حمزة رستناوي: المُشكل الطائفي… وقول على قول زياد أبو حمدان

حمزة رستناوي: كلنا شركاء

أولا- نص حمزة رستناوي

 دولة المُواطنة المتساوية المنشودة تقتضي لزوما اقتران العلمانية بالديمقراطية بحقوق الانسان.   إنّ تغليب الديمقراطية و اهمال العلمانية هو بمثابة جهل سياسي، أو حيلة تستخدمها قوى طائفية سنّية للوصول الى السلطة و اقامة نموذج ثيوقراطي ديني أو أوتوقراطي استبدادي قاصر للحكم. بينما تغليب العلمانية واهمال الديمقراطية وحقوق الانسان هو بمثابة جهل سياسي، أو حيلة تستخدمها قوى طائفية علوية أو مسيحية أو درزية أو اسماعيلية أو الحادية لإقامة نموذج أوتوقراطي استبدادي يؤجّل أو يعيد انتاج الصراعات الفئوية في المجتمع و الدولة

*

ثانيا- تعقيب زياد أبو حمدان 

في معرض الرد على ما اورده الدكتور حمزة رستناوي في ملاحظاته الاخيرة عن الديمقراطية والعلمانية، وأن قوى طائفية علوية او مسيحية او درزية …. لإقامة نموذج أوتوقراطي استبدادي  أقول: لا يوجد في تاريخنا القديم او الحديث محاولة إقامة دولة استبدادية من كل تلك الاقليات التي اوردتها كدليل على وجهة النظر المطروحة،  باستثناء الحكم الفئوي الأقلوي الذي تم استخدام العلويين فيه كواجهة لحكم فاسد مستبد ، حيّد طاقات المجتمع وكفاءاته ، وارتكز على تزاوج سلطة الضباط العلويين بالمال الدمشقي والحلبي السني. 

وأكثر من ذلك أن الدروز والمسيحيين والإسماعيليين كانوا ولازالوا بعيدين عن هكذا تجارب او ممارسات،  ومن غير الانصاف للتاريخ ان نشمل هؤلاء ونطلق عليهم عبارة جهل سياسي في غمرة وصفهم بفعل تخميني افتراضي لا علاقة له بالواقع ، ولا يجوز البناء عليه في عرض مبادئ او أفكار فلسفية تتحدث عن منطقتنا تحديداً.

وما ورد في الفقرة الاولى كلمة طائفية سنية …. أين حدث أن طائفة سنية تحايلت واستلمت السلطة وغلبّت الديمقراطية واهملت العلمانية  ؟؟ هل تقصد في تونس مثلاً.. لذا آمل التوضيح

*

ثالثا- تعقيب حمزة رستناوي

أ- ثمّة فرق كبير بين القول بوجود ” قوى طائفية علويّة أو قوى طائفية درزية أو قوى طائفية سنّية .. و هو ما ورد في نص المقال،  وبين القول بأل التعريف  أنّ ” العلويين أو الدروز أو السنّة .. جُهَّل سياسيا أو هم موصوفون بالجهل السياسي “. السبب في ذلك أن العبارة الأولى تصف برغماتية أو جهل  قوى طائفية بعينها ، بينما تصف العبارة الثانية  فئوية عقائدية سورية بأكملها.

ب- ضمن كل مجتمع و ضمن كل فئوية عقائدية في العالم – و ليس في سوريا فقط- توجد قوى حيويّة تميل نحو الانفتاح و تنشد أولويات الحياة والعدالة والحرية ، وبالمقابل يوجد قوى قصور تميل إلى الانغلاق ولا تلتزم بأولويات الحياة والعدل والحرية، مع الاشارة إلى أن الحيوية و القصور هي مفاهيم نسبية بحيث لا يصح الحديث عن قوى قاصرة بالمطلق أو قوى حيوية بالمطلق، بل الحديث عن قوى أكثر أو أقل حيوية من بعضها البعض أو قوى أكثر أو أقل قصورا من بعضها البعض ، وإنّ ديناميكية و نتائج الصراع ما بين القوى الحيوية و قوى القصور في أي مجتمع أو فئوية عقائدية هو الذي يحدد المنسوب الحيوي العام للكينونة الاجتماعية، وبناء على ذلك وبغض النظر عن معرفتنا التفصيلية بمجتمع معيّن أو فئوية عقائدية معيّنة – سواء أكانت دينية أو حتى غير دينية –  وسواء أكانت – علوية أو درزية أو سنّية أو الحادية أو هندوسية ..- يمكن توقُّع وجود هذا الصراع بين القوى الحيوية و قوى القصور، فهذا يدخل في سياق قنونه اجتماعية حيوية تعيشها كل كينونة اجتماعية ( نظرية المنطق الحيوي)

ت- تعبير قوى طائفية هو معادل موضوعي لقوى القصور ضمن أي فئوية عقائدية، وليس بالضرورة أن تكون هذه القوى حزب سياسي أو ميلشيا مسلّحة متعيّنة و ناجزة ، وليس بالضرورة أن تكون هذه القوى قد استملت الحكم بصفتها الطائفية السياسية ، و لكن يمكن تقصّي وجود هذه القوى في الانزياحات الاجتماعية السياسية و الشخصية ضمن كل فئوية عقائدية، وفي دوافع الاصطفاف السياسي لموالاة السلطة السورية ذات البعد العلمانوي الطائفي ، وكذلك دوافع الاصطفاف السياسي وموالاة المعارضة السورية – خاصة المسلّحة منها- والتي في معظمها حاليا ذات بعد اسلاموي طائفي أيضا.

ث- في ظل وجود الهيمنة القوية للسلطة السورية كدولة، تتبنّى رسميا إيديولوجيا شمولية بعثية قومية عربية تجرّم مجرد ذكر طوائف السوريين عقائديا ، سلطة متكاذبة ذات عصبية طائفية و ممارسات تصل الى درجة الابادة الجماعية ضد مجتمعات سورية سنّية ، من المُستبعد ظهور قوى سياسية- ضمن حدود سيطرتها – تعلن مشروعها الطائفي بشكل صريح بما يشمل الفئوية العلوية.

ج- أي سلطة استبدادية تستند بالضرورة على عصبيات عائلية أو عرقية أو طائفية أو.. الخ أو جميعها , إنّ طبيعة النُظم الاستبدادية لا تتوافق مع حيادها تجاه الفئويات الاجتماعية والعقائدية المختلفة ، لكونها – السلطة- تقوم أساسا على الولاء الأعمى ، وهي كذلك تقوم بزرع الخوف وعدم الثقة بين الفئويات الاجتماعية نفسها ، ومن ثمّ فالنُظم الاستبداديّة لا تأخذ بالنظرة الفردية لمواطنيها بمعزل عن انتماءاتهم الاجتماعية، ولذلك ليس بالمُستغرب على نظام استبدادي فاسد – كالنظام السوري – أن يتعاظم المُركّب الطائفي فيه، وخاصة عندما يمرّ بصراع يمس وجوده.

ح- الطبيعة الطائفية للنظام السوري” ليست طبيعة جوهرانيّة مطلقة، الأكثر دقّة هو القول بحضور البعد الطائفي للنظام السوري, كعصبية سياسية اجتماعية – بالمعنى الخلدوني-  تُعزِّز بقاء النظام ، وليس كإيديولوجيا رسمية تتبنّاها السلطة كما هو حال نظام ولاية الفقيه في ايران أو في نظام دولة طالبان أفغانستان  أو بعض أنظمة الخليج مثلا.

خ- للنظام السوري صفة مركّبة و يشتغل على شبكة ولاءات ليست عائلية فقط, وليست طائفية فقط, وليست اقتصادية فقط, وليست سياسية فقط. الطائفية هي صفة للنظام و السلطة الحاكمة وليس صفة للسوريين العلويين , كما أنّ الطائفيّة هي صفة لطيف واسع من المعارضة السياسية و المُسلحة  ضد النظام، وليست صفة للسوريين السنّة.

د- أي عقيدة دينية أو فئوية عقائدية قابلة للتشكّل سياسيا في بعد طائفي عنصري، بما يشمل العقائد التبشيرية كما في حال المسيحية والسنّية والشيعية ، أو العقائد غير التبشيرية كما في حالة اليهوديّة والعلوية  والدرزية مثلا، و الشكل الطائفي العنصري غالبا ما يأخذ شكل عصبية سياسية اجتماعية و ليس بالضرورة أن تكون متديّنة

– السلطة السورية لا تقوم على تزاوج الضباط العلويين بالمال السنّي الدمشقي و الحلبي، بل هي سلطة استبدادية ذات بعد عائلي طائفي علوي وازن ، تستثمر في الفساد، وعلاقة فئة التجار السنّة  الشوام والحلبيين بها هي علاقة ابتزاز وتبعية  وتقاسم مصالح الفساد، ومع استلام بشار الأسد للسلطة بدأت الدائرة العائلية المقربة منه تسحب البساط حتّى من تحت هؤلاء التجار، وفي ظاهرة ابتلاع الاقتصاد السوري من قبل رامي مخلوف وعائلة شاليش خير مثال.

ر- أشاركك الرأي بأنه لا يوجد ” طائفة سنّية تحايلت و استلمت السلطة ” و لكن يوجد قوى طائفية سنّية- و ليس الطائفة السنّية-  تسعى الى السلطة، تشترك في تحريمها أو رفضها للعلمانية و تستعيض عنها بالمدنية كمفهوم ملتبس، و هي تشجّع على الديمقراطية – وفق فهمها- باعتبارها حكم الأغلبية ..وهم يعتبرون أنفسهم أغلبية  دونما تمييز بين مفهوم الأغلبية السياسية و الأغلبية الطائفية الدينية.

ز- يفتخر النظام السوري بكونه “علماني و حامي الأقليات” ، وهو يحارب التطرف والارهاب السنّي، وفي مقابلة سابقة لاندلاع الثورة / الحرب السورية في شباط 2011 في حوار مع بشار الأسد قال ” الشعب السوري غير مؤهل للديمقراطية ” ، و أتفهّم تماما أنّ كثيرا من الصامتين أو مناصري النظام يناصرونه حفاظا على ” القيم الحداثية العلمانية ” والهامش الجيد نسبيا للحريات الاجتماعية ، وخوفا من تهديد قوى سلفية تسعى لصبغ المجتمع السوري بصبغتها القاصرة، حيث أنّ نموذج السلفي هو أكثر قصورا من نموذج النظام السوري نفسه.

س- يوجد رأي شائع عند  مثقفين سوريين ينتمون إلى أقليات دينية – غير سنية غير شيعية-  يقولون صراحة أو تلميحا بأنّ طائفتهم علمانيّة بطبيعتها، أو أنهم مجتمع متقدّم أكثر من الجوار السنّي ، أو أنّهم مؤهلين أكثر بسبب صلتهم القوية بالغرب الأمريكي الأوربي أو الشرق الروسي، و يصلحون كوكلاء ممكنين للقضاء على ” الارهاب السنّي “و تعبير الشعب العلوي مثلا ليس جديدا بل هو مذكور في وثائق سياسية تنتمي لحقبة الاستعمار الفرنسي في عقد الثلاثينات من القرن الماضي مثلا.

ش- من قرائن وجود بعد طائفي لفئوية الموحدين الدروز في الشكل العقائدي الاجتماعي , والى درجة أقل الشكل السياسي , نذكر التوزع الديمغرافي المتجانس  في أحياء أو بلدان خاصة بعينها, وضعف وجود صلات قرابة و تزاوج مع غير الموحدين الدروز , الاحتكام الى محاكم  خاصة في الأحوال الشخصية , طريقة التفاعل مع ما يجري في سوريا ، حيث نجد تأثير للخلفية العقائدية للموحدين الدروز على الموقف السياسي وهو تأثير قانوني و ليس بالضرورة ان يكون سلبيا , ويظهر تأثير الخلفية العقائدية الفئوية بقوة أكبر في حالة الفئوية السنّية والعلوية في المثال السوري ,بينما نجد تأثير الفئوية الدرزية ” الطائفة السياسية ” أكبر في بلد مجاور كلبنان مثلاً. كما ينبغي الاعتراف بميزة  أنّ الموحدين الدروز في سوريا لم يشكّلوا أحزابا  ذات صفة عقائدية دينية مقارنة بنظرائهم في لبنان مثلا, و لم يشهد التاريخ الحديث لسوريا بعد الاستقلال صراعات مع درزية وازنة، ولكنّ الانتماء إلى الطائفة – كبقية السوريين- يلعب دورا كبيرا في التفاعل تجاه المواقف الاجتماعية والسياسية لعدم وجود سياسات اندماج وطني ” ديمقراطية – علمانية ” ناجحة في سوريا. إنّ الموحدين الدروز السوريون – كغيرهم من السوريين- يتحوّون مصالح و صلاحيات الطائفة بدرجة تزيد أو تنقص, و لكنّهم ليسوا فقط طائفة, ولا يجوز اختزالهم بهذه الصفة.

ص- تفاعلت المجتمعات السورية للموحدين الدروز بشكل كبير نسبيا مع التيارات القومية العربية و الماركسية والليبرالية, وساهمت شخصيات سياسية سورية من أصل درزي في اغناء الوطنية و الحياة السياسية السورية خاصة في مرحلة الاستقلال و ما بعد الاستقلال 1946, نذكر منهم: السلطان باشا الأطرش ، وفي مسار الثورة السورية نذكر منتهى الأطرش- الشهيد خلدون زين الدين- بالإضافة الى مفكرين و مثقفين سوريين نذكر منهم جاد الكريم الجباعي والشهيد تامر العوام و ريما فليحان على سبيل المثال لا الحصر، كما ينبغي التنويه بحملات الاغاثة الانسانية لدعم اللاجئين في محافظة السويداء.  لقد شكّل سوريون مليشيات درزية بقيادة رجال الدين كما في حالة الشيخ المغدور وحيد البلعوس ، قد يكون ذلك لأغراض دفاعية, ولكنّ ذلك لا ينفي البعد العقائدي / الطائفي فيها, و ليس من الضرورة أن يأخذ البعد العقائدي الفئوي  سياسيا شكل مليشيات خاصة بالدروز, فقد يكون ذلك حاضرا عند فرد أو مجموعة منضوية تحت مليشيات جيش الدفاع الوطني ,أو جيش النظام السوري, وقد يكون حاضرا في جمعيات المجتمع الأهلي أو المدني الفاعلة سياسيا والمُعارضة للسلطة السورية كذلك, كل هذا في سياق حرب سورية شاملة ومشهد مركّب الطائفية السياسة هي أحد أبعاده الأساسية. 

ض-  تغليب البعد الديمقراطي على البعد العلماني يعرض لمصالح خلل و قصور، و كذلك تغليب البعد العلماني على البعد الديمقراطي تعرض لمصالح خلل و قصور، و لكن ينبغي تفهّم دوافع القوى السياسية التي تقول بذلك، فهي دوافع يختلط فيها التهديد والخوف على المستقبل من  الآخر بمصالح ضمان امتيازات حاضرة أو امتيازات سابقة تمَّ سلبها منهم.

ط- السياق العام لذكر الفئويات العقائدية للسوريين ( سنية – شيعية- علوية- درزية- مسيحية- اسماعيلية – الحادية ..” في النص أعلاه ليس كيل المديح أو الاتهام أو التفاضل فيما بينها ، و لكن النظر الى الصعوبات النظرية والعملية التي تواجه المشروع الوطني السوري ، مشروع المواطنة المتساوية ، مشروع سوريا علمانية ديمقراطية تحترم حقوق الانسان، و كيف تتظاهر و تتحوَّى الفئويات السورية المختلفة هذا المشروع ..ايجابا و سلبا.. والهدف هو اقامة عُرى وثيقة بين العلمانية و الديمقراطية ..بشكل يعدل بين السوريين بصفتهم أفرادا مواطنين و ليسوا جزء من قطيع طائفي أو قومي أو مناطقي أو قبلي

*زياد أبو حمدان : سياسي سوري معارض ، و قد جاء هذا الحوار على هامش ندوة ” في قصور الخطاب العلماني السوري – حمزة رستناوي ”  منتدى الجبل الثقافي- حزيران 2017