on
رامي زين الدين: بين (لندستان) ولندن.. مسلمو بريطانيا من الإدانة إلى المظلومية
رامي زين الدين: كلنا شركاء
تعيش بريطانيا حالة من التوتّر والصدمة تحت وقع حوادث العنف ذات الخلفية “الراديكالية”، إذ لم تكد تُحصي السلطات أعداد ضحايا الحريق الذي شبّ في أحد الأبراج السكنية بلندن وراح ضحيته العشرات غالبيتهم من المسلمين، حتى تعرّض عدد من المصلين للدهس بعد انتهائهم من أداء صلاة التراويح في أحد المساجد شمالي العاصمة، كما أصيب أحدهم بطعنات سكين من قبل مسلح كان يستقل السيارة التي دهست المصلّين.
قبل أيام فقط كانت عبارات “شكراً رمضان.. شكراً للمسلمين” تتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي في بريطانيا. قد لا يتخيّل المرء أن هذه العبارات أُطلقت للتعبير عن الامتنان للمسلمين!، كيف لا وقبل شهر من الآن شهدت البلاد عمليتين إرهابيتين خلفتا عشرات القتلى والجرحى ونفذهما متشددون إسلاميون.
في فجر الـ 13 من يونيو/حزيران الفائت وبينما كان عدد من الشبان المسلمين يتناولون السحور استعداداً ليوم رمضاني طويل، اندلع حريق في أحدِ الأبراج السكنية في لندن، فهرع الشبان الذين كانوا أول من انتبه إلى الحريق وبدؤوا بطرق الأبواب وإيقاظ الناس لمغادرة المبنى، واستطاعوا إخلاء الكثير من السكان قبل أن تحضر قوى الدفاع المدني وتكمل المهمة.
يقطن البرج بحسب وسائل الإعلام مئات المهاجرين من مسلمين ومسيحيين. السلطات أعلنت مقتل وإصابة العشرات، وظهر البرج في الصور التي نُشرت وهو موشّح بالسواد بعد أن طالت الحرائق معظم أركانه وعرّضته لأضرار كبيرة.
أشادت شرطة لندن بالدور الشجاع الذي لعبه الشبان المسلمون في إنقاذ العائلات، كما عزى الكثيرون الفضل إلى شهر رمضان فلولا الاستيقاظ للسحور وأداء صلاة الفجر لما كان انتبه أحدٌ للحريق، وهكذا أصبح المسلمون أبطالاً يشار إليهم بالبنان، بعد أن كانوا قبل أيام مدانين بـ”الإرهاب”، فقط لأن قلّة منهم تعتقد أنها تعيش بين ظهراني “الكفار”.
“إنه الإسلام الحقيقي”.. هكذا قالت امرأة ناجية عبر شاشة إحدى القنوات، في إشادة بدور الشبان الذين كانوا أول من هبّ للنجدة. وأضافت أخرى بعبارات مستاءة “لا يرون من المسلمين إلا الأعمال الشريرة.. انظروا لولاهم لكنا في خبر كان”.. وفي مقابلة متلفزة قال سامر درويش خطيب مسجد المنار في لندن_ الذي تحول لمأوى يقدم الدعم والمساعدة للمتضررين من الحريق_ إنّ هذه الحادثة تسهم بشكل كبير في تحسين صورة المسلمين ومواجهة مشاعر “الإسلاموفوبيا” المتنامية، واعتبر درويش أن ذلك يؤكد على تبنّي غالبية المسلمين لقيم التعايش والمواطنة حيث لم يفكّر الشبان عندما ركضوا لنجدة العالقين في البرج إلى هوية سكانه الذين منهم المسلم والمسيحي والملحد”.. كلمات درويش قلّما نسمعها من رجال الدين والدعاة المسلمين وبالتحديد ذكره للملحدين كبشر تجمعهم مع غيرهم قيم الإنسانية والمواطنة.
وأمام الاعتداءات التي يتعرّض لها المسلمون، ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا بدّ من التنويه إلى بعض الحقائق عن مسلمي بريطانيا، حيث يشكّل المسلمون بحسب دراسة حديثة أجرتها جامعة سانت ماري 4% من إجمالي عدد السكان، في حين يشكّل المسيحيون 43%، فيما أشارت الدراسة إلى أن 48% من سكان بريطانيا بدون ديانة.
ويزيد عدد المسلمين على ثلاثة ملايين بحسب أرقام مكتب الإحصاء البريطاني، وربما سيصدم البعض إذا ما عرف أنّ أعداد المساجد والمراكز الإسلامية مرشحة لأن تزيد على أعداد الكنائس. هناك أكثر من ألف مسجد في عموم البلاد منها حوالي 500 في لندن فقط، وكثيراً ما أشارت الصحف البريطانية إلى أنّ أعداد مرتادي المساجد أضعاف المسيحيين الذين يرتادون الكنائس، كما تنتشر ظاهرة بيع الكنائس بشدّة في عموم أوروبا. مؤخراً تداول رواد مواقع التواصل مقطعاً مصوراً لمواطن خليجي وهو يقيم الآذان لأول مرة في مسجده الجديد الذي كان كنيسة قبل أن يشتريه.
لطالما عُرفت لندن بأنها جنّة الإسلاميين. مئات المتشددين هاجروا إليها خلال العقود الماضية إثر تعرضهم للملاحقة والنفي من بلدانهم، ولعلّ أشهرهم أبو حمزة المصري الذي خضع لمحاكمات عديدة بتهم تتعلّق بالتحريض الديني والدعوة إلى العنف. استقبال لندن للإسلاميين لقي انتقادات شديدة من شريحة واسعة إلى درجة إطلاق اسم “لندستان” على مدينة الضباب.
وعلى النقيض من ذلك كان لبعض المسلمين حضورٌ بارزٌ في الحياة السياسية البريطانية ومنهم عمدة لندن الحالي صادق خان (47 عاماً) وهو باكستاني الأصل.
وبرغم انفتاح بريطانيا على الإسلاميين بيدَ أن لذلك أوجهٌ سلبيةٌ أيضاً، حيث تبثّ من أراضيها العديد من القنوات التلفزيونية ذات الخطاب الطائفي البغيض. قناة “فدك” التي يديرها رجل الدين الشيعي ياسر حبيب أبرز المنابر التي تطلق سموماً طائفية، جدير بالذكر أن مقرّ قناة فدك كان عبارة عن كنيسة في قرية فولما بمقاطعة باكينغهام اشتراها ياسر حبيب المدعوم من “هيئة خدّام المهدي” بمبلغ يزيد على مليون جنيه استرليني. وكذلك تبثّ من لندن قناة “وصال فارسي” وهي منبر إعلامي سنّي يديره الداعية المتطرّف أبو منتصر البلوشي. وقد أثار وثائقي لقناة “بي بي سي عربي” بعنوان “أثير الكراهية” هذه المسألة الإشكالية وطرح تساؤلات مهمّة عن الضوابط التي تُعتمد في مواجهة فوضى المنابر المعروفة بالتشدد ونشر الفتن.
في عام 2015 نظم المجلس الإسلامي في بريطانيا مبادرة تقوم على فتح أبواب أكثر من 20 مسجد أمام غير المسلمين. الكثير من المسيحيين واللادينيين لبّوا الدعوة التي هدفت آنذاك إلى تصحيح بعض التصورات السلبية عن المسلمين بعد هجمات إرهابية ضربت مناطق عدّة في أوروبا ولاسيّما فرنسا. واليوم يبدو المشهد مختلفاً. مسلمو بريطانيا في موقع “المظلومية” بعد أن كانوا لفترات طويلة في موقع الإدانة.
بين أقلية تصرّ على تعكير صفو التعايش الديني، وأكثرية خائفة تلفّها هواجس الحاضر والمستقبل، ثمّة من يخرق ضباب المدينة الباردة ليقول: ها نحن مسلمون، لكننا مواطنون أيضاً.
Tags: محرر