شاهر جوهر: هذه ليست حربي

شاهر جوهر: كلنا شركاء

كانوا تسعة عشر شبحاً ، يأكلون الخبز اليابس العفن ، وقد خرّشت وجوههم الشمس وأدمت أيديهم البنادق ، حيث نمى الشعر على وجوههم وخيّم فوق رؤوسهم ملبّد مغبّر ، وقد تركوا زوجاتهم وأطفالهم واتخذوا من حفر صغيرة أسفل الوادي في الهضبة من الجولان مسكناً لهم هرباً من أذرع النظام الأمنية حتى توحّشت حياتهم . جميعهم مزارعين ، أعرفهم جيداً ، فقد حولتهم الحرب الى قتلة ومحاربين . مات الكثير منهم قبل أن يسقط النظام ويعودوا ليزرعوا أرضهم مع زوجاتهم وأبنائهم وهم يكبرون أمامهم . وقتها أدركت شرعية هذه الحرب ، فكل فرد هنا يصلح لأن يكون بطلاً لفيلم أكشن طويل . لكني كنت أضعف وأكثر لؤماً من أن أقول الحقيقة ، لم أقل لهم حين لجأتُ اليهم أكثر من عبارة “هذه ليست حربي”.

لم أعرف وقتها أني أهنتهم بذلك ، رغم قناعتي المطلقة أنها لم تكن حربهم أيضاً . و آخرون مثلي سيأتون وفي داخلهم نفس القناعة ، لكن لن يتجرأ أحد على قول الحقيقة .لكنني قلتها لهم أكثر من مرة وبفتور ، فاستحوذتني لذلك نظرات الضعف ، الجبن والكره التي أحاطت بي من قبلهم. ما أردته هو ترك هذه البلاد ، لا أعلم إن كان ذلك خيانة ، وأنه ينطبق أن أكون من الثلث الفار من الجنة ، لكنه وطن للجحيم . أريد أن أهرب من كل هذا الجحيم فقط .

فقد كان “عمر” – أو “أبو الطيب” الاسم الحركي له – الوحيد من بين مجموعة “أبو علي” المعروفة في الهضبة ، ممن يشبهني الى حد ما ، جندي منشق عن الجيش الحكومي ، هادئ ، بشعر مجعد ، وفي عينيه اشتياق دائم لأرضه ولزوجته أكثر من غيره ، كره بندقيته حد الوجع ، وفي عينيه دائماً دمعة لا تجف أبداً ، ولم تكن يوماً هذه الحرب حربه . فعلى الدوام لم تكن أفكاره لتهم أحد ، ولا ابتساماته الصفراء بشيء من البله تغري أحد ليحترم ما يقوله :

– “أنا كنت معه ، شاركته في جريمته ، كنت بالقرب منه أراقب كيف كان يصوّب سلاحه على رأس “عبدالله” ، فقد كان يمسك جيداً ببندقيته ، و حين سقط ، تهاوت لسقوطه عزيمتي . ما أصعب ذاك النهار ، فقد صرخ بإسمي يتوسل إلينا أنه بريء ، قال لي ” يا عمر .. قل كلمة يا عمر ، أنت تعرفني فأنا لم أتدخل يوماً بالسياسة” ، وعندما وجدني ضعيفاً ونذلاً ، راح يستجدي أبوة وعطف ضابط قطعتنا ، قال له ” سيدي جئت أزور عمتي ولا دخل لي بهم ، إن قتلتني فليس لأبنائي معيل سواي” ، رد عليه الضابط بحقارة “لهم الله” ثم قتله بدم بارد ، فتدحرجت جثته أسفل الوادي ، إعتقدت أنه يريد أن يخيفه فقط ليعترف أنه من مجموعة “أبو علي” المتمردة ،لكنه قتله أمامنا ونحن على علم أنّ “عمر” لم ينخرط يوماً بفصيل مسلح أو عارض السلطة سياسياً . لهذا السبب جئت إلى هنا احتميت بالثوار ، هربت وحملت بندقية . لا أريد أن أقتل أحد ، أريد أن أدافع عن نفسي فقط .”

كانت جميع جناياتهم في تلك المجموعة على ذاك المنوال ، أي أن جريمتهم كما يقول نجيب محفوظ “أنهم رأوا جرائم الآخرين” ، أما أنا فجريمتي مختلفة ، مهذّبة وغير مفهومة ، فقد بدأت حين تحدثتُ في مقال قصير وببدائة – لإحدى المجلّات الالكترونية المغمورة – عن “الطريق الثالث” طريق الحوار بين الخصمين (المعارضة والحكومة) كحل للمشكلة ، وسرعان ما شارك المقال الموقع الالكتروني لـ “الهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون” السورية التابعة للنظام ،وقد تم تذييل المقال بتعليق فيه شيء من الإطراء ، وبعد أسبوع اتصل بي من العاصمة صديق في الأمن السياسي يقول لي برمزية أمنية “سيارتك تعطلت في دمشق ، إياك أن تفكر في إصلاحها ” عرفت وقتها أن إكمال دراستي بدمشق قد انتهت ، و أن عملي كمدرس مهدد بالفصل ، كما أن أفكاري هنا غير مرغوب بها ، وستؤدي بي جثة مطمّشة العينين في قعر الوادي كما حدث مع “عبدالله” ورفاقه الخمسين ، لهذا السبب احتميت أيضاً بهذه المجموعة ، والجميع هنا مثلي.

– “أنت تحتمي بنا كغيرك .. إن أردت البقاء فهذه الصخور هي سرير نومك ، والبندقية هي زوجتك ، عليك أن تكون رجلاً ..”

أعترف أني كنت أضعف من أن أُجيب “عمر” ، كما كنت على الدوام الأكثر جبناً بينهم . فجميعنا هنا يجاهد لأن يكون قوياً ، لهذا ترى البعض منا يحمل بندقية وآخرون كثر أرخوا لحاهم ولم يتركوا المنابر ، لكن لا أحد من الطرفين وقف وقال “كفى ، هذه ليست حربنا” وآلمه هذا الدم ، إذ كان من الواجب أمام حضرتهم أن أقول “أنا أحتمي بكم لأني خائف” ، أن أعترف. وفي المقابل على جميعنا أن يعترف أن جميع الدماء التي تسيل هي محرّمة ، وجميعنا يرغب بأن يعيش.

فحين احتميت بهم ، وقلت بغصّة تسد حلقي أمام وجوههم المتعبة “أريد أن أهاجر” ، سكتوا جميعاً ، وكأن لسان حالهم يقول لي ” إن لم تكن قوياً هنا سيتم فرمك ، فمن هاجر ترك كرامته هنا وهرب ، ومن بقي عليه أن يقاتل ليعيش وليدافع عن كرامة الآخرين”.

كلانا تم تدميره إذاً ، وعلى كلانا واجب أدبي وديني لتقرير مصير هذا الخراب ، أنا سأترك بيتي وأرضي و كرامتي وأهاجر كما فعل الملايين ، وجميع من حملوا بندقية باعوا إنسانيتهم ليعيشوا ، أنا أيضاً أريد أن أعيش ، جميع من بقي هنا ومن هاجر يريد أن يعيش ، فكل من عاد من خطوط القتال بوجوه مشوهة وأشلاء معطوبة ، جميعهم من كلا الطرفين يدرك أن الحرب ليست حلاً ، لنتفق أنها ليست كذلك ، فكلانا يصرخ “الله أكبر” وكلانا يقول أنه يخاطر بشبابه لأجل بلادنا وأن الله يباركنا ويبارك حربنا ، الله لا يبارك بالدم وبالحرب إن بقينا نلهث ونهرول وراء قلة تنمو وتسمن من دمنا .

يرددون في التلفاز وعلى الراديو اغانيهم حول بلادنا ، وأنهم يحاربون لأجل بلادنا ، فكثير من السوريين ممن انخرطو في القتال مع الحكومة ومع المعارضة قتلوا ولم يفكروا يوماً بالأرض وببلادنا . لن نكذب أكثر من ذلك . لأننا بعد كوابيس وصراخ لست سنوات ويزيد بتنا نعي أنها “ليست حربنا”.





Tags: محرر