د. غسان مرتضى: عرسال عرس دمٍ سال

 د. غسان مرتضى: كلنا شركاء

عرسال عروس البقاع، سيدة الجرود الشامخة والقمم الشم. عرسال ملجأ المستضعفين الفقراء الذين لم يجدوا ملجأ آخر، ومأوى المهجَّرين الذين راقت صور خيامهم وبؤسهم لمراكز السياسة والعهر العالميين…

 عرسال اليوم محط أنظار السوريين على الأقل، ومهوى أفئدتهم…

عرسال الجريحة ترسل للعالم صوراً مخيفة، ترسل صوراً مُحزِنة ومُؤسِفة!!

إنها صور مفزعة مهولة توثِّق وحشية بعض وحدات الجيش اللبناني وانتهاكها لكلِّ الأعراف والقوانين والنواميس والشرائع، وتكشف عن خسّةَ عناصر هذه الوحدات الذين يبطحون العزَّل أرضاً، ويسومونهم شتى أصناف الإذلال وأنواع الإهانات، ويخربون خيامهم ويضرمون النار فيها.

إنَّها صور لنساء يلطمن وجوههن ويمزقن جيوبهن، وصور لأطفال يرتجفون رعباً وخوفاً وشيوخ ينهارون لا يقوون على الوقوف… ورجال وفتيان يُقتادون بطريقة مهينة إلى مراكز اعتقال مجهولة.

إنَّها صور لضباط وعناصر يستعرضون فائض قوتهم وتجهيزاتهم وأسلحتهم وعضلاتهم وهم يهجمون هجوماً ساحقاً ماحقاً على مخيمي النور والحصن اللذين يؤويان اللاجئين من القصير وقارة ويبرود ورنكوس وفليطة والسحل…. صور لآلية مجنزرة تدهس طفلة زهرةً لمَّا تتفتح.

وأمام هذه الصور والمشاهد ينبهت الرجال، وتتسمَّر الكلمات على الألسن، ولا تبوح الشفاه إلا بكلمة: يا حيف آخ يا حيف يا حيف عليك أيها الجيش اللبناني، يا حيف على قادتك وضباطك وجنودك.

يا حيف عليك وقد تمكنت أجهزة المخابرات الأسدية والخامنئية من أن تمسَخك وتحولك إلى عصابات إجراميَّة.

يا حيف عليك أيها الجيش اللبناني وأنت البغاث يستنسر على الشيوخ والنساء والأطفال.

يا حيف على جنود فوجِكَ المجوقل وهم النعام في الحروب يستأسدون على اللاجئين العُزَّل، فيقتحمون القلاع الحصينة المحصنة بالستائر والشوادر ليقضُّوا مضاجع الأطفال، ويُتلفوا طعامهم، ويمزقوا ألبستهم، ويحرقوا خيامهم.

يا حيف عليكم ضباطَ الجيش اللبناني وأنتم تزأرون على حرائر القصير والقلمون وترغمون بعضهن على السير حافيات وشبه عاريات.

من أيِّ طينة أنتم؟ من أي أرزةٍ ولدتم؟ من أيِّ تراب وأيِّ ماء جُبلتم؟ أين أحرار لبنان؟ أين مثقفوه؟ أين مفكروه؟ أين صحفيوه؟ أين شعراؤه؟؟! ما هذا الصمت المريع؟!

أعرف أنَّ جبين المعلم بطرس البستاني يندى خجلاً في مرقده… وأنَّ الشدياق الكبير يمزِّق جوائبه، ويأسف أنَّ في وطنه الجميل جيشاً كهذا.

وأعلم أنَّ اليازجي يندب عروبته بعد أن داسها جنود الجيش العوني ببساطيرهم… أعرف كيف يحمر وجه شكيب أرسلان وكمال جنبلاط خجلاً ممَّا يرتكبه جنود يُنسبون إلى لبنان، وأعرف أن محمد مهدي شمس الدين يتبرأ من عمامته وأعرف وأعرف…

لكنَّني أعرف أيضاً أنَّ كثيرين من ضباط هذا الجيش الجبان ليسوا من أحفاد هؤلاء العظام وليسوا من أبنائهم، إنهم نتاج سفاح أو لقاح آثم أسهمت فيه مخابرات غازي كنعان وقاسم سليماني.

وأعرف أنَّ لبنان الذي كان نجمة الحرية في شرق الاستعباد والاسترقاق غدا اليوم معسكر اعتقال كبير يجثم على صدور أحراره وشرفائه الأوغاد عون وسليماني ونصر الله، وأعرف أنَّ في لبنان الماضي والحاضر من الأحرار والشرفاء من يعز أن يكونوا في غيره من بلدان العرب، لكنَّهم محاصرون منزوعو المخالب والأنياب.

وبعد أسفي عليكم أيها السوريون الأحرار أسفي عليكم أيها الأشراف النازحون من أهالي القصير والقلمون أسفي عليكم أهلي وخلاني المشردين في بطاح عرسال وشعابها الفقيرة أسفي عليكم فما أقل الأحرار الذين هبوا للدفاع عنكم ومؤازرتكم أسفي عليكم وقد ضنَّت وسائل إعلام الأشقاء والإخوة بخبر عن مأساتكم يأتي عرضاً في شريط الأخبار.

أسفي عليكم وقد التزم أصدقاء الشعب السوري العرب والأجانب جانب الصمت أو الخرس. أسفي عليكم والمذيعات المسائيات على الشاشات العربية مشغولات بأخبار الفقمة والكنغر في حديقة حيوانات بكين، أستثني مذيعات بعض الأقنية اللبنانية اللواتي غطين خبر هذا الاقتحام الدنيء للمخيمات باعتباره نصراً عظيماً وفتحاً مبيناً.

أسفي عليكم وقد أصبح حالكم حالَ الشاعر الجاهلي قريط بن أنيف الذي استنجد قومَه حين أغار بنو اللقيطة على إبله فلم ينجدوه: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا لا يسألون أخوهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا لكن قومي وإن عزوا وإن كثروا ليسوا من الشر في شيء وإن هانا كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا أسفي عليكم…

والله لو كنا دجاجاً يفعل به هؤلاء الخسيسون ما يفعلونه بنا لهب العالم مستنكراً منافحاً عن حقوق الدجاج… لكننا على ما يبدو أقل شأناً من ذلك في نظرهم.