثيقة تتمحور حول الانتقال بسوريا نحو دولة مدنية ديمقراطية وحاولت تسويقها للعالم من عاصمة الضباب والأمل في لندن, وهي تحاول جاهدة الاتكاء على ثقافة وحضارة البشرية التي قد تحرج مؤسسات المجتمع الدولي الحالية المنحازة إلى الدور الروسي بسبب تخوفها من الإرهابيين في سوريا. بدلا من أن نقف جميعا خلف الهيئة الآن في مفاوضاتها ونتناسى خلافاتنا نطرح مؤتمر وطني ليكون بديلا عنها.  انا لا أعرف لماذا لا يؤجل هؤلاء دعوتهم إلى حين تشكل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات, وهو امر غير مستبعد في المدى المنظور بعد انكشاف النظام وداعميه الاستبداديين الروس والإيرانيين أمام العالم خصيصا إذا تناسينا خلافاتنا وقررنا دعم الهيئة في المفاوضات الجارية مؤسسات ومستقلين مثل هيئة التنسيق وإعلان دمشق والائتلاف الوطني السوري ولجان التنسيق والجيش الحر وأمثالك من المثقفين الذين يصدرون البيان تلو البيان ويوقعون عليه بشكل فردي.

أختم مداخلتي بهذه الملاحظة.

يتبرعم في كثير من بقاع العالم ومنها سوريا  تيار جديد يلتقي فيه الليبراليون مع الماركسيين من الجهتين (أحب أن اسميه الليبراليين اليساريين ) يأخذ التيار من الليبرالية موضوع الحريات الفردية وأهمية الديمقراطية بالمعنى السياسي للتقدم الاجتماعي ومن الماركسية موضوع الجانب الاقتصادي, جانب العدالة الاجتماعية ودور الدولة في تحقيقها بناء على تدخلها في توجيه السوق لخدمة تطوير المجتمع وليس لخدمة الأغنياء فقط.

بصراحة يا صديقي إن كتابتك أنت وبرهان غليون وأمثالكم والهجوم على الليبرالية بهذا الشكل وتحميلها المسؤولية عما آل إليه وضعنا في سوريا لا يخدم هذا التيار.