on
د. محمد حبش: العرب والكرد شركاء .. لا أجراء
د. محمد حبش: كلنا شركاء
لا تخطئ العين مشهد تبادل الريب الذي صار طابع الخطاب الانفعالي كرديا وعربيا خلال الأشهر الأخيرة، والمساجلات الغاضبة التي تملأ صخب وسائل التواصل الاجتماعي، إن لم نقل الرصاص الذي يلعلع في سماء المنطقة منذراً بمزيد من الشقاق والخراب.
ومع ان الطبقة السياسية يفترض أن لا تجهل معنى المواقف الشوفينية التي تزدري شعباً كاملاً وتلقي عليه تهم الجهل والضياع، ولكن الأمر بات صورة السجال المتبادل سياسياً واجتماعيا بين فرسان الفضائيات العربية من السوريين الهائمين في الأرض، وصار ازدراء الكرد ضرورة انفعالية مبررة لوقف قيام كردستان ومنع قيام كيان كردي يعيد الاعتبار لهذا الشعب التاريخ ولغته وحضارته وتراثه.
ومع أن الازدراء متبادل، ونصيب العرب منه كنصيب الكرد، ولكنني سأذهب إلى مناقشة الجانب الكردي مكتفياً بالإشارة إلى اللغة العربية لغة القرآن والعلم والحضارة، وأنها حققت حلم الحكماء حيث تربعت لغة للعالم على عرش الحضارة العالمية لمدة سبعة قرون وهي حقيقة لا ينازع فيها العرب ولا خصومهم على السواء.
خلال قيام المشروع القومي العربي وفي غمار الغرور القومي تم تسطيح الثقافة الكردية والفهم الكردي والعقل الكردي وتم تقديم الكرد على انهم نواطير ومزارعون وكراسين مطاعم، أو هكذا أراد بعثيون شوفينيون أن يقدموا الأمة الكردية، وقد تلقت البورجوازية الشامية والحلبية هذه الدعاوى وحولتها مباشرة إلى يد عاملة رخيصة، في ركام من المظالم، وبشكل خاص أولئك الذين لم يجد البعث القومي العربي سبباً لمنحهم الجنسية السورية بحجة انهم وافدون ترك تبددوا في رسم الحدود.
وصار كل كردي تمسك بأرضه ولغته وتراثه متهماً في ولائه الوطني، يعاقب بالتجهيل والتجاهل والمتاركة فيما منحت بعض المناصب السياسية والحكومية لأولئك الذين وافقوا على التخلي عن الثقافة الكردية واللغة الكردية والهم القومي الكردي، ووافقوا على المصطلح البعثي بأن من تكلم العربية صار عربياً، وهو تعريف محير لا وجود له في الأبستمولوجيا الديموغرافية، يرفضه الواقع والنسب والدم والثقافة، وظل الكردي مسكوناً بثقافته وكرديته على الرغم من قفص الوهم الذي زخرفه له أصحاب المشروع القومي العربي.
ولم يشأ قانون الحكومات السورية المتعاقبة أن يعترف للكرد بالحقوق الثقافية المشروعة ولم يأذن حكم البعث منذ خمسين سنة بافتتاح مدرسة كردية واحدة رغم أن البلد فيها مدارس روسية وايرانية وفرنسية وصينية، وحتى عيد النيروز الذي يفرح به نصف الشعب السوري على أقل تقدير لأسباب اجتماعية وتاريخية متعددة لم يشأ البعث أن يعترف به عيداً لجزء من السوريين، وحين اشتد الغضب الكردي من هذا النكران تم ابتكار فكرة احتيالية وتم الإعلان عن عطلة في عيد الأم وهو ما يصادف عيد النيروز في إرادة واضحة لعدم الاعتراف بالفرح الكردي والعيد الكردي، وهي ممارسة كيدية غبية يعبر عنها بالعامية: المهم … ما أفرحك!!!
وأمام هذا التحريض المستمر على وجوب التخلي عن كل ثقافة أو تراث غير عربي وجد الكردي نفسه في اللامكان، حيث لا يمكنه أن يتوازن في محيط دولة تدعوه بكل الوسائل إلى الانسلاخ من مشروعه القومي، وتراثه التاريخي وثقافته ولغته، ولكن ليس في اطار دولة عدالة وقانون تقوم على القيم الديمقراطية، وتحقق المساواة بين الناس بغض النظر عن قومياتهم وانما في اطار شوفيني اخر لا يمكنه حتى من الحقوق الثقافية المشروعة لأي شعب يعتقد انه غنى للتاريخ وأغناه ومنح العالم نشيده وفرحه.
وقد يكون هذا الظلم بالفعل ليس مشروع الحكومات السورية المتعاقبة، وأنا لا أريد أن أرمي الزعماء السوريين بالتواطؤ المقصود في الظلم، ولكن على اقل تقدير فهذا ما حصل للشعب الكردي في الجزيرة، فقد كتب على الكرد الذين تمسكوا بارضهم ومزارعهم أن يكونوا خارج قطار التنمية تماما، وبات النظام نفسه يقدم هذه المحافظات بالمحافظات النامية تعليميا، وهو تعبير ملطف لكملة المحافظات المتخلفة، مع أنها أرض القطن والقمح والنفط والغاز السوري.
وربما كان وصف الكرد الذي أطلقه أسعد الزعبي رئيس الوفد السوري المفاوض هو التداعي الحر الذي قصده فرويد عندما قال إنه أفضل طريقة لفهم الحقائق المغمورة في جبل الجليد الذي لا نرى منه الا شكله الخارجي.
وبأمانة فان تصريحات السيد الزعبي لم تتلقها المعارضة بارتياح، وتم استبدال الرجل رغم كفاءته المشهودة في الحوار.
فهل الكرد حقيقة هم أولئك الأميون والفلاحون البسطاء والنواطير الأمناء على مزارع البورجوازية السورية، وهل هذا هو مكانهم التاريخي؟
لم يكن ذلك ليخطر ببال الرواد من الكرد أعلام الدولة السورية الحديثة الذين قاموا ببنائها بدءاً من يوسف العظمة وإبراهيم هنانو والذين كانوا مسكونين حتى الثمالة بالنشيد الوطني والآمال الوطنية وكان يعملون للدولة السورية بإخلاص قبل أن يكرسها المشروع القومي الشوفيني وطناً يخص بني عدنان وقحطان، وأن أي نسل آخر فهو غريب مريب لا يستحق نعمة الوطن إلا إذا أعلن صراحة تخليه عن الثقافة الكردية والاغنية الكردية والموسيقا الكردية وانخراطه في مشروع التعريب الذي بسطه البعث العربي بالقوة حزاما عربياً يفصل بين الكرد والترك على الحدود وزج فيه عشرات الآلاف من المنكوبين بالغمر من القبائل العربية.
بالطبع حملت هذه السلوكيات المنحازة الى نكران من نوع آخر فهناك كتلة كبيرة من مثقفي الكرد باتوا يمارسون الريبة نفسها في كل شأن عربي ويعتبرون العرب حالة احتلال لأرضهم التاريخية وثقافتهم ولغتهم وبدأ تيار واثب يهاجم كل ما هو عربي واسلامي بوصفه سوط قهر مبسوط فوق جبين الكرد وأنهم لن يجدوا آفاق المستقبل إلا حين يصرخون في وجه العرب والإسلام نحن مختلفون ولم نكن يوما من الأيام جزءا من حضارتكم ولا نريد أن نكون كذلك.
ولا يخطئ المراقب اليوم رؤية تيار عريض من الكرد يتأسس على مناهضة الحضارة العربية والإسلامية، ويبحث هؤلاء عن جذور عتيقة للكرد لا صلة لها بالإسلام ويلتمسونها في الزرداشنتية والإزيدية والكاكائية وغيرها من التصورات الدينية، مع أن صلة الكرد بهذه الثقافات الروحانية لا تعدل في شيء ارتباطهم وارتباط آبائهم وأجددهم بقيم الإسلام العليا ودورهم التاريخي في بناء الحضارة الإسلامية.
وفي الحقيقة فإن الفقه الإسلامي التاريخي قدم عدداً من رموز الحضارة الإسلامية الذين جاؤوا من الأرض الكردية، وعرف الفقهاء تاريخيا أسماء في غاية الأهمية من علماء الكرد.
ابن الصلاح الشهرزوري ربما كان أول اسم من علماء الكرد المشهورين في الثقافة الإسلامية، ويمكن القول إن ابن الصلاح هو أبرز علماء مصطلح الحديث، وقد اعتبرت خياراته في علم الحديث صيغ الإجماع التي يتلقاها عنه العلماء في كل مراحل التاريخ.
الاخوة الأئمة الثلاثة الامام مجد الدين والامام ضياء الدين والامام أبو الحسن بن الأثير الجزري، قدموا للحضارة الإسلامية مكتبة هائلة من إبداعهم تنتصب اليوم في كل مكتبة ومدرسة وبيت علم، ولا يمكن لبحث علمي في الثقافة الإسلامية أن يتجاوز جامع الأصول والنهاية في غريب الحديث والأثر وأسد الغابة والكامل في التاريخ التي قدمها هؤلاء الأعلام الكرد الثلاثة، وقد قدمتهم الحضارة الإسلامية وزراء محترمين في الدولة الأيوبية تركوا بصماتهم حاضرة في التاريخ الإسلامي.
وفي القرن الماضي ظهر عدد من وجوه الشعب الكردي رواداً للثقافة والمعرفة، محمد كرد علي الذي صار أمينا لمجمع اللغة العربية ومرجعاً لعلمائها وفقهائها، ثم أحمد شوقي الذي صار أمير الشعراء وأوضح صوت دافئ نقل الحكمة والمعرفة إلى موسيقا الشعر الأصيل.
كما فعل سبيويه الفارسي وابن سينا الأوزبكي والفارابي الكازاخي والفيروزابادي الفارسي وجمال الدين الأفغاني، فإن الأعلام الكرد قدموا تراثهم بالعربية وخلدوه حباً بالإسلام والرسول والرسالة ولكنهم كانوا يعودون في العشي إلى بيوتهم وجيرانهم فيغنون بالكردية ويرقصون في النيروز دون أن يروا في العروبة أو الإسلام عدواً لآمالهم القومية والعائلية.
لقد أسهموا في دول إسلامية كثيرة ، ولو رحت تبحث في طبائع هذه الدول التي ساهم فيها الكرد لرأيت أنها الدول التي احترمت تاريخهم وحضارتهم وكرامتهم، ومن الواقعي تماماً أن نشير إلى الدولة الأيوبية التي كانت أوضح صورة لدور الكرد في العالم الإسلامي، فقد:
قامت هذه الدولة بدور تاريخي جبار في مواجهة أطماع أوربا الصليبية واستطاعت دحرهم في بيت المقدس بقيادة الزعيم الكردي الهائل صلاح الدين يوسف بن أيوب.
لم يطرح صلاح الدين ولا أي من أولاده أن تكون الدولة الأيوبية دولة كردية، ولكنهم في الوقت نفسه لم ينسبوها لشعب آخر لقد كانت يقظة في هذا الشرق الإسلامي وكانت وطناً عابراً للحزبية القومية، إنهم لم يطالبوا بأن تكون الكردية لغة الدولة، ولكنهم في الوقت عينه لم يقبلوا أن يرغم الكرد على ترك تاريخهم ولغتهم وثقافتهم، وكانت روح العدالة والانتصار كافية لري كل النوازع الوطنية المشروعة.
وفي مثل المشهد الأيوبي كانت مشاركة الكرد في الدول المتعاقبة التي قامت تاريخياً في مناطق الكرد ومنها الدولة الحسنية البرزيكانية والدولة الشدادية والدولة الدوستكية المروانية والدولة العنازية والدولة الأردولانية والسورانية والبهدينانية والباباوية، وهي فيدراليات كانت تقوم في كنف الخلافة، في أراضي كردستان التاريخية، تمشي على حبال تقاطع المصالح بين البويهيين والسلاجقة والخوارزميين والعثمانيين، وتكرر المشهد ذاته اليوم، تزداد المظالم فيطالب الكرد بالاستقلال، ثم تتحسن المواقف فيرضون بالفيدرالية، وهو مشهد طبع التاريخ الكردي كله بطابع المشاركة العملية في كل نشاط سياسي تاريخي في أرض كردستان.
بالتأكيد لن نحصي أعلام الكرد في هذه المقالة، وغاية قصدي أن أوجه رسالة مزدوجة:
الأولى: أن يدرك العرب أن إخوانهم الكرد يمتلكون من الغنى الراثي والحضاري مثل ما يمتلكون وأنهم شركاء في بناء هذه الحضارة العربية الإسلامية.
الثانية: أن يدرك الكرد أن أي مجد يلتمسونه خارج الإسلام يعني تخليهم عن أبرز دولهم التاريخية وعلمائهم ورجالهم التاريخيين الذين تفخر بهم الأمم، وسيعيدهم إلى الأبطال الوهميين والأشباحيين الذين لا تقوم بهم في حقائق التاريخ قائمة.