د. يحيى العريضي: الاستعمار الغبي

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

ليس صدفة ربما أن ترتبط صورة الروسي بصورة الدب، وما ذلك الإرتباط بسبب القرب من القطب الشمالي؛ فهناك مناطق موازية جغرافياً، ولكنها لم تنل شرف ذلك التوصيف؛ فليس هناك مثلاً “الدب الدنمركي” أو “الدب السويدي” أو “الدب الاسكيموي”. وما سبغ صفة “الدب” على إنسان بإشارة إلى ذكائه أو حسن تصرفه لجهة فعلٍ خيّر نابع من حكمة وطيب، أو فعل شر نابع من دهاء وخبث. إنه ببساطة إشارة إلى مخ دب تصرفه خبط عشواء يقوده خبيث شيطاني بخيط قطن، ويرقّصه حتى الهاوية مروَّض أو مشغَّل مفتول العضلات أكثر منه. ذلك الحيوان يثير الشفقة، ولكن عندما يلبس بزّة أنيقة ويرسم سياسات ويرسل أسلحة ويستخدم طائرات سوخوي ويوقع اتفاقيات استعمارية لتسع وأربعين سنة ويستخدم الفيتو، فمخ الدب هذا لم يعد يثير الشفقة وإنما السخط والكره وضرورة المقاومة بأي شكل كان.

تلك الصورة الكاريكاتورية للسياسة الروسية وللقائمين عليها تصبح أكثر تراجيدية عندما نراها مرتسمة على مسرح الواقع. لا يمكن لأحد أن يستطيع إقناع السيد بوتين ووزير خارجيته بأن تعددية أو ثنائية  قطبية عالمنا التي يناديان بها ليست أكثر من وهم صوّره بعض متحذلقي السياسة كجائزة ترضية عندما بدأ السيد بوتين يحاول إحياء ركام الأمبراطورية السوفيتية. لا يكفي أن يكون للنسر الروسي رأسين ليكون في العالم أكثر من قطب؛ فذلك النسر ذو الرأسين هو رمزياً أساس المأساة الروسية. لم تكن عبقرية أوباما هي التي التي أطلقت على روسيا صفة “دولة إقليمية قوية”، لقد كانت عقول الباحثين المطلين على الواقع بعين مجهرية بقياساتها للقوة. فالقوة العالمية أو القوة الكبرى ما هكذا تتصرف.

القوة العظمى لا تأكل أو تحمي “فطيسة” أو تستمد منها قوة أو تأخذها رهينة. روسيا البوتينية بعلاقتها بمنظومة الأسد تصرفت كدب يحمي فريسة بعد أن عجز الضبع الإيراني عن حمايتها. إذا كانت أمريكا حمت إجرام إسرائيل في مجلس الأمن في مواقف كثيرة، فإنها كانت قد جندت قوى بحجوم روسيا بوتين اليوم أو حيّدت قوى بحجم الاتحاد السوفيتي عندما كان بوتين صبياً. فأي قوى يجند أو يحيّد السيد بوتين اليوم عندما يستخدم الفيتو لحماية الإجرام؟! وهل بوليفيا الجائعة وإيران المارقة كافيتين لممارسة هذا الحق الخطير؟ القوة العظمى لا تُدخل نفسها في هكذا خيار أعمى، ولا تستخدم هذه العصا الغبية. كيف تكون قوة عظمى وأنت في حالة العزلة والنشازهذه؟ ومن أجل ماذا؟ للحفاظ على منظومة مجرمة؛ وبالأكاذيب لا بالحقائق الدامغة!!

حتى صفة “القوة الإقليمية الكبرى” التي اسبغها أوباما على روسيا لنفخها وتوريطها في الملف السوري، تبيّن أنها فضفاضة؛ وخاصة عند انتشار عبارة: “فشلت روسيا بـ…..” على لسان الإدارة الأمريكية الجديدة. فروسيا كما نشر الأمريكيون واقعيا فشلت بـ / تثبيت وقف إطلاق النار في سورية/ بـ /وقف التهجير وإيصال المساعدات بـ /وضع حد للسرطان الإيراني / والأهم من كل ذلك، فشلت بـ /ضمانها للاتفاق الكيماوي، وتعهدها بتسليم نظام الأسد كل ما لديه من أسلحة كيماوية/ ليتبيّن أنه لا زال يحتفظ بأسلحة كيماوية؛  والدليل استخدامه لها ضد مواطنيه. فالرهان على هذه القوة – إقليمية كانت أم كبرى- رهان بائس بأحسن حالاته. والأخطر يكمن برهانات هذه القوة على نظام مجرم وما يتسبب لها ذلك من عزلة تجعلها بمصاف الدول المارقة لا الدولة العظمى. لم تكن صواريخ ترامب موجهة إلى منظومة بشار الأسد بقدر ما كانت صفعة في وجه “قائد القوة العالمية الروسية” التي تفشل بممارسة الإحتلال بشكل صحيح وتظبط “حكومة فيشي” التي تتعهدها؛ وتنسق مع الفاشية الخامنائية في ظبط الملف السوري الذي عُهد به إليها من قبل القوة العظمى الفعلية؛ غاشمة كانت أم غير ذلك.

من هنا أتى استنفار روسيا بوتين؛ ومن هنا تغيّر جدول الاجتماع الثلاثي الأخير في موسكو بين لافروف وظريف والمعلم. أعتقد أن كلاً من لافروف وظريف كانا يرغبان بأن يكون الإجتماع ثنائياً فقط. فهناك من ينازعهما اختطاف رأس الأسد، فدفعاه لاستخدام الكيماوي ليقفا فعلاً على حقيقة سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة. وبالتأكيد سيدفعاه إلى حماقات وارتكابات إجرامية جديدة حتى تكون الصفقة وازنة. ولكنني أعتقد انهما كالقط الذي يلعق المبرد؛ فكلما لعقا من الدم السوري- هما ومبرد النظام- أصبحت قيمة رأس الأسد وما سينجزان من الصفقة أقل. وما هذا بتصرف لدولة عظمى بالنسبة لروسيا، وما هو جديد بالنسبة لإيران التي تعيش على خلط الأوراق وإشعال النيران في محيطها وبث الإرهاب عالمياً.

كاتب سوري عاشق لكل ما هو روسي من ادب وفن وبشر قال لي مؤخراً “هؤلاء الروس يثيرون الشفقة”. بدا مُستغرباً أن يعبِّر سوريٌ عن شفقة تجاه الروس الذين قتلوا من السوريين الآلاف بيدهم أو بآلات قتلهم بيد منظومة الأسد.ولكن عندما ترى التصرف الأرعن والوغد والأحمق تستدل أن هكذا مسلك لا يعبّر فقط عن دولة لا يمكن أن تكون قطباً أو دولة عظمى؛ ولكنها دولة مثيرة للشفقة لأن من يقودها عصابة مافيوية ؛ وهذا يفسر تعلقها ودفاعها عن منظومة إجرامية أخذت سورية رهينة كل هذا الزمن.

غالباً يكون الإستعمار ذكياً وخبيثاً. أول ما قابل نابليون به المصريين هو تعبيره عن احترام القرآن والتاريخ العربي والإسلامي؛ وما استهدف استعمار المشافي والأسواق والمدارس او دور العبادة؛ وكلها لم تنج من استهدافات الاحتلال الروسي. إذا كان الإستعمار الذكي قد خرج من بلادنا، فما بالكم بالاستعمار الغبي! صحيح أنه لن يخرج من تلقاء نفسه، ولكن الزخم الدولي مضافاً إلى جهود وإرادة وتصميم أهل سوريا، في الحرية والتحرر، كفيلة بخروج الإحتلال، وزوال ما يحميه.





Tags: سلايد