د. وليد البني: الفكر التكفيري سيهزم عسكرياً .. لكن ذلك لا يكفي

د. وليد البني: كلنا شركاء

جميع المؤشرات السياسية والعسكرية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي تشير الى أن داعش والقاعدة بتفرعاتها والفكر الذي تروجان له في طور الهزيمة, ليس فقط نتيجة الضربات التي يتعرضون لها من جهات وجيوش واساطيل جوية متعددة ولتوقف الدعم بالرجال والمال والسلاح بعد الرقابة الجدية والحزم الذي أظهره المجتمع الدولي حيال الدول والجهات التي تمولهم وتمدهم بالمقاتلين بعد سلسلة الاعمال الإرهابية التي ارتكبوها في شتى انحاء العالم  , وإنما أيضا نتيجة خسارتهم لأي تعاطف من  قبل الغالبية الساحقة ممن انخدعوا في البداية بشعاراتهم الجوفاء و تهيبوا قوتهم الهائلة  التي استطاعوا من خلالها تحقيق انتصارات سريعة في كل من العراق وسورية على جيوش منهارة وتعاني الترهل والفساد في كلا الدولتين الفاشلتين.

لقد خبر مئات الاف السوريين والعراقيين قسوة ومرارة العيش تحت حكم هذه التنظيمات وجربوا استهتارها بكراماتهم و حياتهم وحياة أبنائهم، شاهدوا بأعينهم عمليات قطع الرؤوس والجلد والرجم والصلب، واكتشفوا ان معظم قادة هذه التنظيمات يبحثون عن المال والسلطة والنساء، بينما يستغلون حماس بعض الشباب حديثي السن ويعملون على تضليلهم وارسالهم لينتحروا فأصبحوا يتمنون الخلاص منهم كيفما كان ، لذلك نجد ان قوات داعش تنهار بسرعة وتقوم بالانتقام من الأبرياء الذين تحت سيطرتها عند أول هجوم جدي تتعرض له من قوى منظمة ولديها التصميم على هزيمتها .

إن استمرار التصميم المحلي والإقليمي والدولي على انهاء هذه التنظيمات سوف يؤدي الى هزيمتها عسكريا بالتأكيد، ولكن التخلص من هذا الفكر نهائيا يحتاج الى أكثر من الهزيمة العسكرية، إنه يحتاج الى القضاء على مسببات نشوؤه من جديد يعد كل هزيمة عسكرية يتلقاها وهذه المسببات برأيي هي التالية:

-أنظمة الاستبداد القائمة في الكثير جدا من الدول العربية والإسلامية، والتي تستخدم مصادر دولها المالية لتثبيت سيطرتها على شعوبها عبر أجهزة أمنية ومخابراتية همها الأول قمع هذه الشعوب، بدل أن تستخدم هذه الأموال لتنمية مهارات شعوب المنطقة التي يشكل الشباب غالبية كبيرة فيها من خلال برامج دعم التعليم  وتعميمه  وفرض الزاميته وتطويره من خلال برامج حديثة تلغي التلقين و وتمنع التركيز على التعليم الديني الموجه لترسيخ الاستبداد ونشر كراهية الاخر , و أيضا لدعم الصحة  والتأمينات الاجتماعية وإنصاف المرأة وتشجيع التفكير الحر للشباب  و وتشجيع الاعلام والصحافة الحرة.

– تفضيل ما يسمى بالعالم الأول المتقدم أو العالم الحر التعامل مع حفنة مستبدين مستعدين لتنفيذ كل ما يُطلب منهم من صفقات ومواقف تخدم مصالح تلك الدول , مقابل عدم ازعاج هيمنتهم على شعوبهم وبالتالي شعور مجتمعاتهم الشابة بالغبن والعداء لهذا العالم, الأمر الذي يستغله التيار الديني المتطرف وأحيانا بالتعاون مع المستبد نفسه (أطلق نظام الأسد جميع المعتقلين التكفيريين من سجونه في بداية انتفاضة الشعب السوري , وتلقفتهم أنظمة وتنظيمات شبيهة لتمدهم بالمال والسلاح ) لتوجيه غضب وحنق هؤلاء الشباب الى العالم المتحضر بحجة انه يتآمر مع طواغيتهم الضعفاء والمنقادين له كي يستمروا باضطهادهم وقمعهم ( حتى لا يصحوا المارد الإسلامي  ويدمر هذا العالم الظالم كما يتم تلقينهم  وغسل أدمغتهم من قبل شيوخ الإرهاب والتطرف).

– عدم وجود برامج حقيقية لدى المجتمع الدولي والدول الغنية لدعم التعليم والقضاء على الأمية وتشجيع الانفتاح على الثقافات الأخرى في العالمين العربي والإسلامي، مقابل أموال طائلة يصرفها دعاة التطرف ومشايخ التكفير وبدعم من مؤسسات دينية غنية ومدعومة أحيانا من ميزانيات بعض دول المنطقة.

-أعتقد أن المجتمعات العربية والإسلامية تحتاج أكثر الى مشروع مارشال ثقافي اقتصادي دولي لتقويض الأسس الفكرية والمجتمعية للتطرف التي حاول ويحاول الاستبداد العسكري والعائلي الموروث و والتطرف الديني بالتعاون المتفق عليه أحيانا مع مشايخ السلاطين الجاهزين للإفتاء غب الطلب، أو تحالف المصلحة غير المعلن مع مشايخ التكفير ودعاة الانغلاق الثقافي والحضاري ترسيخها لتخويف الغرب والعالم  وشعوبهم بها والقول إن بديلهم الوحيد في منطقتنا هو الإرهاب والتطرف ودفع المجتمع الدولي لترسيخ انظمتهم المستبدة باعتبارها أهون الشرين.

إن هزيمة نهائية ودائمة للإرهاب والفكر التكفيري بالتوازي مع القضاء على الاستبداد والحكومات العائلية المافيوية في منطقتنا هي مصلحة وطنية سورية لابد للقوى الوطنية السورية أن تكون جزءً من الحرب عليهما معاً, وعلى الوطنيين السوريين وبغض النظر عن انتماءاتهم الدينية او الطائفية او القومية أو وجهة نظرهم السياسية أن يرفضوا أي تبريرات تعطي أولوية لمحاربة أحد طرفي هذه الكارثة( الاستبداد المافيوي و التطرف الديني) قبل الآخر , لأن مثل هذه التبريرات هي التي ساهمت في استمرار الطرفين في تدمير وطننا ورهنه للأجنبي واستمرار مأساة أهلنا وشعبنا طيلة السنوات الستة الماضية.