Archived: د. سميرة مبيض:بين الديمقراطية والتبعية

د. سميرة مبيض : كلنا شركاء

 أدرك السوريون بعد خمسة عقود ان مصالحهم كانت مغتالة طيلة فترة حكم الدولة الاسدية، ففي حين وُضع الشعب بحرب مع العالم كان النظام ينعم بالسلام مع جميع الدول دون استثناء مستخدماً الشعب السوري وقودا لدوام حكمه ومتصرفاً  بثروات سوريا لرشاوى تدعيم السلطة الداخلي و الخارجي.

 لم تتقدم سوريا في عهده خطوة نحو التطور على العكس انحصرت مهمته في زيادة الجهل والتجهيل المتعمد وتحطيم المنظومة الاخلاقية المتوارثة للسوريين وتدمير  كامل لكل أركان البلد الداعمة لنهضتها.

انفصال كامل بين الحكومة غير المنتخبة والشعب، انفصال سياسي، انفصال بالمصالح، انفصال بتفاصيل الحياة اليومية المعاشة لم يكن النظام ينتمي للشعب ولا  الشعب للنظام فكانت الثورة و لم يكن ممكناً ان لا تكون فقد أصبح النظام أداة تنفيذ مصالح الدول التي تدعم بقاءه في الداخل السوري و ارتبط بالداخل بمنظومة فساد داعمة فقط دون اي قاعدة شعبية حقيقية.

 جاءت المعارضة محملة بموروث سياسي وسلوكي متأثر بما عاشه السوريون لسنين طوال فطغى الأداء الفردي على الجماعي و تسارعت المصالح لتحتل المقدمة في أي خطوة و حرم السوريون من انتخاب ممثليهم مجددا ًو بدت مصلحة الشعب السوري في آخر المعادلة مرة أخرى.

 الديمقراطية القيمة الضابطة للسياسي في دول العالم المتحضر تقدمه ليعمل لأجل من وضعوا ثقتهم به وانتخبوه ممثلاً عنهم، حملوه مسؤولية ازدهار حياتهم و استقرارهم و حماية أمنهم و تطوير علاقة بلادهم بالدول الأخرى بناء على هذه المعادلة مقدماً مصلحة من يمثلهم و ليس العكس. فجاءت الشخصيات السياسية في البلدان الديمقراطية أمينة لهذا الدور منتمية للشعب و يهمها مصالحه بالدرجة الأولى و بمقابل ذلك منحها الشعب ثقته و تسمح له الديمقراطية بسحبها عند أي خلل.

من هنا أتى هذا المرض السوري باستقواء السياسيين بالدول الخارجية على بعضهم البعض أولاً وعلى  أبناء بلدهم ثانياً فليس منهم من كسب ثقة السوريين و ليس منهم من يعامل دول الخارج بندية الشرعية الديمقراطية. فمن البديهي أن تسعى هذه الشخوص للشرعية الخارجية لأن الشرعية الداخلية مفقودة لديهم فالسوريون لم يُدعون لانتخابات حقيقة منذ عقود ولم يمنح السوري ثقته لأحد.

الخطورة الحقيقية تكمن في تعارض الديمقراطية مع التبعية فبسبب ذلك باتت شعوب المنطقة محرومة من ديمقراطيتها للمحافظة على حالة التبعية التي فرضتها النظم المستبدة فالعالم المتقدم يرفض التعامل مع هذه الشعوب لهذا اليوم بنديّة ويرفض أن يُترك لها حق تقرير المصير في حكامها، نظم حكمها، ثرواتها وأرضها وتطورها.

لم يعد رفض إحلال الديمقراطية في دول الشرق الأوسط وأسبابه خافياً علينا، لكن لا زال نتائج غياب الديمقراطية عن هذه الشعوب غائباً عن العالم و ربما هذه هي ورقتنا السياسية الأقوى كديمقراطيين فاستمرار الاستبداد يتعارض مع تطور فكر الشعوب و يتعارض مع الأدوات التي تملكها البشرية اليوم.

في أمد غير ببعيد سيصبح من الاستحالة فرض نظام حكم استبدادي دون سحق كامل لمواثيق حقوق الانسان و في ذلك خطر لا تتحمل أي دولة توابعه مهما زادت قوتها العسكرية و هيمنتها الاقتصادية. فالنظم الاستبدادية بطريقها للانقراض كأي أداة اجتماعية لم تعد تواكب الحاضر، ما البديل الذي يحضره العالم لاستيعاب هذه الشعوب.

ان كان الخيار هو الفوضى الخلاقة فقد أثبت فشله الذريع عبر خلقه لبؤر الإرهاب التي تجاوز خطرها الحدود و طالت جميع الثقافات و الطبقات الاجتماعية. لا مسار يحقق التوازن و يعيد الأمن و السلام العالميين الا دمج هذه الشعوب بعملية الديمقراطية، النموذج الأمثل الذي لم يبد تصدعاً أو خللاً أساسياً في جميع أنحاء العالم لغاية اليوم.

واجب كل من يتصدر المشهد السوري اليوم أن يدعم خيار الديمقراطية و يؤهل السوريين لها لا أن يستقوي على أهل بلده بنظم استبداد جديدة. كل الأصوات التي تنعق بأن السوريين لا يفقهون بالديمقراطية و لا يستحقونها لا مكان لها بيننا.  تجربة الديمقراطية قد تفشل في أول جولة لكنها ستربح كل الجولات التالية و المخلص للسوريين هو من يدعم ديمقراطيتهم و لا يعزز تبعيتهم.

ستنجح الديمقراطية عندما يدرك الشعب السوري أنه باختيار ممثليه يختار نمط حياته و مستقبله و أن الانتخابات لا تقتصر على شراء الأصوات و خيم الضيافة و ثراء المرشحين كما روج نظام الاستبداد طويلاً. سيدرك انه في اللحظة التي سيمسك فيها حق تقرير مصيره سيحسن الاختيار ليمنع أي محاولة لتحويله لشعب مشرد في أنحاء الأرض ويستبدل  الذل بالكرامة و العبودية بالحرية.