on
رامي زين الدين: الحلم العربي.. من (المساكنة) إلى المواطنة!
رامي زين الدين: كلنا شركاء
يتداول الناس في بعض البلدان العربية مصطلح “المساكنة” للدلالة على العلاقات الجنسية التي تتم خارج إطار الزواج، حيث يلجأ شبان وفتيات يربطهم الحب أو الرغبة إلى التشارك في سكن واحد، وتشيع هذه الحالات بين الطلاب والطالبات الذين ينتقلون إلى المدن الكبرى للالتحاق بالجامعات التي لا تتوفّر في مناطقهم. وغالباً ما تكون هذه العلاقات سرّية وغير معلنة لأنها مرفوضة من المجتمع وتقع في حكم المحرمات والمحظورات.
ليست “المساكنة” لبّ الموضوع هنا، إنما هي المنطلق للحديث عن شكل العلاقة التي تجمع الإنسان العربي بسلطات الأمر الواقع التي تحكمه. إذ تتشابه تلك العلاقة مع “المساكنة”، لكن أي نوع من المساكنة يا ترى؟
تخاطب الأنظمة العربية شعوبها في كافّة المناسبات إن كانت “بطعمة أو بلا طعمة”، باستخدام مصطلحات من قبيل: أيها المواطنون والمواطنات، وبعض الأنظمة “المتقدّمة” على غيرها تضيف “منكهات” لتلطيف طعم خطاباتها حتى لا تكون ثقيلة على الأمعاء، كأن تقول: أيها المواطنون الشرفاء، والغرض اللغوي هنا للتمييز والدلالة وذلك لوجود مواطنين “غير شرفاء” بطبيعة الحال!.
تشير الدراسات المنشورة إلى وجود تعريفات عديدة للمواطنة، تمت صياغتها عبر سياق تاريخي مرتبط بتقدّم الأمم وانتقالها إلى أطوار أكثر عدالة وحريّة، لكنّ جميعها تصبّ في مفهوم أولي يعرَف المواطنة بأنّها علاقة تشاركية بين الفرد والدولة، تتضمّن مجموع واجبات على الأفراد الالتزام بها، ومجموعة من الحقوق على الدولة أن تصونها لمواطنيها.
كما تقوم المواطنة على عناصر ثلاثة رئيسية، المدني ويتضمن الحرية الفردية وحرية التعبير والاعتقاد والإيمان والحق في العدالة. فيما يتضمّن العنصر السياسي الحق في المشاركة في الحياة السياسية، بوصف المواطن عنصراً فاعلاً في السلطة، عبر اختيار ممثّليه بالبرلمان والاستفتاءات على القوانين والانتخابات وغير ذلك من مظاهر المشاركة في صنع القرار. والعنصر الاجتماعي ويعني تمتع المواطن بخدمات الرفاهية الاجتماعية، وحقّ التعليم، وحسن الرعاية الصحية.. الخ.
إذاً، هل نحن حقاً مواطنون كما تدّعي أجهزة الإعلام الرّسمية أم مجرّد سكان لا أكثر؟
بالنظر إلى الواقع العربي “الذي نحسد عليه”، يمكن القول أن الشعوب العربية في أحسن حالاتها ليست أكثر من مجموعات من السكّان تنتشر على بقاع معيّنة من الأرض،إن وجدت طبعاً. سكّان لم يرتقوا حتّى إلى درجة “المساكنة” التي برغم أنها علاقة محظورة ومشبوهة، في العرف السائد، لكنها تبقى قائمة على مشاعر حقيقية وصادقة، لا زائفة وكاذبة!.
وأما ما تروّجه أجهزة الإعلام الصارخة بـ”المصداقية”، ليسّ إلا محاولات لذرّ الرماد في العيون، لكن هيهات هيهات أن تنطلي هذه الأكاذيب بعد اليوم، في ظلّ الفضاء المفتوح والتدفّق الهائل للمعلومات، الذي، برغم فوضويته، لكنه يبقى وعاءً للمعرفة واستنارةً للعقول.
لا شكّ أنه من التجنّي والإجحاف مقاربة “المساكنة” كعلاقة عاطفية تقوم على حميمية متبادلة بين طرفين، بعلاقة الأنظمة مع شعوبها التي أقرب ما تكون إلى “المساكنة” بالاغتصاب والإكراه.
وقد يكون الحديث في الوقت الحالي عن إحقاق المواطنة في الدول العربية ضرباً من الخيال أو “الميتافيزيقا”، لكنّها مع ذلك تبقى استحقاقاً تاريخياً مرتقباً.. وحلماً عربياً منشوداً.
Tags: محرر