د. وليد البني: سوريا..هل نضجت الظروف لمبادرة أوربية للحل؟

د. وليد البني: كلنا شركاء

يجري الحديث كثيراً هذه الأيام عن مبادرة فرنسية قد يكون الرئيس ماكرون في صدد اعدادها تتعلق بحل سياسي ينهي الحرب السورية، بعد ان أصبح واضحا ان ما جرى في جنيف واستانا الى حد الان لم يكن أكثر من ذر للرماد بالعيون ريثما تستنفذ القوى الدولية والإقليمية المتورطة في هذه الحرب جميع مساعيها لمحاولة كسبها، وتقتنع بأن سوريا أهم بكثير من ان تتركها قوة دولية أو إقليمية لقمة سائغة في فم خصومها ويتأكد الجميع استمرار الحرب سيستنزف الجميع.

سواءً أعلنت ذلك أم لم تعلنه فإن روسيا بدأت تئن تحت وطأة التكلفة المالية والسياسية العالمية لحربها هذه، وبدأ القادة الروس يقتنعون ان الرهان على مافيا الأسد هو رهان خاسر ومكلف جدا وخاصة بعد التدخل العسكري الأمريكي المباشر على الأرض وبعد الرسالة التي وجهتها إدارة ترامب للروس والإيرانيين بعد مجزرة خان شيخون التي استخدم فيها الأسد السلاح الكيماوي ضد مدنيين آمنين.

بينما وجدت إيران نفسها في حرب مكلفة جدا بشريا وماليا، حيث فشل مرتزقتها العرب من لبنانيين وعراقيين في منع سقوط عميلها السوري مما اضطرها للتدخل مباشرة والقبول بالتشارك في الهيمنة على سوريا مع روسيا التي تختلف مصالحها وأهدافها في سوريا عن المصالح والأهداف الإيرانية وإن اضطرتهما الضرورة للتحالف منعا لهزيمة مشتركة تخرجهما من المنطقة نهائياً.

كما أن الأتراك قد خفضوا كثيرا من سقف توقعاتهم واكتشف أردوغان أن حلمه في استعادة مجد الإمبراطورية العثمانية من خلال دعم الإسلام السياسي في دول الربيع العربي وتمكينهم من الحلول محل الطغاة الساقطين أصبح بعيد المنال وقد أدى إلى هيمنة التكفيريين على المعارضة المسلحة في تلك الدول ، وأصبح جل ما يريده أردوغان اليوم هو الحفاظ على نظامه والأمن القومي لبلاده ومستوى معيشة شعبه الذي بدأ بالانخفاض بشكل ملحوظ مما يهدد بقاءه في السلطة، كما أصبح واضحا أن المعارضة السورية المدعومة خليجيا خرجت من المعادلة تماما كما النظام، نتيجة مصادرة حلفاء الطرفين لقرارهما وتهميشهما.

إذا قد يكون السيد ماكرون محقا وهو قد اختار الوقت المناسب فيما لو صحت الاخبار عن رغبته في إطلاق مبادرة فرنسية اوربية مفصلة لوقف الحرب السورية، مما يخدم هدفين اوربيين مُلحَّين، تكريس كافة الجهود لإرساء الاستقرار في المنطقة وإيقاف تدفق اللاجئين الذي أرهق أوربا، والتفرغ للحرب على التنظيمات التكفيرية التي زعزع ارهابها  أمن أوربا و كان نصيب فرنسا كبيرا من عملياتها الإرهابية .

ولكن ما هي احتمالات وشروط نجاح هكذا مبادرة؟

نجاح أي مبادرة أوروبية للحل في سوريا وبغض النظر عن البنود التي تحملها يتوقف على توافق روسي أمريكي على قبولها كنقطة انطلاق لابد منها، ومن ثم دعم عربي تركي لهذا التوافق، وأيضاً قدرتها على خلق الاستقرار في سوريا والمنطقة وتوحيد الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف، وهذا يتوقف بشكل كبير على مستوى العدالة والقدرة على المساعدة في إعادة إعمار ما هدمته هذه الحرب الذي ستقدمه للسوريين.

ولكن هل الظروف ناضجة لإمكانية توافق أمريكي روسي على حل ما في سوريا؟، برأيي هذا يتوقف على مدى الجدية الأمريكية في إقناع روسيا بأن استمرار حلفها مع إيران سيجعلها تخسر أكثر وطمأنتها في نفس الوقت أن سوريا المقبلة لن تكون معادية لروسيا ولمصالحها في المنطقة وهذا قد يتطلب رسائل أكثر حزما من الرسالة التي أراد ترامب توجيهها للآسد والروس والإيرانيين بعد جريمة خان شيخون قبل حوالي الشهرين، كما يتطلب وحدة أوروبية خلف المبادرة تهدد بعقوبات أكثر جدية في حال قام الروس بعرقلتها.

أما فيما يتعلق بالعدالة وقابلية التنفيذ فإن رفع تهديد أجهزة الأسد الأمنية عن رقاب الشعب السوري سيكون شرطا ضروريا لنجاح المبادرة في التأسيس لمرحلة انتقالية ناجحة تطمئن السوريين جميعهم، وتتيح عودة آمنة للاجئين والنازحين الى ديارهم والبدء بإعادة الاعمار، وهذا يتطلب برأيي تحويل المبادرة في حال حظيت بموافقة روسية أمريكية الى قرار أممي تحت الفصل السابع يُخَوّل قوة دولية متعددة الجنسيات فرض هذا الحل على رافضيه بالقوة و الاشراف على المرحلة الانتقالية ومساعدة السوريين على انجاز دستور عصري حيادي بعيد عن الطوائف والأديان والقوميات يؤسَّس على مبدأ المواطنة والحقوق المدنية المتساوية لجميع السوريين دون أي تمييز ومن ثم الاشراف على اول انتخابات حرة تمكن السوريين من اختيار حكامهم بإرادتهم الحرة دون خوف أو وجل.

أتمنى على النخب السورية الثقافية والاقتصادية والسياسية العمل على تشجيع فرنسا على اتخاذ هذه الخطوة ومحاولة التباحث مع الفرنسيين حول الشكل الأجدى لهذه المبادرة قبل إطلاقها، فقد تكون أملا لملايين السوريين في النجاة من الموت التشرد والمعاناة التي يعيشونها.





Tags: سلايد