on
رامي زين الدين: (مشهد فرنسي).. لا نراه على الشاشات العربية!
رامي زين الدين: كلنا شركاء
جذبت المناظرة التلفزيونية بين المرشحّين للرئاسة الفرنسية اليساري إيمانويل ماكرون واليمينية مارين لوبان، وسائل الإعلام العربية العالمية، حيث تسبق تلك المناظرة الجولة الثانية والحاسمة من انتخابات الوصول للإيليزيه. وفي الوقت الذي كانت فيه أنظار الفرنسيين تتوجه لمتابعة ما في جعبة الطرفين، كانت أنظارٌ أخرى تراقب، بأسىً وحسرة، ذلك المشهد الغائب عن الشاشات العربية، المشهد الذي يختصر حكاية الألم السوري، حكاية الحلم، المنطلق والمبتغى.
في الحقيقة، ما يثير الإعجاب في تلك المناظرة، بالنسبة لأي مشاهد عربي، بعيداً عن اهتمامات الفرنسيين وصراع اليمين واليسار، هو المشهد الحضاري الذي يعكس ديمقراطية فرنسا وتبنّي أحزابها العمل السياسي كوسيلة للمواجهة والمنافسة بين بعضها البعض، فها هو ماكرون اليساري يواجه لوبان اليمينية المتطرفّة، كلاهما يجلس مقابل الآخر، على طاولة المناظرة، لا في أرض المعركة، وكلاهما يستخدم الحوار لمواجهة خصمه لا السلاح لقتله، وبدل أن تكون جعبتيهما مليئة بالذخيرة، تبدو مليئة ببرامج وخطط تعِدُ المواطن الفرنسي بحياة أفضل، وكانت منافستهما كلاماً يخرج من الأفواه، لا رصاصاً ينطلق من البنادق، تلك الكلمات التي وإن اتصفت بالناريّة والمستفزّة، بيدَ أنها لا تُسيل الدماء ولا تفجّر الرؤوس ولا تبقر البطون.. إنها ثقافة الحوار، الغائبة تماماً عن مجتمعاتنا وصراعاتنا السياسية الداخلية.
لم تأتِ ثقافة الحوار لدى الشعوب الأوروبية من العدم، كما لم تنشأ قيم التعدّدية والديمقراطية من الفراغ، إنما هي محصّلة سنوات طويلة من النضال الوطني، وتحديداً جهود النخب الواعية التي رسمت الطريق، ونشرت الوعي بأنّ الانتماء للأوطان هو طريق النهوض والارتقاء والتقدّم، وأن الإيمان بثقافة الاختلاف هو ضمانة السلام الداخلي والسلم الأهلي.
تخيّلوا لو أنّ ماكرون ولوبان في سوريا أو في إحدى الدول العربية التي تنهشها الحرب، كيف سيكون المشهد؟.. لا شكّ أن الدماء كانت ستكون لـ “الركب” كما يقول المثل الشعبي، إذ كيف يمكن لأطراف الصراع أو التيارات المتمايزة إيديولوجياً وفكرياً في سوريا مثلاً، أن تقبل مواجهة بعضها بالحوار، وهي في الفريق الواحدة متصارعة ومتقاتلة. كيف يمكن أن نرى اليساري والإسلامي على طاولة الحوار، والإسلاميون أنفسهم (أخوة المنهج) يهدرون دماء بعضهم البعض، على تفاصيلٍ تافهةٍ في المقايسس الوطنية، وليس استثناء النظام في هذه المعادلة إلا لبدهيّة انعدام أي أملٍ في إصلاحه.
المشهد الحضاري الذي صدّرته فرنسا عبر المناظرة التلفزيونية لمرشّحي الرئاسة، هو ما نأمله في سوريا المستقبل، سوريا الحلم. فلا نريد إقصاء أي تيار أو جهةٍ دينية أو قومية أو طائفية، كما لا نريد لوي ذراع من يرفع شعارات دينية طالما أنها لا تتعارض مع مصلحة الوطن ووحدة السوريين.
المرفوض في سوريا التي ننشد، هو كل من يرفع السلاح لفرض نفسه أو فكره بالقوّة، وعلينا أن نعي جميعاً أن طموح الأحزاب للوصول إلى السلطة ليس حراماً، إنما الحرام بالمفهوم الوطني، أن تصبح السلطة هدفاً بذاته تبرَّر أي وسيلةٍ للظفر به.
Tags: محرر