on
إبراهيم الجبين: الطوائف.. وعوالم مابعد داعش
إبراهيم الجبين: كلنا شركاء
ما بعد ظهور داعش، ليس كما قبل ظهور هذا التنظيم الدموي معقد التركيب ومتعدد الاغراض. ومنعكسات ذلك الظهور لن تتوقف على الأكثرية المسلمة السنية فقط، كما يرتاح لشرحه وتكراره مثقفو الطوائف ومنظرو الطائفية. فالمنبع الذي يفهم الغرب، وهو المهم بنظرهم، أن داعش يستقي منه فكره، هو ذات المنبع الذي استقت منه هذه الطوائف فكرها ايضاً. وما القرامطة والجعفريون والحشاشون والإباضية والأزارقة وغيرهم إلا نسخ مبكرة من داعش النسخة الأحدث للخروج والتمرد.
إن مواجهة الطوائف الإسلامية لمأزق ظهور داعش لا تقل خطورة وحرجاً عن مواجهة السنة لهذا المنعطف. ومن يضمن أن لا يقرأ جيل من الأجيال الجديدة في طهران أو النجف أو قرى اللاذقية التراث الديني الإسلامي بالطريقة ذاتها التي قرأها بها منظرو داعش ورجالاته.
وكيف سيغفر المستقبل لتلك الطوائف صمتها على ظهور داعش، وعدم مساهمتها في التغيير الفكري والمواجهة الاخلاقية والروحية لظاهرة داعش، والاكتفاء بمعالجتها بفكر الإبادة والقتل وطائرات الدرونز وكأنها خرجت من دين مختلف غير الإسلام؟ أو لعل الطوائف لم تعد تعتبر ذاتها طوائف إسلامية بعد الآن؟
وحده وليد جنبلاط انتبه إلى هذا الجانب الخطر، وأكد على أن مستقبل الدروز مرتبط كلياً بالبحر السني المحيط بهم، وافتتح جامعاً سنياً في المختارة، لكي يرسخ الفكرة القائلة أن المسؤولية جماعية، ما دام المنبع واحد. لكن غيره لم يفعل، حتى لو سرحنا بصرنا شرقاً وغرباً، وهذا ما سوف يتذكره كثيرون في الغد.
وقد قرأت في عدد صحيفة الأنباء الصادر صباح 17 سبتمبر 2016 مقالاً ممتازاً للدكتور ناصر زيدان يتحدث عن جامع المختارة من بعد لم يتعرض له آخرون. يقول زيدان “في العام 1814م أشَادَ الشيخ بشير جنبلاط احد كبار العائلة الجنبلاطية جامعاً في جوار قصرهِ في المختارة، كان يؤمّهُ المؤمنون من المواطنيين وكبارالضيوف المُسلمين، ثُمَ بنى لاحقاً في العام 1820 كنيسة سيدة الدرّ في مكانٍ قريب، كانت مقصداً للزوار من الرعايا الموارنة، وخصوصاً لأصدقاء العائلة؛ آل الخازن مشايخ كسروان. في العام 1823م هُدم جزء من الجامع على أيدي قوات الامير بشير الشهابي بمساندة ابراهيم علي باشا المصري“.
ويضيف زيدان “دارت الايام ادوارها المختلفة على لبنان، وعلى المختارة بالتحديد، وتبدَّلت الاوضاع بعد فتنة 1860 التي اسَّس لها التدخُّل الاجنبي، وقضى نظام المتصرفية الذي اقامه قناصل الدول الخمس الكبرى بالتعاون مع العثمانيين في ذلك العام؛ على نظام القائمقاميتين التابعتين بشكل غيرمباشر للولات العثمانيين، وتراجع لبنان الى اقضية الجبل، وكانت المختارة جزءً اساسياً من المعادلة الجديدة التي أضعفت الجميع لصالح الوصاية الاجنبية. وادارَ المتصرفية حاكم عثماني (مسيحي) من غير اللبنانيين.
استمرَّت المختارة في لعب دورٍ متقدِّم في الجبل ولكن من خلال المعادلة التقليدية التي رعتها الدولة العثمانية ومن ثُّمَ الاستعمار الفرنسي. وعادت المختارة في حقبة ما بعد الاستقلال في العام 1943 لتلعب دوراً يسارياً مُؤثراً بقيادة كمال جنبلاط في غالبية النصف الثاني من القرن الماضي، وما لبثت ان تحوَّلت الى مكانٍ جامع للمصالحات التارخية بين ابناء الجبل بعد الويلات التي مرَّت عليه، وكان ابرزها مصالحة 4 اغسطس 2001 التي رعاها البطريرك نصرالله صفير والزعيم وليد جنبلاط.
في 6 اغسطس 2016 دشَّن البطريرك بشارة الراعي كنيسة سيدة الدرّ التي اعاد ترميمها وليد جنبلاط بحضور حشد سياسي وديني، ضمَّ مختلف الاطياف والقوى اللبنانية.
في 18 سبتمبر 2016 افتتاح مسجد المختارة الذي اعاد بناءه جنبلاط ايضاً بحلَّةٍ جديدة“.
هذا الدور الذي يتحدث عنه زيدان، ليس دوراً مناكفاً قائماً على إدراك مشوه من قبل الطائفة الموحدة الدرزية، بأنها مجرد “أقلية“. ولكنه حس تاريخي كبير بالمسؤولية تجاه الجميع، ودافع هائل للقيام بدور حاسم في المنعطفات، حين تعجز الأكثريات والأقليات، إن صح التعبير، عن إنقاذ ذاتها.
أطلق جنبلاط اسم شكيب أرسلان على جامع المختارة، وأمير البيان غني عن التعريف، فهو الأديب والمفكر الجريء، الذي انفتح على الفكر كله، ولم يقف عند قميص ضيق لطائفة أو عرق. ومن ذا الذي لا يريد أن يتشرف بأن ينسب أرسلان إلى طائفته ومجتمعه سواء كان الدروز أو السنة أو غيرهم أو حتى المسيحيون العرب.
وسواء حاربتَ الإرهاب، بأشكاله المتعددة، أم نمت عن ذلك. سواء كافحتَ الجهل أم أغمضتَ عينك عنه وتركته يعيش من حولك كشباك العنكبوت. سواء أصلحتَ الدين ولجمت المتاجرين باسمه أم ظننتَ أنه يمكن التعايش مع ذهنيات تريد أن تسوق الناس بالسياط. سواء فعلتَ هذا أم ذاك، فالمستقبل قادمٌ لا مفرّ منه.
ولكن نحن يحار في أمرنا المستقبلُ. فلا يعرف هل نعي أنه على الأبواب أم أننا نغط في سباتنا إلى الأبد؟
ويبدو دور غالبية الطوائف اليوم في التحكيم ما بين المسلمين كدور الضب في العقد الفريد، ويكاد يقول ما قال الأخير في قصة الأرنب والثعلب. إذ جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه أن الأرنب التقطت ثمرة، فسرقها منها الثعلب فأكلها، “فانطلقا يتخاصمان إلى الضب، وهو في جحره. فقالت الأرنب: يا أبا حسل. فقال الضب: سميعاً دعوتِ. قالت: أتيناكَ نختصمُ. قال: عادلاً حكّمتُما. قالت: فاخرجْ إلينا. قال: في بيته يُؤتى الحَكَم. قالت: إني وجدت ثمرة. قال: حلوة فكُليها. قالت: اختلسها مني الثعلب. قال: لِنفسه بغى الخير. قالت: فلطمتُه. قال: بحقكِ أخذتِ. قالت: فلطمَنِي. قال: حُرٌ انتصرَ. قالت: فاقضِ بيننا. قال: لقد قضيتُ“.
فلا الطوائف قضت وأشارت ولا هي وقفت في وجه الإبادة التي مورست على السنة، سواء من داعش أو ممن حاربوا داعش. ولم تحكم إلا بما حكم الضب. ولكن ماذا كان غرضها من ذلك كله؟ أليست العظة الكبرى تكمن في أن الأقليات والطوائف لا قيمة لها، دون أن تكون كذلك فعلاً، فمن أين يأتي امتيازها ورسالة وجودها الأصلية إن تخلصت من البحر الأكثروي حولها وتركته يفنى ويتفتت أكثر وأكثر؟
حقبة مابعد داعش ستكون مرحلة صعبة، فحينها سيكون قد زال الكابوس، والتقط البحر السني أنفاسه، وغسل نفسه إلى الأبد من تهمة الداعشية، فكل سني حي بعد داعش هو سني آخر. وكل ابن طائفة بعد داعش سيكون ابن طائفة آخر.
Tags: سلايد