النزوح السوري إلى لبنان في سياق جدل الكيان والهوية

كلنا شركاء: بهاء أبو كروم- الحياة

بلغ النـــزوح السوري إلى لبنان أرقاماً ذات دلالة، شكلت المادة الرئيسية لطرح المسؤولين اللبنانيين الأمر أمام المنتديات الدولية من زاوية الخوف على التوازن الداخلي، منطلقين من وجود ما يقارب مليوني نازح ولاجئ في بلد يتشكل عدد سكانه من 4 ملايين نسمة تقريباً. فالرقم في حد ذاته، في حال صحّته، هو سابقة لما يشكله من ثقل على اللبنانيين. وهذا ما يفسح المجال أمام جدل داخلي حول انعكاس أزمة النازحين السوريين على الكيان، وبالتالي ينقل القضية من مستوى المعطيات المادية والآثار الاقتصادية الاجتماعية إلى مستوى آخر يستوجب التطرُّق إلى الخلفيات التي تتحكم بردود الفعل الشعبية والرسمية.

فالعقل اللبناني العميق، غالباً ما يربط بين ديمومة الهوية والكيان من جهة، والتوازن بين الفئات التي تتشكل منها صيغة التعايش الإسلامي- المسيحي من جهة ثانية، وبهذا المعنى فالحفاظ على التوازن الديموغرافي هو الأساس في الحفاظ على الصيغة. من هنا، تتشكل عناصر خوف بعض اللبنانيين من المس بالمعادلة العددية، على رغم الضمانات والتطمينات التي أقرها اتفاق الطائف عبر اعتماد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بغض النظر عن التحولات اللاحقة في المعطيات الديموغرافية. من هنا، يمكن قراءة الموقف التلقائي لرد فعل هؤلاء على أي دفق ديموغرافي يتجه نحو لبنان، خصوصاً إذا بلغ أرقاماً ذات دلالة، أو إذا اتخذ طابعاً طائفياً مُحدداً.

بهذه الخلفية تم التعاطي مع اللاجئين الفلسطينيين الذين يُحرمون من حقوقهم الأساسية بذريعة منع توطينهم في لبنان، في ارتباط مُفترض يوازي سلباً بين الهواجس والحقوق. وكما يُستنسخ الموقف ذاته تجاه النازحين السوريين، كذلك يُضاف إليه الهاجس من التحولات الجيوسياسية الجارية في سورية، والتي تُصنف مجتمع النازحين إلى لبنان وتضعه في خانة غير القادر على العودة إلا في ظل حماية دولية مضمونة.

وحتى إذا تم الإقرار بالخوف من تحوّل النزوح إلى واقع مستدام، فذلك لا يُبرّر معالجة الأمر عبر الانتقاص من حقوق اللاجئين، أو عبر إظهارهم مُهدّدين للكيان أو الصيغة، أو باعتماد المقاربة الأمنية في التعاطي معهم.

إن ما يُحصّن عملية الفهم المشترك لطبيعة الأزمة مسألتان، الأولى، غياب المشروع السياسي للنازحين السوريين في الداخل اللبناني، والثانية، غياب المشروع السياسي لأطراف لبنانية تهدف إلى استثمار الوجود السوري في التوازن الداخلي سياسياً أو ديموغرافياً.

هذا لا يعني أن ليس هناك مخاوف جدية تتأتى من النزاع الإقليمي، وهنا يمكن الإشارة إلى التحولات الديموغرافية والخرائط التي تنشأ على هامش الحرب في سورية، والتي تهدد الجغرافيا السياسية في كل المنطقة.

كذلك، فعندما يُحكى عن أكثر من 5 ملايين سوري لجأوا إلى دول جوار سورية وعدد آخر إلى دول بعيدة، وأرقام مماثلة للنازحين داخلياً، وأعداد كبيرة بين قتلى ومفقودين ومعتقلين، فإن المعادلة التي يجب اعتمادها للتعبير عن خوف اللبنانيين، هي تلك التي تقول أن التوجُّه الذي آذى وشرّد من السوريين ما يُعادل ضعفي عدد اللبنانيين، غير آبه بكل تلك المعاناة، هو الذي يهدد كيان لبنان وهويته، وليس النازح الذي جاء إلى لبنان يبحث عن الأمان لعائلته وأطفاله.

ولا بد من إيراد بعض الملاحظات في واقع العلاقات بين الشعبين اللبناني والسوري:

أولاً: إن ما هو قائم حالياً بين لبنان وسورية أكثر تعقيداً بكثير من مسألة النزوح، ولا بد من التساؤل عمّا سيؤول إليه هذا التدخل اللبناني الذي يجري على أرض سورية، وهذا القدر من التحكم بقضايا استراتيجية وتغيّرات عسكرية وديموغرافية وبالقرارات إلى حد بعيد، وبالتالي لا بد من السؤال عمّا يُكنّه المواطن السوري للبنانيين على هذا المستوى. طبعاً، هذه محاولة للتدليل على أن هناك بالتوازي انفعالات تجري وتتراكم تجاه اللبنانيين في الأراضي السورية.

ثانياً: الحاجة إلى إظهار توجُّه لبناني حاضن للنازحين، بالمعنى الثقافي والأخوي، هي مسألة استراتيجية للبنان تكفل الحفاظ على علاقات جيدة بين الشعبين وتضمن لعب لبنان دوراً موزوناً في مستقبل سورية، ودوراً يعيد إحياء اقتصاد لبنان، لا سيما في موضوع إعادة الإعمار.

ثالثاً: تعايشت الديموقراطية اللبنانية بصعوبة بالغة مع نماذج من أنظمة حكم مختلفة في سورية، كان أشدّها تأثيراً نظام عائلة الأسد، وهذا الأمر ليس جديداً. واستقرار الديموقراطية اللبنانية حالياً في ظل الحرب السورية، يجب أن يبقى هدفاً استراتيجياً للبنانيين. من هذه الزاوية فقط يمكن النظر إلى التفاوت في التوجهات الداخلية تجاه مسألة النزوح السوري، شأنها في ذلك شأن التوجهات المتفاوتة التي تنشأ في دول أوروبا تجاه قضايا اللجوء والهجرة والاندماج، لا أكثر.

يفتقد لبنان إلى كثير من الأمور التي يمكن أن تساعده في تصليب موقفه لمواجهة هذا النوع من التحديات، وتزيد من ثقة المجتمع الدولي ومؤسساته بقدرة لبنان على التصدي لأزمة النزوح. ولقد اتخذت حكومة الرئيس سعد الحريري قراراً جريئاً بإنشاء وزارة دولة لشؤون النازحين، ونجحت في التقريب بين التوجهات المتفاوتة للوزارات والأطراف تجاه هذه المسألة، وخرجت بخطاب موحّد في مؤتمر بروكسل بهدف معالجة الأثر الاقتصادي، لكن ذلك كله لا ينفي التفاوت في تقدير حجم المشكلة وتداعياتها الداخلية.

وتزايدت دوافع انتقال البشر والجماعات بين البلدان، وغالبيتها تتعلق بالبحث عن أمان سياسي أو اقتصادي أو أمني وثقافي أحياناً، ذلك يفترض بلبنان بناء سياسات وطنية وتشريعات تتعلق بالهجرة واللجوء والجنسية والاندماج الثقافي والتنمية، فما هو قائم كارثي، إذ يغيب تعريف اللاجئ عن القوانين، وتغيب سياسات الحد من هجرة اللبنانيين إلى الخارج، ويعود قانون الجنسية اللبناني الى العام 1925، وتعاني المرأة نتيجة حرمانها من إعطاء الجنسية لأطفالها، حتى قانون استعادة الجنسية الذي أقره البرلمان عام 2015 حوى تمييزاً عنصرياً لناحية حرمان الذين كانوا «ضمن تابعية إحدى الدول التي انفصلت عن الدولة العثمانية» من حق إعادة اكتساب الجنسية اللبنانية. لم يعد هناك دولة في العالم في منأى عن تداعيات اللجوء والهجرة. فالتحدي الرئيسي في هذا العصر يكمن في القدرة على إدارة التعددية. وهذا تحدٍّ رئيسي قائم في لبنان فيما نشهد بعض مظاهر التطرّف والانعزال والشمولية بفعل العقل الانغلاقي الذي يهدف إلى مجتمعات نسقية، في وقت يذهب العالم باتجاه التعدُّد والاختلاط والاندماج والتواصل.

صحيح أن لبنان ليس بلد توطين، ولا بلد لجوء، إنما لديه أكثر من عدد اللبنانيين المقيمين فيه مهاجرون ومغتربون يعيشون في بلاد ثانية، ولبنان هو بلد مُصدّر للهجرة، وهذا الأمر لا بد أن يعكس نفسه على الأداء الثقافي للبنانيين وعلى ردّات فعلهم التي تتعلق بأسباب ودوافع انتقال الناس لسبب من الأسباب، وتحكم أطر التعاطي مع أزمات من هذا النوع.