on
Archived: مقارنة بين الماضي في روسيا ومستقبلها ( الحلقة الثانية)
عادل موسى : كلنا شركاء
أن أوكرانيا وأخواتها، بالأحرى الدول السلافية الثلاث (روسيا وبيلاروسيا واوكرانيا)هي جسر طبيعي بين ثقافتي الشرق والغرب. تشير لنا معركة “القرم” السياسية اليوم الى إن المهم في الحروب لا كيف تبدأ بل كيف ستنتهي. وهذه النهاية ترسمها “السياسة الخارجية الأقوى وهي فن تحديد الأولويات” كما اشار هنري كيسينجر.
وهنا نجد روسيا الإتحادية محورا رئيسا في هذه المجموعة، ومن مصلحتها أن تبقى الشقيقتين دائرتين في فلكها، مؤكدة على ماهية الصراع بين الدول (السلافية) وبين أوروبا والولايات المتحدة، وهنا من الضروري أن ننتبه الى أن أوكرانيا في صراعها الأخير، لن تكون يوماً مجرد بلد جار لروسيا، فقد كانت جزءاً منها على مدى قرون وهي كذلك في الواقع وستبقى عليه أيضا. وتشهد على ذلك معركة بولتافا في العام 1709 والتي تُعد من رموز الحرية الروسية، وقد جرت على أرض أوكرانيا.
اننا نرى أن العامل الحاسم في أزمة اليوم، هم الأوكرانيون أنفسهم، فهم ينتمون إلى بلد ذو تاريخ معقد كما اشرنا في الجزء الأول من المقال، ويشهد الجزء الغربي الذي ضُمَّ إلى الاتحاد السوفياتي عام 1939 على ذلك، تحولت شبه جزيرة القرم، بسكانها الروس – 60% من أصل السكان اضافة الى المجموعة التترية الكبيرة، جزءاً من أوكرانيا عام 1954 بعد ان قدمه نيكيتا خروتشوف (الأوكراني المولد) هدية لبلده الأم. وأضف عنصرا هاما وهو أن غرب أوكرانيا كاثوليكي بمعظمه وهو قريب من بولونيا وشعبها من حيث العادات والتقاليد، أما الشرق فهو أرثوذكسي بغالبيته وأكثر قربا من الروح الروسية / السلافية. وتغلب اللكنة الأوكرانية على غرب اوكرانيا، بينما يتحدث شرقها الروسية. وأي محاولة من أي جناح أوكراني للهيمنة على الآخر ستقود إلى حرب أهلية أو انفصال بين هذين الشطرين.
نذكر جميعا أن استقلال أوكرانيا حديث العهد، وعهدها به 23 عاما فقط، بعد تفكك الإتحاد السوفييتي. ونذكر ايضا أن البلاد كانت قد خضعت للحكم الأجنبي منذ القرن الرابع عشر، كما جدير بالإشارة الى أن قادتها لا يجيدون فن المساومة. وتشير سياسات أوكرانيا المستقلة إلى أن جذور المشكلة تكمن في جهود السياسيين الأوكرانيين لفرض إرادتهم على بعضهم البعض في تسيير امور البلاد. وهذا هو جوهر الصراع بين فيكتور يانوكوفيتش وغريمته يوليا تيموشينكو، واتي رماها في غياهب السجوزن بالرغم من فوزه بفارق بسيط 54%، بالرغم من أن ف. ف. بوتين نصحه بعدم القيام بذلك، وكلاهما عاصرا مرحلتي الرئاسة البوتينية، فكل منهما يمثل جناحاً لأوكرانيا، وهما غير مستعدان لتقاسم السلطة بينهما. ومن الجدير الأشارة اليه الى نسبة المهاجرين الأوكرانيين الى روسيا الأتحادية بقصد العمل لضيق اليد والوضع الإقتصادي الصعب لكبير جدا (اشار احد المهتمين الروس بهذا – وربما مبالغا بعض الشئ- ان تعدادهم يعادل سكان اوكرانيا اليوم على الأرض الأم).
صحيح اننا نرى أنه لأوكرانيا الحق في أن تختار بحرية صلاتها الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك مع أوروبا. ولكن السعي للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي فهو امر يشكل خطرا عسكريا لروسيا، وخاصة عندما يكون بتحريض خارجي سافر وواضح. ناهيك عن اللوبي المتعددة الأطراف للأثنيات المحلية والتي تسعى للإنفصال عن روسيا، وهي متغلغلة داخل البلدين ولنفس الهدف، إلا وهو، العمل على اضعاف النفوذ الروسي المتصاعد سياسيا واقتصاديا. كما جدير بالأشارة الى ان اوكرانيا خلاصة الأمر من انسلاخها عن روسيا، ستنتقل بتبعيتها من الروسية / السلافية، الى الاوروبية / برابط مشترك معها وهو كما ذكرنا، العمل على اضعاف نفوذ روسيا والضغط عليها، وخاصة انها تحولت الى مارد مخيف على حلبة الصراع الدولي في عالم النفط والغاز، وستُحوِِل التبعية الجديدة، الشعب الأوكراني الى تابع دائم في مسرح الدمى العالمي.
وكما اشار اكرم البني في مقاله الأخير: “ليس مستغرباً أن يثير التغيير الحاصل في أوكرانيا بعض التفاؤل في نفوس المتابعين بألم لما يجري في سورية. فثمة رهان بأن تفضي التطورات هناك إلى إضعاف سياسة روسية نشطة تدافع عن الوضع السوري القائم ضد أي مشروع للتغيير، بالتالي إلى تمكين الغرب من مواجهة صعود دور موسكو، باعتبار أوكرانيا وسورية متشابهتين في حسابات السيطرة والنفوذ العالميين، بصفتهما موقعين إستراتيجيين أكثر من منفعتهما الاقتصادية. فالأولى حاضنة لأنابيب الغاز المغذية لأوروبا ومدخل لحصار روسيا من الغرب، والثانية قريبة من منابع النفط ومن دولة إسرائيل، ولعبت تاريخياً دوراً حاسماً في استقرار المنطقة”.
لقد تحولت روسيا الى لاعب رئيسي في صناعة التوازن الدولي، وتعول الولايات المتحدة ودول اوروبا عليها في ذلك وخاصة في دول “شرقالمتوسط”، وتعزز روسيا موقفها بدعم الشرعيات الدولية وعدم التدخل بشؤون الدول من حيث الظاهر. بينما تستفيد الأضداد المتناوعة فيما بينها داخل السياسة الروسية، لدعم هذا الجانب او ذاك. كما حدث في الصراع القائم في سوريا والذي تحول من “ثورة شعب” الى “مقبرة جماعية” له. ولم تستفد اطراف المعارضة في الداخل السوري من هذه الحالة لصالحها، وعلب الصراع على انتزاع المكاسب في التنقل بين احضان الدول من اوروبية الى نفطية. وهي الدول نفسها التي رعت نظام الأسدين الأكبر والأصغر.
وبذلك قامت المعارضات السورية بكامل اطيافها الى الإستمرار بنهج الأسد الأكبر، بتفريغ ساحة الصراع الحقيقي بين الشعب والطغمة الحاكمة ليتحول الصراع الى اداة دمار قاتل.
وجدير بالذكر هنا الأشارة الى ان روسيا ترفض تغيير السلطة الشرعية في أي دولة بالطريقة غير المشروعة باستخدام العنف. لذلك وقفت روسيا وتظل تقف ضد تغيير السلطة السورية بالطريقة غير المشروعة، وتشجب تغيير السلطة في أوكرانيا، معتبرة أن ما حصل هو انقلاب. وقد اجاب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين على سؤال “ألا يتناقض موقف روسيا تجاه أوكرانيا مع موقفها من سوريا؟”، فأجاب بالرفض قائلا: “لا أرى أي تناقض”.
هذا وكانت روسيا قد شددت على ضرورة، أن يضمن المجتمع الدولي تنفيذ اتفاقية حل الأزمة الأوكرانية التي وقعها الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش وزعماء المعارضة في الـ21 من شباط بحضور وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا وممثل روسيا. ونصت هذه الاتفاقية على بدء الإصلاح الدستوري بمشاركة جميع المناطق الأوكرانية وتشكيل حكومة وحدة وطنية من ممثلي جميع مناطق البلاد وجميع القوى السياسية.
وبنفس الوقت قدم فلاديمير بوتين طلبا إلى مجلس الشيوخ الروسي “لاستخدام القوات المسلحة الروسية في أراضي أوكرانيا إلى أن يعود الوضع الاجتماعي – السياسي في هذا البلد إلى طبيعته”، مشيرا إلى “أن حياة الرعايا الروس المقيمين في أوكرانيا وحياة أفراد القوات المسلحة الروسية الموجودين في شبه جزيرة القرم طبقا لاتفاق روسيا وأوكرانيا معرضة للخطر”. مع العلم ان الرئيس الروسي لم يقرر بعد استخدام القوات المسلحة الروسية على أراضي أوكرانيا.
صحيح أن الملف السوري وفر لقادة الكرملين فرصة الإيحاء بأن سياستهم تمكنت من إرجاع روسيا إلى موقعها كقوة عظمى، وأجبرت العالم كله على التعامل معها على هذا الأساس، لكن الصحيح أيضاً أن معارضاتنا الحكيمة اليوم ليست مؤهلة بعد لأستلام زمام الأمور، لا عسكريا ولا اقتصادياً ولا سياسياً، وتنتظر من يرسم لها الدور الذي يجب ان تلعبه في سياسة التوازنات الدولية. ولم نستفد من التغييرات السياسية في المنطقة، انحسار النفوذ على الصراع السوري بيد واحدة وهي المملكة العربية السعودية، وقرارتهاالأخيرة في الأمس حول ارهابية “الأخوان المسلمين” و”داعش” و”النصرة” لتشهد على ذلك. والعمل على نزع السلطة الدينية السياسوية من جذورها، هنا وهناك.
وإن لم تقم معارضتنا الحكيمة بالأشارة الى نهجها السياسي الخارجي، بقبول التبدل الأيراني مابعد الأنتخابات والتعاطي معه بصورة اخرى بعد قبوله، وهذا ما يجري على ارض الواقع وخاصة ان نفط وغاز بخر قزوين بدوله الستة يجب ان يكون ذو عائد اقتصادي على سوريا من مروره عبر اراضيها كما هو الوضع الأوكاني مع الغاز والنفط الروسي، والسعي للتعامل مع دول الجوار واعطاء التطمينات اللازمة للعيش بأمن وسلام طويل الأمد وعلى ارض الرابع من حزيران للعام 1967م.، سيبقى شعبنا يعاني من تأمرات عربية ودولية حتى تٌفنى اخر قطعة سلاح على الأرض السورية.
العود على بدء… روسيا الاتحادية المارد المتنامي .. كما كانت صديقا لشعبنا في سوريا، ستبقى كذلك. وعلينا الأستفادة من المعطيات وقبول الأخر. كما نطالب الأخر بقبولنا .