Archived: مركز ويلسون:هل تخسر الولايات المتحدة الأكراد؟


أمبريان زامان-مركز ويلسون: ترجمة مرقاب

وسط حالة من الشك التي تلف محادثات السلام الخاصة ثمة أمر واضح هو استبعاد الأكراد مرة أخرى وهذا ما أثار مشاعر الخذلان والغضب لديهم، وقد يضعف ذلك قتالهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية .
وقد وجهت أصابع الاتهام نحو تركيا وحكامها الإسلاميين الذين نجحوا بإقصاء الأكراد عن المشاركة في جولات المحادثة السابقة. لكن هنالك العديد ممن يلومون الولايات المتحدة أيضاً لفشلها في استخدام ثقلها في تجاوز الأتراك لجلب الأكراد إلى طاولة التفاوض. كما حذر قادة أكراد أنه من دون مشاركتهم فلن يكون هناك سلام في سوريا كما هدد بعضهم بالارتماء في أحضان روسيا، وهذا ما يفسر ذهاب مبعوث أوباما للتحالف الدولي ضد داعش لاسترضاء أكراد سوريا في كوباني.
إن سياسة واشنطن الساخرة المكشوفة في معاملة الأكراد السوريين كشركاء لها بينما تعامل نظرائهم في تركيا كخارجين عن القانون كانت معيبة منذ البداية وهذا ما سمم العلاقات مع حليف واشنطن تركيا، في حين خلق توقعات غير واقعية بين أكراد سوريا وبذلك استغلت روسيا هذا الأمر وكانت الوحيدة السعيدة به .
لقد حُرم حزب الاتحاد الديمقراطي من مقعد يمثل الأكراد في محادثات جنيف وينضوي هذا الحزب مع زراعه العسكري وحدات حماية الشعب الكردية تحت مظلة حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل الجيش التركي منذ فترة طويلة في سبيل الحصول على دولة كردية مستقلة، وتعتبره تركيا وكذلك الولايات المتحدة حزباً إرهابيا. مما لا شك فيه أن حزب العمال قد لجأ للإرهاب للتقدم بقضيته، لكنه يحظى بشعبية واسعة بين الأكراد في تركيا وسوريا. ومن حسن حظ وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي أنهما لم يدرجا على قائمة المنظمات الإرهابية لدى وزارة الخارجية الأمريكية. وقد أثار رعب أنقرة استغلال الولايات المتحدة لهذه النقطة لتعميق علاقتها بوحدات حماية الشعب الكردية بدءاً من مساعدتهم في فك حصار داعش عن كوباني. كما تقوم الولايات المتحدة بالمساعدة في نقل أسلحة سوفيتية الصنع الى وحدات حماية الشعب كما تقوم مجموعة من القوات الأميركية الخاصة بتدريب الأكراد والتخطيط للعمليات القادمة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وقد نجحت وحدات حماية الشعب بمساعدة الطيران الأميركي في انتزاع رقعة من الأرضي السورية على الحدود مع تركيا تعادل ثلاثة أضعاف مساحة لبنان.
وفي هذه الأثناء أوقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محادثات السلام مع أكراد تركيا واستأنف الحرب ضدهم منهياً بذلك عامين من وقف إطلاق النار. ولعبت رغبة أردوغان بتعزيز سلطته دوراً في ذلك ولكن خوف جنرالات تركيا من اقتراب أكراد سوريا من تشكيل إقليم خاص بهم مماثل لإقليم الكرد في العراق هو ما قاد لهذا الموقف .
وقد صرح وزير الخارجية التركي بأن وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي قد تجاهلا نداءات أنقرة لهما لمقاتلة مصدر الشر الأكبر بالنسبة لتركيا، بشار الأسد، لكن ما لم يذكره أوغلو أن الأكراد في سوريا ظلوا على الدوام يقولون انهم ينشدون العلاقات الطيبة وحسن الجوار مع تركيا فكان رد تركيا عليهم تحريض الثوار المتحالفين معها على قتالهم، كما أنه خلال سنتين من محادثات السلام لم  تمنح حكومته الأكراد شيئاً من مطالبهم في زيادة الحريات السياسية والثقافية .
وتفرض قوات الأمن التركي الحصار على سلسلة من البلدات الكردية التي تضم شباب حزب العمال وآلاف المدنيين. وأدت عمليات الجيش لمقتل الكثير من المدنين ولا يتلقى الجرحى الرعاية ولا يسمح للمتطوعين بمعالجتهم، كما مُنع الصحفيون من تغطية هذه المأساة. ولم تزد الولايات المتحدة على حث الجانبين على العودة إلى طاولة الحوار حيث تعتقد أنها بتغاضيها عن ذلك تستطيع أن تهدئ توتر تركيا بخصوص تعاملها مع وحدات حماية الشعب ولكن ذلك لم يحدث. إذ كلما أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب أقوى ازدادت تركيا قسوة تجاه أكرادها، وهو ما يعني تدهور الاستقرار الذي كان ينعم به حليفها التركي .
ينحدر الأكراد السوريون ممن فر من تركيا بسبب اضطهاد تركيا للأكراد في القرن العشرين فالحدود بين أكراد سوريا وتركيا ليس لها معنى. وبالتالي فإن لا مبالاة واشنطن بمحنة أكراد تركيا تجعل من الصعب الدفاع عن تحالفها مع الكرد السورين . والاستمرار بترداد رواية اختلاف وحدات حماية الشعب الكردي عن حزب العمال الكردستاني سيقوض الحرب ضد داعش في العراق أيضاً، فقد رفض مسعود برزاني زعيم كردستان العراق المتحالف مع تركيا المساعدة التي قدمها حزب العمال في استعادة الموصل .
ويضغط الأكراد السوريون باتجاه حصولهم على اعتراف رسمي باستقلاليتهم ويعتبرون أن هذا الأمر سيتجلى بحصولهم على مقعد في محادثات جنيف وهو يفترض أن تؤمنه لهم أميركا . لكن مؤتمر جنيف جعل الأكراد يشعرون أنه قد تم استغلالهم وإقصاؤهم مرة أخرى. والأكراد غير مخدوعين بروسيا أيضا فهم يعلمون أنها حريصة على استغلال اضطهاد أكراد تركيا لإجبارهم على التخلي عن دعمهم للثوار المناهضين للأسد .لكن روسيا يمكنها أن تقدم لهم أكثر باعتبارها موجودة على الأرض.
وما لم تكن واشنطن قد قبلت بامتلاك روسيا لمنطقة نفوذ دائمة على حدود تركيا الجنوبية ومشاهدة تركيا تتقهقر شيئاً فشيئاً، فلا بد لها من مواجهة حقيقة أن وحدات حماية الشعب ليست إلا جزءا من حزب العمال الكردستاني .
ومن شأن إنهاء هذه المهزلة أن يمكن أمريكا من دفع حزب العمال الكردستاني للعودة إلى طاولة المفاوضات وإن كان ذلك من خلال قنوات من وحدات حماية الشعب، ويمكن لهذا أن ينجح إن استمالت أنقرة أيضاً. فمع أن المسؤلين الأمريكيين يدعون بأن نفوذهم على أردوغان محدود لكن هذا غير صحيح. وكلما أجلت تركيا إصلاح مشاكلها الكردية نمت أكثر. وقد حان الوقت لتدرك واشنطن بأن علاقة تركيا مع الأكراد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصالحها الوطنية. كما حان الوقت لواشنطن ليكون لديها سياسة بخصوص الأكراد.