د. محمد أحمد الزعبي: مكافحة الإرهاب.. نعم… ولكن

د. محمد أحمد الزعبي: كلنا شركاء

باتت كلمة ” الإرهاب ” تمثل العنوان الرئيسي اليوم في معظم العلاقات والصراعات الدولية ، ولا سيما بعد أن تم تحويل  مقولة  ” العصابات المسلحة ”  التي  دمغ بها بشار الأسد آلوف الشباب السوريين والشابات السوريات الذين نزلوا إلى شوارع المدن السورية  بعد ١٨ آذار ٢٠١١ ، ليطالبوا  بالأصالة عن أنفسهم والنيابة عن آبائهم وأمهاتهم بحق الشعب السوري المشروع في  ” الحرية والكرامة ” اللتين  غيبهما نظام الأسد منذ استيلاء حافظ  ( الأب ) على السلطة في سوريا ، جزئيا عام  1963 وكلياً عام 1970  : 

فاحتلال روسيا لسوريا يأخذ مشروعيته من مكافحة الإرهاب،والاحتلال الإيراني لسوريا يأخذ مشروعيته بدوره من مكافحة الإرهاب، وسكوت الدول الكبرى على  تواجد  ” حزب الله” اللبناني في سوريا  ، فلأنه إنما جاء إلى سوريا من أجل مكافحة الإرهاب.

إن التواجد العسكري للدول الكبرى ، في سماء وأرض ومياه سوريا ، إنما هو من أجل مكافحة الإرهاب ،إن شراء السعودية أسلحة أمريكية ب ١١٠ مليارات دولار ، إنما هو من أجل مكافحة الإرهاب

إن المؤتمر العربي – الإسلامي الذي عقد  في الرياض بتاريخ ٢١ ماي  الفائت بحضور الرئيس ترامب ، إنما هو مؤتمر لمكافحة الإرهاب ، إن هجمة المملكة السعودية  وشركائها على إمارة قطر إنما هي ( الهجمة ) بسبب اتهام قطر بأنها متقاعسة في مكافحة الإرهاب ،   يستند الدفاع الأمريكي والأوروبي عن قطر ، إلى أنها – على العكس مما تتهم به  تقف معهم في مكافحة الإرهاب.

يقف العالم متفرجا وأخرساً أمام المجازرالوحشية والهمجية التي يرتكبها نظام بشار الأسد في سوريا ، وذلك تحت ذريعة أنه يقوم نيابة عنهم في مكافحة الإرهاب.

 إن سكوت  الدول المعروفة ب ” الديموقراطية ” على انقلاب عبد الفتاح السيسي العسكري على نظام محمد مرسي المدني و المنتخب إنما يعود إلى طرح السيسي نفسه لهم كشريك لهم في  مكافحة الإرهاب.

إن سكوت الدول الكبرى على التدخل العسكري المصري في ليبيا ، لدعم حفتر  ، إنما هو بسبب اعتقادهم بأن حفتر يشاركهم الرأي والموقف في مكافحة الإرهاب ،

إن سكوت الدول الكبرى عن الدور السلبي الذي يلعبه حفتر في إفشال اتفاق الصخيرات إنما يعود إلى اعتقادهم في أن حفتر يشاركهم الرأي والموقف في مكافحة الإرهاب ، 

إن سكوت بشار الأسد على الطائرات الإسرائيلية التي تسرح وتمرح في سماء عاصمة الأمويين إنما يعود لأنها شريكته وشريكة شركائه ، في مكافحة الإرهاب ( وهذا حسب ادعائه وادعاء شركائه) ، 

أن الأمثلة التي أتينا على ذكرها أعلاه  ، لاتدع مجالا للشك في ان مقولة ” مكافحة الإرهاب ” باتت  تمثل كلمة السر التي  تحكم العلاقات الدولية بعد قيام ثورات الربيع العربي  في مطلع عام ٢٠١١ ،  أي أنها باتت تمثل السلاح  النوعي الجديد بيد الثورات المضادة لثورات الربيع العربي  ، وبالتالي فقد باتت تمثل البديل السياسي والاجتماعي والأيديولوجي  لكل من  الديموقراطية وحقوق الإنسان  ولا سيما حقوق المرأة والطفل اللذين ( الديموقراطية وحقوق الإنسان )  كانا سابقا هما الناظم لهذه العلاقات . إن مقايضة النظام العالمي الجديد  ، مكافحةالإرهاب بالديموقراطية وحقوق الإنسان هو – بنظرنا – سقطة  أخلاقية لهذا النظام، بل وللمجتمع الدولي  كله ، ذلك المجتمع الذي وقف و يقف متفرجا  وساكتاً على  المجازر الجماعية التي  ترتكب هنا وهناك في عالم اليوم ، والتي ذهب ويذهب ضحيتها مئات ألوف الآطفال والنساء والشيوخ ، والتبرير الوحيد لهذا السكوت وهذا التفرج ، هو فقط كون القاتل والمجرم  يختبئ تحت عباءة  ” مكافحة الإرهاب ” .

إن  ” مكافحة الإرهاب  ” غير المقترنة بالقيم الأخلاقية و بالديموقراطية و بحقوق الإنسان ، وغير المقترنة بتعريف وتحديد علمي  دقيق لمفهوم  ” الإرهاب” ، إنما هي عملية زائفة  ، هذا إذا لم نقل مصطنعة ، الهدف منها سيطرة القوي على الضعيف ، واعتماد الكذب والتدليس في السياسة والسكوت عن الحق  ، وتسليط من يمتلك الآلة ( التكنولوجيا ) المتطورة على من لايملكها  .

مكافحة الإرهاب نعم ولكن بعد تحديد المفهوم العلمي الدقيق للإرهاب ، والذي بواسطته فقط  وفقط يمكن معرفة الإرهابي من غير الإرهابي في هذا العالم  ، وإلاّ فسينطبق على هذا النظام العالمي الجديد بمواقفه النظرية والعملية ، التي نراها بأم أعيننا اليوم ،  قول الشاعر .

                  قتل امرؤ في غابة جريمة لا تغتفر       وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر 

لقد بلغ عدد شهداء الثورة السورية المليون ، والذين أكثر من نصفهم من الأمهات والأطفال ، ومايزال مجلس الأمن الدولي ، و محكمة لاهاي ينتظران من هولوكست بشار وبوتن وولي الفقيه ، المزيد من الشهداء  والمزيد من الأطفال والأمهات .

إن التركيز على إرهاب داعش أمر صحيح ومشروع ، ولكن داعش  برأينا يمثل  ” الإرهاب الأصغر ”  أو ” العرض ” ( بفتح العين والراء )الذي يجب ألاً يحجب عنا ، أو ينسينا  ” الإرهاب الأكبر ” أو ” السبب ” الذي هو ” إرهاب الدولة ”  في كل من فلسطين وسوريا  ، والذي يقف واقعياً وراء  زرع وإنبات هذا الكائن الزيواني الغريب  ، الذي لاعلاقة له لابالعروبة ولا بالإسلام  .





Tags: محرر