on
التسوّل في مدينة حلب بين الاضطرار والمزاولة
زياد عدوان: كلنا شركاء
لا يكاد يخلو شارعٌ من شوارع مدينة حلب من طفلٍ أو فتى أو امرأةٍ يقومون بالتسول لجمع المال من المارة الذين يعانون من وضع معيشي سيء للغاية بسبب ارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل.
وبعض هؤلاء الأطفال الذين يقومون بالتسول يفترشون الطرقات والأرصفة لينامو بالعراء، وذلك لسببين: إما عدم توفر منزل يؤويهم، أو بسبب حاجتهم الماسة للمال، فالغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال يجمعون الأموال لشراء دواء لمريض في المنزل أو لشخص بحاجة لعلاج مستمر بسبب مرض مزمن، كما أن بعض الأطفال يجمعون تلك الأموال والتي لا تكفي لشراء نصف وجبة طعام بسبب عدم وجود معيل يؤمن لهم قوتهم اليومي.
وينتشر الأطفال المتسولون في الأحياء الراقية والتي تقطنها العائلات الغنية، وخاصة في الأحياء الغربية لمدينة حلب، ويتسولون خصوصاً بالقرب من المطاعم والمولات والمحلات التجارية، للحصول على مبالغ مالية صغيرة تمكنهم من شراء الدواء لمريض في المنزل، أو من أجل شراء طعام لعائلة فقدت معيلها جراء القصف الذي تعرضت له الأحياء الشرقية لمدينة حلب، فمعظم الأطفال المتسولين إما نازحون يقطنون الأبنية السكنية الغير مكسوة في الأحياء الغربية، أو يأتون من الأحياء الشرقية إلى المناطق التي يقطنها غالبية من العائلات الغنية مثل أحياء الموكامبو، السبيل، حلب الجديدة، والحمدانية، وغيرها من الأحياء الغربية التي لم تتعرض للقصف من قبل كتائب الثوار طيلة فترة سيطرة الأخيرة على القسم الشرقي وأجزاء واسعة من القسم الجنوبي من مدينة حلب.
وبالرغم من انتشار العشرات من الأطفال الذين يتسولون في شوارع الأحياء الغربية، إلا أن وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة النظام لم تقم بواجبها تجاه مكافحة هذه الظاهرة التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم في مدينة حلب، فبعض الأطفال المتسولين يبيع العلكة أو المحارم من أجل أن يكسبوا المزيد من المال إلى جانب تسولهم.
أحد الأطفال الذين التقتهم (كلنا شركاء) على قارعة الطريق وسط حي السبيل، تحدث عن سبب سلوكه هذا الطريق، مؤكداً أنه اضطر لذلك وسط غياب المعيل وأمه المريضة التي تحتاج لدواء بشكل دائم، وقال: “عمو أنا عم اشحد كرمال جيب حق دوا لأمي لأنها مريضة ومعها سكري وضغط، وهي لازمها دوا باستمرار، ونحنا ما في عنا مين يعطينا مصاري لانو بابا مات لما كانت الطيارة عم تقصف جنب بيتنا بالشعار، وأنا وأخوي نطلع كل يوم نشحد مشان نجيب مصاري نشتري دوا لأمي، وإذا ضل معنا شيء نشتري فيه أكل”. تركنا ذاك الطفل الذي لم يتجاوز الثانية عشر من عمره محاولاً أن يجمع ما يستطيع جمعه من المال لكي يساعد أمه المريضة.
ومع غياب الدور الأكبر للمنظمات الدولية الإنسانية منها والمعنية بحقوق الأطفال خصوصاً في مدينة حلب، تتجاهل وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة للنظام مسؤولياتها تجاه مكافحة هذه الظاهرة، ومحاولة الحد من انتشارها ولو بشكل بسيط، وذلك لما فيه من عوامل سلبية ستتكون لدى الأطفال، فالعديد من هؤلاء الأطفال نتيجة ظروفهم المادية لجأوا للتسول من أجل تأمين قوتهم اليومي، وبسبب ما سلف فإنهم محرومون من الدارسة، فمعظمهم تأخروا عن الالتحاق بالمدارس منذ أكثر من أربعة أعوام، الأمر الذي سيؤدي إلى حرمانهم من التعليم وانخراطهم في ورش العمل.
وألقى “عبد الله الإبراهيم”، أحد أبناء حلب، اللوم والمسؤولية على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة النظام التي لم تقم بواجبها، وقال في حديث لـ (كلنا شركاء): “الوزارة تعلم بانتشار ظاهرة التسول وخصوصاً الأطفال الذين يقومون بالتسول والذين أصبح التسول بالنسبة لهم دواماً منذ الصباح وحتى ساعات المساء”.
وأضاف “الوزارة تعرف بأن أعداد الأطفال المتسولين بازدياد مستمر، وذلك بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار، وخاصة أن هؤلاء الأطفال لا يوجد عندهم معيل فيقومون بالتسول، وإذا ما بقي الوضع هكذا فإن وزارة الشؤون الاجتماعية عاجزة عن إيجاد الحلول لمعالجة هذه الظاهرة، وهو ما يبرهن مدى استهتار المسؤولين في الوزارة وتطنيشهم”.
ولقي الطفل “أحمد جاويش” (13 عاما)، حتفه في حي الموكامبو في 21 حزيران/يونيو الماضي، لدى طلبه من الشبيحة إعطاءه نقوداً ليشتري بها إفطاراً لعائلته في رمضان.
وأكد العديد من المدنيين في مدينة حلب، والذين التقتهم (كلنا شركاء)، أن ظاهرة التسول أصبحت مصدر رزق للكثير من العائلات التي تعاني من أوضاع معيشية صعبة نتيجة الغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار المستمر، فهناك أطفال يتم إرسالهم من قبل ذويهم للتسول ليأتوا نهاية اليوم بدخل يتجاوز الثلاثة آلاف ليرة سورية.