Archived: كامل عباس: هيلاري كلينتون وخياراتها الصعبة

كامل عباس: كلنا شركاء

مقدمة :

يصح القول عن كتابة السيرة الذاتية بأنها جنس أدبي سهل ممتنع كالقصة القصيرة , كثيرون يطرقون بابه وقلة قليل تجيد فيه , لكن ميزته عن القصة القصيرة بكونه  يتطلب درجة من المصداقية أكثر مما يتطلب الموهبة الأدبية .

بين يدي مذكرات هيلري رودهام كلينتون – خيارات صعبة : الصادر حديثا عام 2015 والمترجم الى العربية ( ميراي يونس ) وموزع من قبل شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في لبنان .

لقد اختارت الكاتبة ان تروج لأمريكا ولقيمها ولمصالحها , ولخدمة هذه القيم والمصالح من خلال اشتغالها في الحقل العام, فالمجتمع الأمريكي يكاد يكون هو الأول في العالم من وجهة نظرها في توفير الفرص للفرد لكي ينال من التحصيل العلمي والمالي ما يلائم جهده وذكاؤه , ودليلها على ذلك سيرتها الشخصية بالذات , فهي ابنة عائلة مغمورة جدا تمكنت بجدها واجتهادها ان تصبح وزيرة خارجية وهي تطمح الآن لأن تكون رئيسة جمهورية لأهم بلد في العالم . تحدثنا الكاتبة عن امها في  ص 620

(شهدت طفولة امي صدمات نفسية وتخلياً عنها , كان والداها في شيكاغو يتعاركان في استمرار, وتطلقا بينما كانت هي وأختها يافعتين , ولم يرد أي من الوالدين الاهتمام بالفتاتين فأرسلتا في القطار الى كاليفورنيا للعيش مع جديهما لأبيهما في الهامبرا وهي مدينة قرب جبال سان غابريال . كان الثنائي العجوز متشددا وغير محب , وذات مرة حبسا أمي في غرفتها سنة كاملة باستثناء ساعات وجودها في المدرسة بعدما قبضا عليها في احتفال الهالوين وهي تلعب لعبة أم حلوى , وعندما بلغت أمي الرابعة عشرة لم تعد تستطيع تحمل العيش في منزل جدها , فانتقلت ووجدت عملا كمدبرة منزل لدى امرأة شفوقة في سان غابريال , بعد تخرج امي من المدرسة الثانوية انتقلت مجددا الى شيكاغو آملة في ان تتواصل مع امها , ومن المحزن انها طردت مرة اخرى ’ فعملت مكسورة القلب سكرتيرة خمس سنوات قبل أن تلتقي بوالدي ويتزوجا ..  عندما فقدت والدي عام 1993 شعرت انه رحل باكرا وأصابني الحزن لكل الأمور التي لم يعش ليراها ويفعلها . كان الوضع مختلفا اذ عاشت أمي حياة طويلة وحافلة تجاوزت التسعين عاما وتوفيت في عام 2011 , ولم ابك بسبب الأشياء التي ستفوتها ’ بل لأنني سأشتاق اليها كثيرا . ).

ليس الكتاب مذكرات فقط بل هو دعاية انتخابية بحق عن طريق هذا الأسلوب من الكتابة , وهي تحاول فيها مخاطبة أحرار العالم في داخل امريكا وخارجها لكي يدعموها في معركتها  ضد خصمها الملياردير ترامب الذي يريد ان يبني الجسور بين الناس بدلا من أن يهدمها .

تقول الكاتبة في مقدمة كتابها ص 9 ( علينا أن نستخدم كل نقاط القوة الأمريكية لبناء عالم فيه المزيد من الشركاء وقلة من الخصوم , المزيد من المسؤولية المشتركة وصراعات أقل , المزيد من فرص العمل الجيدة وفقر أقل , المزيد من الازدهار القائم على أسس واسعة النطاق مع أقل ضرر على بيئتنا )

ص 11 : كتبت هذا الكتاب للأمريكيين والناس في كل مكان الذين يحاولون فهم معنى تبدل عالمنا السريع هذا .  

بوصفي واحد من أناس هذا العالم مهتم بالشأن العام مثل الكاتبة ومعني أيضا بأن تفوز في مقعد الرئاسي انا وكل زملائي في المعارضة السورية , لأن نجاح ترامب يعني بالنسبة لنا نجاح حيتان المال والمافيا وكل الفاسدين الجدد في الأرض وخاصة أصحاب النزعة الأمبراطورية الجديدة وعلى رأسهم بوتين وخامينائي , وهذا يعني ضياع تضحيات الشعب السوري الهائلة  في معركته ضد الاستبداد لأن الادارة القادمة ستتعامل معهم لكي يكون بديل الأسد هو ابن عمته رامي مخلوف وكل من يملك المال والفساد في سوريا, وهنا لا بد أن أنوه في هذه المقدمة بقناعتي في أن الكاتبة لو انتقدت سياسة اوباما بشدة بدلا من الإشادة بها على طول السنوات التي عملت معه كوزير خارجيته , لحققت دعايتها مزيدا من الكسب في صفوف المصوتين لخصمها ترامب , فشعبية ترامب الحالية جاءت بسبب سياسة أوباما الفاقعة في تحيزها للمصالح على حساب القيم , لقد صوّت المجتمع الأمريكي لرجل أسود وادخله البيت الأبيض, عّل وعسى يساهم في تحسين حقوق الانسان ليس في امريكا بل والعالم , ويعمل من اجل الفقراء والمهمشين كما وعد, ولكن في ظل إدارته ازدهر الفساد وانحطت القيم والأخلاق في كل مكان من العالم لدرجة ان كثيرا من المثقفين في كل إنحاء العالم يتجادلون فيما بينهم على الشكل التالي : من هو أفضل لقيادة العالم  أوياما اليساري الذي لاتهمه القيم ولاتعنيه أبدا, ام اليميني جون ماكين , لكنه على يمينيته يصر في ان يكون طريقه السياسي معتمدا على الأخلاق والقيم ؟ ولكن المأساة ان العامة من الشعب المريكي لا تناقش الموضوع بهذه الصورة , بل ردة فعلها على سياسة اوباما هو الكفر بكل السياسيين والتصويت لرجل مثل ترامب وليس مثل جون ماكين او أو هيلري كلينتون, بهذا المعنى يقف اوباما حجر عثرة في وجه طموح امرأة لتدخل البيت الأبيض, فلو كانت سياسته ناجحة ووازنت بين المصلح والقيم لا انتخب الشعب الأمريكي بعده بكل وضوح امرأة أيضا لتدخل البيت الأبيض إكمالا لدخول رجل اسود اليه .

سأحال قدر استطاعتي خدمة برنامج الكاتبة الانتخابي وبأسلوب يحاكي أسلوبها في الكتابة ولذلك سابدأ بأقل الكلام الممكن من سيرتي الذاتية بما يخدمذلك البرنامج.

أنا الآخر من مواليد نفس العام التي ولدت فيه الكاتبة, ولكن في قرية من قرى هذا الشرق في جبال العلويين والتي تدعى بشراغي, وأنحدر مثلها من عائلة مغمورة جدا , فقد كان والدي رحمه الله فلاحا خشنا وقاسيا قساوة تلك الجبال , اما والدتي فقد كانت على الضد منه تماما , تفيض رقة وحنانا وتنفر من رؤية الدم حتى ولو كان من دجاجة يذبحها والدي أمامها, وقد نشأت ضمن ذلك التناقض الذي كان وما يزال يجسده الشرق بين تحيز مطلق للذكورة وقمع مركب للأنوثة . وأنا مثل الكاتبة تمكنت بصعوبة بالغة من أن احمل إجازة جامعية في العلوم الطبيعية أوائل السبعينات وكنت من العشرة الأوائل في سوريا , وبعد نخرجي ولجت الحقل العام السياسي, ولكن ماذا كانت النتيجة ؟  النتيجة سجلتها في تعليقي على مذكرات الرئيس كلينتون التي نشرت في هذه النشرة وفي نشرة الحوار المتمدن في هذا الشهر من عام 2008 ومما قلت :

(تصفحت كتاب الرئيس الأمريكي السابق- بيل كلينتون – (حياتي ) في مكتبة أحد أصدقائي أوائل عام 2007 ,ترجم الكتاب وقدّم له مشكورا الدكتور حسام خضور , ومما جاء في التقديم

(( لكن ربما قلة هم الذين سيختلفون مع بل كلينتون الإنسان بعد قراءة هذا الكتاب, الذي أراد له الكاتب ان يكون رسالته الى الشعب الأمريكي والناس قاطبة )) .

  حضر الى ذهني فورا صعوبة قراءة رسالة تربو على الألف صفحة في عتمة هذا الزمن الرديء, زمن الأنترنت وتقديم المعلومة بسرعة توازي سرعة العصر, قلت في سري سيسعد بهذه الرسالة من هم وراء القضبان  فهم  القادرون أكثر من غيرهم على التمتع بها  وربما أراد الرئيس السابق ان تكون شعبيته بينهم, تذكرت غربتي داخل وطني لأكثر من ثمانية عشر عاما بين مطاردة وسجون , وكيف خففت عني رسائل مماثلة تلك الغربة , ومنحتني الكثير من الطمأنينة ,من يومها أحببت هذا النوع من الأدب  –

لكنني عاجز عن قراءة الكتاب  الآن , فانا مشغول بلقمة أطفالي ولا وقت لدي لقراءته .

      في العاشر من كانون أول عام 2007 وجدت نفسي فجأة في قاووش أسوا من كل قواويش السجون التي مررت بها , ولم تكن حصتي سوى بطانية واحدة , تزاحمت الصور والأفكار والتساؤلات عن السبب الجوهري الذي قادني الى هنا من جديد , واستقر رأيي الى ان السبب يعود الى انتقالي  من خانة الماركسية الى خانة اللبرالية , غريب هذا الشرق !! ترى هل ادفع ثمنا لتبنيي الفكر اللبرالي يوازي الثمن الذي دفعته من حريتي بسب اعتناقي الفكر الماركسي ! كنت أظن ان انتقالي الى اللبرالية سيخفف عني عندهم , كوني نبذت كل تفكير انقلابي وأصبحت أنادي بالإصلاح الهادئ والتدريجي والآمن , لكن حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر ,

    كان حظي هذه المرة على غير العادة جيدا فقد تم إخلاء سبيلي بأقل من ثمان وأربعين ساعة  وبقي العديد من رفاقي ( العزيزين على قلبي ) حتى كتابة هذه السطور.

وجدت نفسي مسجونا ولكن بين أطفالي, لكنني شكرت ربي واستجبت لتهديداتهم وأقلعت عن الكتابة , فانا رغم حبي الشديد لرفاقي لست راغبا في قراءة كتاب كلينتون عندهم .

استعرت الكتاب وبدأت بقراءته داخل بيتي,  وتشاء الصدف أن انهيه مع اتفاق الدوحة وما أشاع من أمل في نفسي , عل وعسى أن يكون بداية عهد جديد للحوار فيه مساحة اكبر من قبل  .

انتابتني رغبة للتعليق عليه كما فعلت مع كتب أخرى , تعاطي الكاتب للكتابة يشبه بأحد وجوهه تعاطي المدمن للمخدرات , لقد عاهدت زوجتي وأطفالي أكثر من مرة بالإقلاع عن الكتابة, تجنبا للمضايقات وعدت إليها رغما عني وعنهم , وها أنذا أعود كما في السابق رغم قناعتي بان مضايقتهم هذه المرة ستكون اشد , ولكنها ضريبة لابد من دفعها لمن أدمن الكتابة .)

العتب على الادارة الأمريكية الحالية التي بدلا من ان تساعدنا نحن اللبراليين الذين نحمل قيمها لكي نتمكن من محاربة الاستبداد في بلادنا تقف الى جانب الاستبداديين وليس الى جانبنا وحجتي في ذلك ه موقف الادارة الحالية مما يجري في بلدنا,ومن هنا اخترت أن يكون أول تعليق لي على الكتاب حول الوضع السوري التي خصته الكاتبة بفصل كامل حمل عنوان – سوريا المعضلة الشريرة – وقبل أن ابدأ بالتعليق عليه أقول : لم توفق الكاتبة بهذا العنوان .

يتبع

كامل عباس  – اللاذقية