on
د. يحيى العريضي: محمية (غاتيلوف) الهشّة
د. يحيى العريضي: كلنا شركاء
قارب عُمْرُ مبنى الأمم المتحدة في جنيف المئة عام؛ كان جزءاً مما سُمّي بعيد الحرب العالمية الأولى بـ”عصبة الأمم”. المبنى محمية ضخمة شاسعة المساحة؛ فيه عدد من الطواويس شكلها جميل و صوتها بشع للغاية. يُقال إن المبنى لم يشهد حلاً لنزاع او وقف لحرب او إنهاء لمأساة؛ وكان قد وُجِد من أجل ذلك. فيه أدوية علاجية مخفِّفة لآلام شبه مستعصية تشبه كثيراً “مناطق تخفيف التوتر” التي اخترعتها روسيا في سورية، كي تجهض فكرة “المناطق الآمنة”. ذلك المبنى- وما يدور فيه من “كلام” يُسمى مباحثات جنيف من أجل سورية- ليس موضوع هذا المقال، وإنما المبنى المجاور كمحمية أخرى أيضاً ضخمة وشاسعة مجاورة يحتلها الروس؛ ولكنها قاحلة وغليظة ولونها يشبه لون “غاتيلوف” نائب “لافروف” الذي التقاه وفد من المعارضة السورية.
هناك، سمع الرجل ما اعتبره “اسطوانة مشروخة مكرورة” وسمعنا منه ما اعتبرناه “اسطوانة بغيضة مفضوحة وقحة” لا شبيه لها إلا قنابله العنقودية وبراميل النظام، الذي يحميه في دمشق، على مشافي سورية وأسواقها. فقط اناقته ولغته الروسية تميّزه عن عنصر في سرايا دفاع رفعت الأسد أو شبيح حديث مُغْلَق الدماغ وسردية دبلوماسية أكثر لطافة من معلمه لافروف بصوته الخشن وعجرفته.
تشعر وكأن قنبلة عنقودية تحوم فوق رأسك عندما تسمعه يتحدث عن تقديم موسكو لإغاثة في سورية، وعن إشرافها على بعض المصالحات،وتخفيفها من التوتر، وسحبها للألغام في تدمر، وعن محاربتها الإرهاب، وخاصة داعش. تسمع وتعرف أن الجائع لا يقدم إغاثة؛ وإن أتت الإغاثة من مكان وصادف انها منطقة تحت احتلالها، فهي لا تتمكن من حمايتها إذا ما استهدفها قصف أو قنص حسن نصر الله او الخمينائي أو ما تبقى من آلة قتل الأسد. تسمع حديثه عن المصالحات، وكأن أحد أبواق “قناة الميادين” يتحدث بحماس عن إشراف إيران على مصالحات وعن تبادل مواطنين سوريين سقطت عنهم هوية الإنتماء السوري بحكم “ولي الفقيه” أما حماسه لأستانة و”مناطق التهدئة” فهي نسخة عن حديث “وليد المعلم” في الموضوع؛ وهي الشيء العملي “البديل لجنيف”؛ فجنيف للـ “حكي” كمنصة إعلامية لا قيمة لها؛ وأستانة هي التي تجلب الهدوء. تسمع، وتعرف أنه في لحظة حديثه، هناك قنابل عنقودية وبراميل تنهمر على السوريين- حتى في مناطق التهدئة التي يتحدث عنها. المثير للضحك المأساوي والهستيري حتى حديثه عن “انتزاع الألغام” من تدمر، ولم يبق احد إلا وعرف عملية /الاستلام والتسليم/ لتدمر بين “داعش والنظام” برعاية روسية؛ ولكن استحضار الامم المتحدة وخاصة “اليونسكو”- نظراً للأهمية التاريخية لتدمر- تعطي دلالة كم هو ثقيل الظل والخطوات ذلك الدب الروسي تناسباً طردياً مع “نشاط” الخلايا الدماغية والأخلاقية لديه.
رغم فخار السيد “غاتيلوف” بأستانة إلا انه أتى على ذكر ملفي”الدستور” و “المعتقلين” بشكل موارب. بشيء من الشطارة قارب ملف الدستور عبر استفساره الحاد عن قبول او عدم قبول وفد المعارضة (برأيه “منصة الرياض”) ورقة المبعوث الدولي حول اللجان التقنية التي ستعمل على الدستور. حاول الرجل النأي بنفسه عن المسألة، لكن رائحةً روسيةً فاحت من تلك الورقة لم يكن صعباً كشفها. اما ملف المعتقلين، فتراه يحفظ رواية منظومة الأسد عن ظهر قلب؛ فالمسالة مسألة “تبادل” موقوفين بين الجانبين؛ أي المعارضة تطلق ما لديها من معتقلين، وكذلك النظام. سمع الرجل عندها الفرق بين 2800 شبيح تحتجزهم بعض قوى المعارضة و 280.000 سوري أخذهم النظام رهائن ليذل السوريين ويكسر إرادتهم ويبتزهم؛ وغير معروف كم ألف منهم قضوا تحت التعذيب في “مقابر الأحياء” التي يسميها سجون. الملفت إنه كان عندما يسمع الأرقام الصادمة يتغيّر لونه فيزداد زهرة واحمرارا. يبقى أن السيد غاتيلوف سيستمر بعزف النشاز المرير ذاته حتى تأتي اوامر مختلفة تأتي من مكان ما لا تكترث بالـ “س” 300 او 400.
يتصرف السيد “غاتيلوف” بهذه الطريقة التي تستقي ثقافتها من مكتبة سرايا الدفاع و”مجلة الفرسان” متصوراً أننا نحن “المساكين” تغيب عن اذهاننا حقائق تاريخية تقول إنه في عالم الإمبريالية التي كانت روسيا القيصرية جزءاً منها، انه قبل قرن من الآن، كان “فلاديمير إليتش لينين” قد تنبأ قبيل الثورة “البلشفية” بانفراط عقد الإمبريالية ابتداءً من حلقتها الأضعف “روسيا”. عندها، صحّت نبوءته. وبعد قرن، بالتمام والكمال، قد تصح النبوءة ذاتها أيضاً؛ فالاقتصاد الروسي البليد يقوم فقط على الموارد الطبيعية في النفط والغاز، وهناك الكارثة الديموغرافية الناتجة عن عسوف “السلافيين” الروس عن الانجاب، والمسلمين الروس بكثرته- ما يجعل المسلمين بعد ربع قرن الأكثرية في روسيا- هناك أيضاً تداخل خطوط التماس بين (الأمة الروسية) و (الامبراطورية الروسية)؛ فبدلاً من تعزيز امة بشعب حر قوي يريد “فلاديمير بوتين” امة خاضعة لسلطة الدولة ودكتاتوريته، ليخلق مجتمعاً غير جاهز لقبول امة تتألف من مختلف قومياتها- ليبقى مجملها اقل بكثير من اجزائها؛ ولتكون السلطة للشعب لا للسلطة المركزية ودكتاتوريتها واستبدادها. هكذا يريد السيد بوتين لسورية، تماماً كما يريد لنفسه. وفي الحالتين الفشل مؤكد. الأخطر الآن؛ بوتين يسعى للحفاظ عل سلطة الأسد وهو يعلم بكل الجرائم التي ارتكبت. صَعُبَ الحفاظ على الاستبداد دون ارتكاب جرائم؛ فما بالك عندما يكون هذا الاستبداد قد ارتكب جرائم امبراطوريات بوتين السابقة والحالية كادت تعجز عن مجاراتها باستثناء ما فعل “ستالين” وما فعل هو في “غروزني”. من هنا ياتي تمسك الامبريالية البوتينية بمنظومة الأسد الاستبداية. انهيار الثانية الهشة القريب جداً مقدمة لانهيارالأولى الحامية. وقد تسقط المحميات.
Tags: سلايد