Archived: من الصحافة الإسرائيلية: استراتيجية إسرائيل الجديدة في سوريا

يوسي ميلمان – معاريف: ترجمة صحيفة السفير

عندما يتحدثون في إسرائيل أو العالم عن «الغموض»، فواضح أنهم يقصدون السياسة النووية لإسرائيل. إذ طوال أكثر من 50 عاما تدير إسرائيل سياسة لا تؤكد فيها وأيضا لا تنفي امتلاكها لسلاح نووي، كما ينسب الجميع لها. ولكن في السنوات الأخيرة تبلورت سياسة غموض أخرى، تتعلق بالعمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل في أرجاء الشرق لأوسط وعلى أطرافه، خصوصا بواسطة سلاح الجو ـ وفق منشورات أجنبية ـ وفي مناسبة واحدة على الأقل حتى وفق جهات في الإدارة الأميركية.

وقد حصلنا مؤخرا على أحد التجليات الواضحة للنوع الجديد عبر تهديدات الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بالثأر من إسرائيل، التي زعم أنها اغتالت المخرب سمير القنطار في عملية من الجو، بإطلاق صواريخ على مبنى تواجد فيه في ضاحية قرب دمشق. وزرع حزب الله عبوة شديدة الانفجار لدورية عسكرية إسرائيلية كانت تفتح الطريق في مزارع شبعا، لكن لم تقع إصابات. وكان واضحا لنصر الله أن إسرائيل مسؤولة عن موت القنطار، رغم أن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها عن الحادث.

وقبل حوالي عقد من الزمان ابتدع الجيش الإسرائيلي تعبير «حرب ما بين المعارك» (حبم). وهذه هي المعركة التي تديرها الدولة عبر الجيش الإسرائيلي ضد تعاظم دول معادية مثل إيران وسوريا، وضد تنظيمات إرهابية مثل حماس، الجهاد الإسلامي وحزب الله. والأمر يتعلق بمعركة تشارك فيه جهات مختلفة، ويمكن التقدير بأنه قبل تنفيذ أي عملية في سياق «حرب ما بين المعارك» (حبم)، تتم عمليات جمع معلومات على أيدي وحدات خاصة مثل سييرت متكال، شلداغ، شييطت 13 أو مقاتلي الموساد. وفضلا عن ذلك، يمكن التقدير أن اسناد لهذه المعركة وتغطية يأتي أيضا من حرب السايبر.

وينبغي التشديد على أن المقصود هنا ليست العمليات المنسوبة للموساد، والتي معظمها يبقى سريا، وفي الغالب لا تترك خلفها أية بصمات. فالموساد ينفذ مثل هذه العمليات منذ عشرات السنين، منذ الستينيات. وفي السنوات الأخيرة فإن العمليات المنسوبة للموساد هي اغتيال علماء الذرة وعمليات التخريب ضد المشروع النووي الإيراني، أو اغتيال «وزير دفاع» حزب الله، عماد مغنية في دمشق في العام 2008. ويمكن الافتراض أن الموساد في عمليات سرية من هذا النوع يتلقى الإسناد والدعم أيضا من الجيش الإسرائيلي.

وإسم (حبم) مشتق من واقع أن الحديث يدور عن عملية عسكرية سرية، «بتوقيع متدن»، لا يسمح للخصم باتهام إسرائيل بالمسؤولية عنها. وهكذا فإن (حبم) تمنح إسرائيل هامش إنكار، يجعل من المتعذر على الخصم أن يرد، وهو يختلف عن الحروب أو عن العمليات العسكرية الصريحة التي تميل إسرائيل لإعلان مسؤوليتها عنها. وقال رئيس الأركان السابق بني غانتس في هذا السياق: «نحن نتابع تدابير نقل الوسائل القتالية في كل قطاعات القتال. وهذا أمر ليس جيداً أبدا وهو فائق الحساسية، ومن حين لآخر، عندما تقتضي الضرورة، يمكن لأمور أن تقع».

ومنذ حوالي عقد من الزمان تنسب لإسرائيل غارات من الجو، وأحيانا من البحر أيضا، ضد أهداف في دول مختلفة في المنطقة. ووفق منشورات أجنبية، فإن معظم هذه الغارات موجهة ضد مخازن أو قوافل أسلحة معدة لمنظمات الإرهاب في غزة، وبالأخص لحزب الله في سوريا ولبنان.

والعملية الأولى في إطار (حبم)، حتى لو لم تكن تسمى كذلك، يمكن رؤيتها في الغارة المنسوبة لسلاح الجو والتي تم فيها تدمير لمفاعل النووي في سوريا في أيلول 2007. صحيح أن هذه كانت عملية عسكرية تذكر بعملية مشابهة وقعت قبل ذلك، في حزيران 1981، عندما دمر سلاح الجو المفاعل النووي الذي بناه صدام حسين قرب بغداد. ولكن ما يميز بين الحدثين هو البلاغ العلني. في العام 1981 نشرت حكومة مناحيم بيغين بلاغا رسميا، أقرت فيه بتدميرها المفاعل العراقي. وليس هذا هو الحال في سوريا. حتى اليوم لم تأخذ إسرائيل على عاتقها مسؤولية الغارة (رغم أن مسؤولين وشخصيات عامة ألمحوا لذلك ـ واحد منهم كان زعيم المعارضة حينها، بنيامين نتنياهو)، لكن معظم العالم يقدّر أنها من نفذ العملية.

وإذا كانت سوريا، كدولة لها حدود مشتركة مع إسرائيل، تعتبر دوما «أرضا معروفة» وميدان عمل مريح لعمليات استخبارية أو عسكرية إسرائيلية، فإنه لاحقا ـ ووفق منشورات أجنبية ـ وقعت عمليات على مسافة آلاف الكيلومترات. في مطلع العام 2009، في ذروة حرب غزة الأولى، (الرصاص المسكوب)، نشرت أنباء عن مهاجمة طائرات إسرائيلية لقافلة إمدادات سلاح في السودان وعلى مقربة من شواطئها في البحر. وبعد ذلك ظهرت المزيد من الأنباء والنشرات حول غارات مشابهة، وفي ذروتها نسب لإسرائيل أمر مهاجمة مخزن سلاح كبير جدا قرب الخرطوم. وكان مصدر هذه الأسلحة إيران وكانت معدة لتهريبها من السودان إلى مصر، ومن هناك بالأنفاق إلى غزة.

وفي السنوات الأخيرة تضاءلت الأنباء في هذا الشأن ما يدفع للافتراض بأنه لم تعد هناك حاجة لمثل هذه العمليات. ويعود ذلك لعدة أسباب. أولا، على خلفية الحرب الأهلية في سوريا نشأ شرخ عميق بين إيران وحماس، وتوقفت طهران عن تزويد حماس بالأسلحة لفترة زمنية. ورغم أن هناك مؤخرا إشارات إلى وجود محاولات من الجانبين، خصوصا الذراع العسكري أي كتائب عز الدين القسام، لتجديد التحالف. وسبب آخر هو أن الحكم في مصر، برئاسة الجنرال عبد الفتاح السيسي، وخلافا لسلفيه مبارك ومرسي يعمل بحمية ضد تهريب الأسلحة إلى غزة وسيناء، حيث تعمل مجموعة إرهابية لولاية سيناء التابعة لـ «الدولة الإسلامية».

والسبب الثالث لذلك هو أن حاجة إسرائيل لعمليات (حبم) في البحر الأحمر لإحباط عمليات تهريب أسلحة تقلصت، جراء الانقلاب الذي طرأ على الحكم في السودان. فإلى ما قبل حوالي عام كان الحكم الإسلامي السني الأبدي للجنرال عمر البشير (هو في الحكم منذ حوالي 30 عاما) وكان على تحالف وثيق مع النظام الشيعي في طهران. وقد نال من الإيرانيين شحنات نفط بأسعار مخفضة فضلا عن مساعدات مالية، وبالمقابل سمح للحرس الثوري بأن ينشئ موقعا في السودان وأن يدير من هناك شحنات السلاح إلى غزة. وقبل حوالي العام، على خلفية الحرب الأهلية في اليمن، بدّل السودان ولاءه وانضم للسعودية والتحالف العربي. ومقابل مساعدات مالية سخية أرسل الجيش السوداني قوة إلى اليمن لمحاربة الحوثيين وراعيهم الإيراني.

وبحسب تقارير إعلامية، فإن معظم عمليات (حبم) في السنوات الأخيرة عادت إلى الحلبة الشمالية. وتنسب لإسرائيل أكثر من عشر غارات جوية على مخازن سلاح وقوافل شقت طريقها من سوريا غلى حزب الله في لبنان. ووقعت كل هذه الغارات على الأراضي السورية. فقط في حالة واحدة، بقدر ما نعلم، نفذت الغارة ضد هدف داخل لبنان، غير بعيد عن الحدود السورية.

وقد أعدت الغارات لمنع وصول صواريخ أرض أرض بعيدة المدى ومعدلة بأنظمة توجيه أكثر دقة، وكذلك وصول صواريخ أرض جو وبر بحر من صنع روسي وإيراني. وكل هذا رغم كان واضحا أن تدمير هذه الصواريخ لا يغير كثيرا التوازن بين إسرائيل والتنظيم الشيعي، الذي يملك ترسانة هائلة تحوي حوالي 100 ألف صاروخ، موجهة تقريبا نحو كل نقطة وموقع عسكري واستراتيجي هام في إسرائيل.

وعلاوة على ذلك تنسب لإسرائيل عمليات اغتيال من الجو في هضبة الجولان السورية ـ تحمل اسما معدلا كـ «عمليات احباط» – لجهاد مغنية، وهو ابن عماد، وعدد من مساعديه، وجنرال إيراني ومعاونيه، ومؤخرا سمير القنطار. وقد أعدت هذه العمليات لاحباط مقاصد حزب الله، بتوجيه ورعاية من قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، بإنشاء بنية تحتية لتنفيذ عمليات إرهابية من الأراضي السورية ضد إسرائيل. وبالمناسبة، وخلافا لما نشر، فإن سليماني لم يصب أثناء إحدى زياراته الأخيرة لسوريا. وسبق للبنية هذه أن نفذت في الماضي عمليات زرع عبوات عدة على السياج الحدودي ضد دوريات من الجيش الإسرائيلي، وأطلقت صواريخ مضادة للدروع باتجاه دورية من الجيش الإسرائيلي في قرية الغجر، ما أدى إلى مقتل ضابط وجندي، وأطلقت صواريخ نحو موقع التزلج في جبل الشيخ ونحو مستوطنات أخرى في الهضبة.

وعمليا فإن إسرائيل تستغل الحرب الأهلية في سوريا وقد فتحت عمليا، كما يزعم، جبهة ثانية على الأرض السورية ضد حزب الله. ونصر الله، الذي خسر في ميادين القتال في سوريا حوالي ربع قوته العسكرية ـ بين قتيل وجريح ـ يمعن النظر محبطا وبعجز كاف في استراتيجية الغموض الجديدة لإسرائيل.