on
رجال ونساء رتلوا القرآن
كلنا شركاء: سلمى هشام فتحي – التقرير
(كل شيخ وله طريقة).. تبدو هذه الجملة منطقية وتنطبق على الشيوخ مثلما تنطبق على غيرهم أيضًا؛ فقد تختلف طريقة شخص عن الآخر حتى لو وصل كلاهما إلى نفس النتيجة. هذا بالضبط ما أحسسته حين قرأت كتاب الأستاذ الكبير محمود السعدني -رحمه الله- (ألحان السماء)، والذي يتحدث فيه عن سيرة قارئين وقارئات مصريين جمعتهم المهنة واختلف أسلوب كل منهم وشخصيته وتلاوته.
الأستاذ الكبير محمود السعدني
ولأن السعدني سمّيع قديم فقد استطاع وصف أصوات الشيوخ والحديث عن حياتهم؛ نظرًا لاقترابه منهم ومعاصرته للبعض، وهو وإن عاب على الأزهر منعه الشيخ مسلم عنتر من التلاوة دون توجيهه لأنه كان يجهل علم القراءات وأصوله رغم جمال صوته؛ فأنا -بدوري- أراه قد بالغ في وصف تلاوات بعض من لم يستسغ أصواتهم حين شبهها بصوت المنشار أو احتكاك عجلات القطار بقضبان السكة الحديدية فليس هكذا يكون النقد، لكن يبدو أن الكاتب الساخر بشكل عام يمنح نفسه حق الانتقاد اللاذع دون غيره.
صدور كتاب السعدني عام 1959 في العصر الذهبي للمقرئين المصريين قد يعطي الكاتب العذر، مع صعوبة الحصول على بعض المعلومات في ذلك الوقت، في عدم ذكر من يتلون القرآن في سائر الأقطار العربية؛ إلا أن الطبعة الثانية في 1995 سلبت منه هذا العذر، فلم يزد في حديثه عن الشيوخ الأجلاء أي شيخ آخر من الأقطار الشقيقة، ولم تظهر رائحة التسعينيات في الكتاب إلا من خلال مقدمة للشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي وانتقاد لغناء أنوشكا والمطربة سيمون والمزيد من الهجوم على مشايخ الزمن “الأغبر”.
وقديما قالوا (القرآن نزل في مكة وكتب في إسطنبول وقرئ في مصر)، وزمان أيضًا سمعنا قولًا آخر (مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق تقرأ)، وفي رواية أخرى (والسودان يقرأ)؛ إلا أن ذلك -مع عدم إغفالنا للتنميط الذي ينطوي عليه- كان قديمًا أو “زمان”، والأمور تتغير والدنيا تختلف؛ فلبنان يكتب الآن وكذا ظهر كتاب جدد من الخليج والمغرب، أما مصر فبدأ شبابها يقرأ وإن كان يتلمس خطواته الأولى وهكذا؛ لذا ليس اللائق أن نتعصب لمقرئين من دولة دون أخرى؛ لأن (كل شيخ وله طريقة) وكل إنسان له الحق في الاجتهاد والاحترام.
التلاوة من المحيط إلى الخليج
أسعد كثيرًا حين أستمع لابتهال “قصدت باب الرجا” للشيخ حسن مرعب، المفتش العام المساعد للأوقاف الإسلامية في لبنان، وهو من مواليد عام 1980، كما أبتهج حين أرى عمامته وملابسه الدينية المميزة والتي تختلف عن جبة وقفطان الأزهريين، وقد قرأ مرعب تحت إشراف شيخ المقارئ المصرية د.أحمد المعصراوي.
الشيخ حسن مرعب
هناك أيضًا عالم جليل من علماء الشام هو فضيلة الشيخ محمد طه سكر، من مواليد الصالحية بدمشق عام 1922، وهو محرّر مدقّق لا يرضى من القراءة إلا ما يَصحّ ويُقبل؛ لذا كان يتشدّد في ضبط القراءة لتلامذته، فمنهم من يبقى ويعبر حتى يختم، ومنهم من تقصر همته عن ذلك، وقد قرأ الشيخ ورتل في مسجد الشيخ محي الدين بن عربي بدمشق، ومسجد الخياطين، وأيضًا مسجد نور الدين الشهيد، وجامع التوبة، وتوفي عام 2008.
ومع التسعينيات وبداية انتشار الفضائيات التي تبث مباشرة من الحرم المكي والنبوي بدأت تزداد شعبية المقرئين السعوديين في العالم العربي، ويقبل الناس على شراء شرائطهم المسجل عليها تلاوات القرآن، وكان أشهرهم الشيخ عبد الرحمن السديس والشيخ سعود الشريم، حيث شغل الأول عدة مناصب منها إمام وخطيب بالمسجد الحرام عام 1984 م/ 1404 هـ، حتى أصبح اليوم الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإمام الحرم المكي الشريف. أما الثاني فهو عميد كلية بجامعة أم القرى وإمام وخطيب بالمسجد الحرام يتميز بالصوت المؤثر والتلاوة الحزينة.
الشيخ السديس
ومع بداية الألفية الجديدة، بزغ نجم إمام المسجد الكبير بالكويت مشاري العفاسي، المولود عام 1976. أجاد الرجل القراءات العشر وسعى لنشرها بين الناس عن طريق خدمة وقناة العفاسي والإصدارات القرآنية المتنوعة كالألبومات الإنشادية.
أما شيخ القراء العراقيين الحافظ خليل إسماعيل، فقد عاصر الحنجرة الذهبية المصرية الشيخ عبد الباسط عبد الصمد؛ فالأول من مواليد 1920 أما الثاني فولد عام 1927. كان الشيخ خليل أول مقرئ بالإذاعة العراقية عام 1941، يقول:
“إنني عندما أقرأ القرآن الكريم أجعل أمامي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا)”.
الحافظ خليل اسماعيل
والحافظ لقب يطلق على العارف بعلوم القرآن الكريم، وكان الحافظ خليل يتلو بنغم ومقام الزنجران العراقي الذي لم يجرؤ أحد من المقرئين أن يقرأه أبدًا إلى يومنا هذا لصعوبة أدائه وترتيله. عندما زار المقرئ المصري الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي العراق قال: “بحق، إني لم أطرب ولم أكن أسمع مثل الحافظ خليل”.
ونتجه نحو المغرب العربي والمملكة المغربية، حيث يعتبر القارئ عبد الرحمن بنموسي (1908-1997) الأب الروحي للقراءة والتجويد في المغرب، ويليه جيل آخر يضم الشيخ محمد الترابي، وهو يقرأ بالصيغة المغربية والمشرقية، يقول الشيخ:
“أذكر أنني مرة وأنا صغير رفعت صوتي في المنزل أقرأ القرآن مقلدًا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ولما سمع جارنا اليمني صوتي طلب من أمي أن ترفع من صوت المذياع فأخبرته أنني أنا الذي أقرأ فاستغرب، وعندما عاد والدي من العمل قال له: اهتم بهذا الولد فإن له شأنًا في القرآن الكريم”.
الشيخ عبد الباسط عبد الصمد
وفي الدار البيضاء يقابلك الشيخ العيون الكوشي إمام وخطيب مسجد الأندلس، أما من المقرئين الشباب المغاربة -والذين يحافظون على الزي المغربي التقليدي الجميل- فتجد معاذ عسال، مواليد 1988، الفائز بجائزة الكويت للقرآن الكريم.
حين ظننت أن الشيخ عسال قد يكون أصغر من أتناولهم ظهرت مفاجأة جميلة، فللشيخ المغربي زميلات في العمل يصغرنه قليلًا هن هاجبر بوساق (1992)، وحسناء خولالي (1993) وغيرهما.
القارئات الخاشعات
دائمًا ما كان يُنظر لتلاوة المرأة للقرآن الكريم بريبة وشك باعتبار صوتها عورة، لكن هذه القاعدة التي استنها البعض من حديث منسوب للرسول -صلى الله عليه وسلم- ربما تفتقد للدقة؛ فحسب مراجع موقع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات العربية المتحدة فمقولة (صوت المرأة عورة) ليست من الأحاديث النبوية.
كما يقول الشيخ صالح بن عثيمين:
“صوت المرأة ليس بعورة لكن المرأة تنهى أن تخضع بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض، بمعنى ألا تتكلم كلامًا لينًا سواء في كلماته، أو لينًا في أدائه، الكلام العادي فإنه ليس بحرام وليس بعورة”.
ونحن إذا تفكرنا قليلًا نجد السيدة عائشة -رضي الله عنها- قد روت الحديث أي كانت تتكلم وهي زوج الرسول التي حرم الله عليها ما لم يحرمه على غيرها مثل الزواج بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
ونعود إلى كتاب “ألحان السماء”؛ فنجد السعدني يذكر من المقرئات السيدات: نبوية النحاس، وكريمة العدلية، ومنيرة عبده. ورغم أنهن بالأساس كن يرتلن القرآن بالأماكن المخصصة للنساء في المساجد؛ إلا أن أولاهن كريمة العدلية قرأت القرآن بالإذاعات الأهلية حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
أما الشيخة منيرة عبده الكفيفة التي ظهرت عام 1920، فبدأت بالترتيل عند إنشاء الإذاعة المصرية الرسمية وكانت تحصل على مبلغ 5 جنيهات، وهو نصف ما يحصل عليه صوت الشعب الإمام الكبير والصوت الذي ليس له مثيل الشيخ محمد رفعت، لكنها توقفت عن التلاوة بعد فتاوى “صوت المرأة عورة” التي بدأت تظهر آنذاك.
الشيخ محمد رفعت
ويضيف الزميل كرم منصور إلى المقرئات المصريات اثنتين في مقال له بجريدة “البوابة”؛ فأم كلثوم قرأت القرآن في صغرها، كما شاهدنا ترتيلها لجزء من صورة “إبراهيم” في فيلم “سلامة”، وأيضًا المطربة وردة الجزائرية التي قرأت من سورة “آل عمران” في فيلم “ألمظ وعبده الحامولي” مع حفاظ تام على أحكام التلاوة والتجويد.
في الوقت الحاضر، ظهرت بعض المقرئات على استحياء في مصر والمغرب، وبينما تعرضت المصرية سمية الديب للمعاملة السيئة من وزارة الأوقاف والتي تتعامل مع المقرئات باعتبارهن إماء وجواري حسبما تقول، كان الأمر مختلفًا قليلًا بالنسبة لزميلاتها المغربيات حسناء خولالي ومريم الصافي وهاجر بوساق فظهرن على شاشات التلفزة الرسمية بكل ثقة، وهي ثقة تمتلكها الديب أيضًا حين يُحتفى بها، خصوصًا في تركيا.
سمية الديب
ربما يحتاج الأمر إلى الوقت والجهد حتى يستطيع المجتمع العربي استساغة عودة النساء للتلاوة بعد غياب دام طويلًا لم يكنّ المتسببات فيه. تقول القارئة سمية الديب:
“تأثرت كثيرًا بمدرسة الشيخ مصطفى إسماعيل، وبجمال صوت عبد الباسط عبد الصمد، وبصفاء تلاوة الشيخ كامل يوسف البهتيمي، واستفدت كثيرًا من صوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وجميعها أصوات جميلة”.
هذه الأسماء بالإضافة لأساطين الرعيل الأول إنما هي غيض من فيض لا ينضب، لكنّ أولئك المقرئين والمقرئات رغم اختلاف أجناسهم وجنسياتهم يبدون كالزهور المتنوعة في حديقة، تمثل كل زهرة نغمة والنغمة تنفذ إلى شغاف القلب فتضيء روحه.