Archived: د. مأمون سيد عيسى: العبرات- دروس من تركيا

د. مأمون سيد عيسى: كلنا شركاء

الليلة المظلمة

ليلة عصيبة , صخرة فوق الصدر ,أتابع وقائع الانقلاب, يملئ جوارحي القلق والحزن , أهو الخوف على الثورة السورية وصديقها الأخير أم الخوف من فصل جديد للتغريبة السورية وما سيحمله القادم لملايين اللاجئين السوريين في تركيا من عذاب وألم و تشرد  جديد في أصقاع الغرب والشرق.

يذكرني بيان العسكر على التلفزيون التركي البارحة ببيانات انقلابي الخمسينات في سوريا( أيها الشعب العظيم لقد “تولينا السلطة من أجل الحفاظ على الديمقراطية وحقوق الإنسان)

قلت في نفسي يذكرني كلام العسكر هذا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بكلام البترونة عن الشرف, ستفقد تركيا الديمقراطية وكل ما يحترم الإنسان.

يعتصرني الألم وان اسأل عن مصير الطيب اردوغان مجدد الإسلام القادم على رأس هذا القرن و صاحب المشروع الأخير للحكم الإسلامي المستنير في هذه المنطقة,  بعده سينفجر خزان التطرف ويحرق لهيبه الجميع .

انه برنارد لويس يطل رأسه من جديد في المنطقة قائلا المسلمون لا يناسبهم سوى الديكتاتورية. ليكن هذا , بدئت الارتدادات, البارحة كانت في نيس

تركيا دولة ليست كغيرها إنها الرقم الصعب, مالكة زمام المنطقة وقائدة العالم الإسلامي,.استغرق الحدث قليلا من الساعات لكنه كان كثير العبرات,

دروس الانقلاب

الدرس الأول:

تعلمنا إحداث الأمس أن شرعية ومقومات البقاء في السلطة تنتفي ما لم تقم على قبول الناس ورضاهم بذلك و حين يختار الشعب مشروعه السياسي فإن الشعب هو من سيدافع عن هذا المشروع في المستقبل إذا تعرض هذا المشروع للأخطار ومنها الانقلاب عليه في المستقبل

أنها رسالة للقوى الإسلامية التي تفكر بفرض مشاريعها على سوريا وفق منهج حكم شمولي لا يسمح لأحد أن يعارضه أو يختلف معه كحال مشروع تنظيم الدولة و كذلك أصحاب المشاريع العلمانية في الحكم الذين يخططون لفرض مشاريعهم بالقوة والسطوة ودعم الغرب لمشروعهم في دولة علمانية كدولة السيسي فرعون مصر.

إن ماحدث ليلة البارحة درس كبير ولكنه متوقع, لقد شاهد الجميع انه من دافع عن اردوغان ومشروعه الإسلامي ضد الانقلابيين ليس الإسلاميين  وحدهم بل وجدنا المواطنين الأتراك على اختلاف مكوناتهم قد نزلوا إلى الشوارع وتحدوا حظر التجوال وحالة الطوارئ وتجمعوا في الساحات الرئيسية في عموم المدن التركية ووقفوا بأجسادهم إمام الدبابات واقتحموا كثيرا من مقار الانقلابيين ومنهم من قتل في سبيل ذلك

لقداجتمع أنصار الحزب الحاكم و المعارضة ، التركي و الكردي و العربي، كان هتافاتهم تصل عنان السماء : لا لحكم العسكر .

أما قادة أحزاب المعارضة الخصوم التقليديين لحزب العدالة فقد أعلنوا عدم السماح للانقلابيين بتمرير مخططهم الفاشي بعرقلة الديمقراطية و حجز الحريات. كذلك وقف معظم قواد الجيش و أعلنوا ولاءهم للرئيس و الحكومة بلا قيد و لا شرط.

هذا درس عملي في كسب العقول والقلوب الجماهير إنها حصيلة عشر سنوات من العمل الدؤوب لحزب العدالة وعلى رأسه اردوغان فهل من مستفيد.

الدرس الثاني : الاقتصاد والأخلاق

لقد كان النجاح الاقتصادي أحد الركائز المهمة في مشروع اردوغان , تغيرت حياة المواطن التركي خاصة الفئات الفقيرة والمتوسطة بشكل قوي وارتفع دخل الفرد التركي ثلاث أضعاف وانخفضت نسبة الباحثين عن العمل من 38% إلى 2%  بفضل السياسات الاقتصادية الحكيمة لحزب العدالة والتي كان أهم ركائزها المحافظة على موارد الدولة و محاصرة الفساد الذي كان مستشريا كالهشيم في جسد الدولة التركية

لقد قارب متوسط دخل المواطن التركي السنوي أحدى عشر ألف من الدولارات وفاق مثيلاته في العديد من الدول الأوروبية ,لقد قلل هذا التغيير بشكل كبير مطالبة الشعب التركي بالانضمام للاتحاد الأوروبي وساهم باعتقادنا في نمو منظومة القيم لديه وقد شاهدت في إحدى مدن شمال تركيا البضائع في أمكنة البازار تترك ليلا بدون أي حارس أو رقيب ليأتي أصحابها اليوم التالي ويقوموا ببيعها بدون أن يمسها احد.

ان ما سبق يعد درسا مهما لكل القوى السياسية في سوريا على مختلف اتجاهاتها كي تعرف أنه في كل زمان ومكان أن الاقتصاد هو العامل الأساسي في كسب تأييد الجماهير

وانه عندما يبني الحاكم دولة حضارية عادلة آمنة يتمتع مواطنيها بخيرات الأرض من غير احتكار ولا هيمنة وتحفظ كرامتهم وتحقق لهم الاستقرار الاقتصادي, دولة عصرية ذات اقتصاد قوي يعيش مواطنيها بسعادة ورفاه ,فيوم الخطب سوف يدافعوا عنها بكل ما لديهم من قوة كما دافع المواطنين الأتراك البارحة عن حكم اردوغان في محنة الانقلاب.

الدرس الثالث:المهارة السياسية

مدرسة حزب العدالة

سيكون ما حدث البارحة درسا كبير للقوى السياسية في سوريا العلمانية منها و الإسلامية في أهمية المنهج السياسي الاحترافي والسليم لحاضر ومستقبل البلاد ومستقبل تلك القوى ويجب أن تكون تجربة حزب العدالة مدرسة في السياسة ليس للحكم القادم في سوريا بل لكل سياسي المنطقة

-لقد استطاع حزب العدالة في السنين السابقة تكريس انجازات سياسية كبيرة بعوامل أهمها:

أ- حسن استغلال عوامل القوة الشاملة التي تملكها الدولة التركية، بما في ذلك الموقع الجيوسياسي، وتاريخها في قيادة دولة الخلافة الإسلامية عبر حوالي خمسة قرونٍ من الزمان.

ب- حسن تقدير الموقف السياسي الإقليمي والدولي، ومدى حاجة مختلف الأطراف لتركيا ، كلٌّ فيما يخصه.

ج- حسن تعامله مع الخصوم والمرونة الكبيرة في سياساته والحرفية العالية في التخطيط

إن من أهم الاختبارات التي مرَّت بها حكومة حزب العدالة والتنمية التركي خلال الفترة الأخيرة، على مختلف المستويات الداخلية والخارجية،

1-التأمر عليها من قطبي العالم روسيا والولايات المتحدة نتيجة مواقفها المبدئية والأخلاقية من القضية السورية وقد وجدنا بيان السفارة الأميركية بعد ساعات من الانقلاب يعتبر أن ما يجري في تركيا انتفاضة أو ثورة، دون أن يشير إلى وجود انقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة أما روسيا فلا تتسع الكتب للحديث عن تأمرها.

2-من هذه الاختبارات التعامل السياسي والتدريجي مع موضوع السماح بالحجاب والذي وصل النجاح فيه لدرجة ان حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض وافق على منح عضوية حزبه لمحجبات

3-في القضية الكردية كانت الانجازات الكبيرة في هذا الملف المهم أهمها تحسين علاقة الحكومة  مع الأطراف الكردية ومنها الاعتراف بحكومة إقليم كردستان العراق وفتح البرلمان للأحزاب الكردية وتحسين حقوق الأكراد  بما شمله ذلك من إقامة محطات تليفزيونية ناطقة باللغة التركية.وكذلك تحسين مستوى معيشتهم

4- التحول الكبير الذي تم انجازه في المؤسسة العسكرية حيث تحول الجيش من حام صلب للعلمانية إلى مدافع عن المواطنين الأتراك وكيان الدولة و الديمقراطية والحياة السياسية .

لقد تحول من عدائه لكل ما هو إسلامي إلى مدافع عن هذا المشروع في وقوفه مع حكم حزب العدالة الإسلامي في محاولة الانقلاب عليه الأمس

فبعد أن وجدنا في الماضي تورط هذا  الجيش في عدة انقلابات عسكرية أهمها عندما أطاح بحكومتين لهما توجهات إسلامية هما حكومة اربكان وحكومة عدنان مندريس الذي تم إعدامه حينذاك

لقد شهدت علاقات الجيش مع المجال السياسي تحولا مفصليا بعد مجيء حكومة أردوغان التي أدخلت تعديلات جوهرية على دور الجيش، أهمها إخضاع تصرفات الجيش لمراقبة البرلمان.و تقليص عدد العسكر داخل مجلس الأمن القومي إلى خمسة مقابل تسعة مدنيين. وكان لهذا الأثر الكبير في التحولات التي تحدثنا عنها.

مهارات العمل السياسي

يمكننا أن نستخلص مما سبق درسا لسياسي المعارضة السورية وهو ضرورة أن يتقنوا مهارات العمل السياسي وفنونه وان يمرنوا أنفسهم على النفس الطويل، المرونة، الخبرة  والحكمة في الفعل وتحليل الواقع وصناعة الرأي العام وبناء البرامج السياسية وأصول تنمية الموارد العلم بالمجتمعات ورصد الظواهر فيها والتعرف على الثقافات داخل المجتمع، لمعرفة كيفية إحداث التغيير نحو الأفضل، وكذلك دراسة  ظاهرة صعود وهبوط الحضارات وتجارب الثورات في دول العالم ، والتعرف على التجارب الإنسانية، والاهتمام بالعلوم الاقتصادية، والتعمق في علوم حقوق الإنسان وقضايا الحريات والاهتمام بالقوانين الدولية

الدرس الرابع : أردوغان – الكاريزما

تعد الكاريزما لدى القائد السياسي أمرا مهما فقد وجدنا أن كاريزما ارودغان كانت عاملا مهما في نجاحه وشعبيته لقد جعلته يستحوذ على القلوب قبل العقول لقد جمع اردوغان مع روعة البيان دهاء سياسيا و نجاحا إداريا وموهبة فريدة من نوعها في فن الخطابة فهو يتحدث لغة محببة تتدفق الكلمات من شفتيه بسلاسة عجيبة دون تلعثم أو توقف أخذا بالألباب ، إذا تحدث يستمع إليه المحب و المبغض منبهرا ببلاغته و روعة بيانه ويجمع المراقبون أنه لم يأت سياسي يتحدث بمثل بلاغته ربما منذ مائة عام

هذا القائد يجب ان نبحث عنه في المعارضة السورية فنحن في الثورة السورية  نفتقد بشكل كبير لتلك الشخصية السياسية صاحبة الكاريزما والحضور

الدرس الخامس و الأخير:إلغاء القائد المقدس

لم يهتف المتظاهرون الذين دافعوا عن حكم اردوغان ليلة البارحة بالروح والدم نفديك اردوغان , لم يكن يحملون صوره  بل حملوا علم البلاد .

لم يضعوه في الهالة والتقديس كحال أل الأسد وغيره من القادة العرب رغم انجازاته التي تقارب المعجزات.

لم يطلب كغيره أن يعتبره شعبه القائد الملهم الذي يفهم بكل شيء وله الفضل في كل شيء وانه المعلم الأول والقاضي الأول وانه يوسف في الحسن وصلاح الدين في البطولة

لم ينسب اردوغان لشخصه انجاز فيما تحدثنا به ولم نجد صوره في مظاهرات التأييد بعد فشل الانقلاب ونادرا ما نجد صورته معلقة في الشوارع والمقار الحكومية في تركيا التي دخلناها.

اردوغان مدرسة  لكل زعيم أو سياسي ليس في سوريا بل في العالم حاضرا وفي المستقبل لا يغيب عن بالنا ذلك أبدا

اقرأ:

د مأمون سيد عيسى: معركة الساحل بين الأنفال واليرموك..المشهد قبل الأخير