د. وليد البني: حياد سوريا هو ضمان بقائها- كدولة موحدة ومستقلة

د. وليد البني: كلنا شركاء

من ثورة شعب مضطهد ضد أحد أسوء طغاة العصر الحديث، الى حرب أهلية ذات بعد طائفي واضح، ثم الى حرب إقليمية بأدوات محلية، وأخيراً إلى ساحة صراع إقليمي دولي. هذا هو الطريق الذي سلكته سوريا منذ أول صيحة حرية في شوارعها في آذار 2011 وحتى اليوم.

يقاتل في سوريا اليوم أكثر من عشرين ميليشيا طائفية شيعية وسنية لكل واحدة منها ممولها وسيدها خارج سوريا، إضافة الى جيوش أربعة دول، اثنتان منهما قوتان دوليتان هما الأكبر في العالم (أمريكا وروسيا) والاثنتان الأخريان هما الأقوى إقليمياً (تركيا وإيران)، إضافة الى استخبارات واموال أكثر من عشرة دول أخرى تتواجد وتؤثر على الأرض السورية.

رغم أن دول عديدة من دول الربيع العربي عانت او لا زالت تعاني من آثار فراغ السلطة بعد رحيل مستبديها، إلا ان العالم والاقليم ساعد أو سهل أو صمت وترك هذه الشعوب تركلهم خارج السلطة بشكل أو بآخر تاركا بلادهم تتخبط في طريق إيجاد البدائل لسد هذا الفراغ. الاستثناء الوحيد كان سوريا نظرا لموقعها الجيوسياسي المختلف عن بقية دول الربيع العربي الأخرى مما يجعلها مطمعا للكثير من القوى الإقليمية والدولية من جهة ونظرا لدور بديل الطاغية في التأثير على التوازنات في المنطقة من الجهة الاخرى.  

لقد أدركت ايران منذ البداية خطورة سقوط نظام مافيا الأسد المستلب كليا لإرادتها وأحد ادواتها المنخفضة الكلفة لتحقيق أطماع ملاليها في المنطقة, فكانت من اولى القوى الإقليمية التي أعلنت وجودا عسكريا على الأرض السورية لمساعدة طاغية دمشق على قمع السوريين , بدايةً من خلال مرتزقها الطائفي اللبناني ثم شبيهه العراقي ثم التدخل المباشر للحرس الثوري , تلتها تركيا من خلال دعمها للإسلام السياسي السوري الممول قطريا في مواجهة الإسلام السياسي الإيراني المنافس بدايةً , ثم من خلال ارسال الجيش التركي لاحتلال مناطق معينة في سوريا بشكل مباشر عندما احست بوجود تهديد مباشر لأمنها القومي واستقرارها لم يستطع أنصارها الاسلاميين إجهاضه  , ثم ليأتي التدخل الروسي عند عجز الإيرانيين عن منع سقوط الأسد , وهو كان مستعدا أن يعطيهم ما يشاؤون دون شروط مقابل منع سقوطه ومعاقبته على جرائمه الشنيعة بحق السوريين, فاعتقد حاكم روسيا وقيصرها الجديد انها فرصته لمنع اقصاء روسيا  نهائيا عن الشرق الأوسط ومحاولة تثبيت قدمه في اهم دولة في هذا الشرق بتكاليف منخفضة جدا.

التدخلات العربية كانت مرتبكة ومتنافسة فيما بينها أحيانا وبدون استراتيجية موحدة مما جعل تأثيرها غير محسوس أحيانا وسلبيا أحيانا أخرى, بينما تركت إدارة أوباما وإسرائيل الجميع يغرق في المستنقع السوري فإسرائيل رابحة سواء من دمار سوريا وخرابها او من خسارة ايران وميليشياتها لحاضنتهم العربية واستنزاف كل من ايران وتركيا المنافسان الاقليميان الوحيدان للهيمنة الإسرائيلية على المنطقة , لتأتي ادارة ترامب أخيرا وتنهي الحياد الأمريكي وتعلن عن تواجدها العسكري العلني على الأرض السورية مخيبةً آمال كل من ايران وروسيا ومعلنة نهاية استفراد روسيا بالملف السوري.

بنظرة شاملة وواقعية لسورية وخارطة القوى المتواجدة فيها والمتنافسة عليها سنجد ان هناك صراعا إقليمياً دولًيا حقيقياً مباشرا حيناً وبأدوات محلية أحياناً على سوريا، خطره الأكبر هو المساهمة في تشظي المجتمع السوري طائفيا واثنيا، ومحاولة تجنيد شبابه لخدمة مشاريع الدول المتنافسة الباحثة عن مقاتلين يخدمون مصالحها مقابل المال والسلاح.

المصلحة الوطنية السورية تقتضي استعادة وحدة المجتمع السوري كأساس لاستعادة وحدة الدولة السورية، وهذا يتطلب العمل على حياد سوريا تجاه الخارج وعدم زجها في احلاف تتبع هذا المحور الإقليمي او الدولي أو ذاك للحد من استقطاب مجموعاتها السكانية، والعمل على حياد الدولة السورية القادمة عن الأديان والطوائف وطمأنة جميع المكونات السورية الدينية والقومية الى ان مستقبلهم وحقوقهم ستكون مصانة في ظل سورية الحرة المستقلة الحيادية منعاً لاستمرار استغلال مخاوفهم من قبل القوى الإقليمية الطامعة في الهيمنة على سوريا.

هذه المهمة التي من السهل قولها او كتابتها، سيكون من الصعب جدا وضعها موضع التنفيذ بدون الآتي:

-وجود مجموعة عمل سورية قادرة على العمل والاجتماع والتحرك ووضع الخطط اللازمة والترويج لها شعبيا ولدى المجتمع الدولي دون الحاجة لأي تمويل غير سوري مما يضع مسؤولية خاصة على رجال الاعمال الوطنيين السوريين.

– القدرة على حشد جهود السوريين المؤمنين بفكرة الحياد المزدوج (حياد الدولة عن الخارج، وحياد الدستور عن الأديان والقوميات وعصريته) والذين لم يرهنوا قرارهم مقابل دعم مالي او سياسي والذين يشكلون الغالبية الساحقة من السوريين.

– القدرة على التواصل مع المجتمع المدني في الدول المؤثرة ومع حكومات بعض الدول التي تتوافق مصالحها مع هذا الطرح لتشميل راي عام سوري ودولي ضاغط على الدول المؤثرة.

على صعوبة هذه المهمة فهي ليست مستحيلة في حال بدأ السوريون في تحسس أهميتها والعمل على محاولة إنجازها.