on
حفل توقيع رواية في برلين تحوّل إلى احتفالية موسيقية أدبية حوارية
الصور من المبدع: رامي العاشق
وليد غانم : كلنا شركاء
أقامت جمعية ومكتبة “بيناتنا” السورية في العاصمة الألمانية برلين بالتعاون مع صحيفة أبواب الالمانية الصادرة بالعربية، حفل توقيع رواية “عين الشرق” للكاتب السوري إبراهيم الجبين، قدّم له الموسيقي السوري وسيم مقداد بمقطوعات دمشقية على العود والرق جاءت ايضاً تحت عنوان “عين الشرق”.
لم يكن المثير في الأمسية اكتظاظ القاعة بالجمهور الذي حضر ليستمع إلى الجبين في قراءة بالعربية رافقها ترجمة بالألمانية بصوت المترجمتين ليليان بيثان وأنصار هيفي. بل كان التقديم الذي قرأه الكاتب والسياسي السوري جبر الشوقي، الذي حلل رواية “عين الشرق” بوصفها حقلاً خصباً للخيال وكذلك للحقائق والوثائق التاريخية التي اتخذت من دمشق مسرحاً لها. وقال الشوقي إن دمشق في رواية إبراهيم الجبين “أبعد من مدينة وأعمق من عاصمة سياسية وثقافية تاريخية ومن تحولات، جرت على تاريخ عريق ماثل في كل مواضيعها، كذاكرة لأزمنة حية مفعمة بأرواح هائمة، خلف أسرارها العلوية وأخرى جاثمة مهابة دامغة، تحط بكامل حكمتها الجليلة، فكأنّ المنقّب فيها حاو، ينفخ في مزماره، فتهلّ أفاعي الجحيم بكل خباياها وألغازها ولا يتمكن من التقاطها إلا كل حصيف، يديم الصعود في معراجها والتماهي في طقوسها الوثنية والصوفية المتنوعة، ليعود منها بوجع تلك الأرواح المتصادية، وهى تحيط به، تبثه قهرها وثقل قيودها، ولتؤكد له أنّ الحقائق الواقعية والكونية الجارحة كلها قد غادرته، وما هو سوى عاشق مشغوف بعشقه الأبدي”.
القائد النازيّ مستشارٌ في دمشق
الشاعر الفلسطيني السوري رامي العاشق أدار الحوار مع الجبين، طارحاً العديد من الأسئلة التي تدور في ذهن من يقرأ “عين الشرق” أو من يسمع عنها. كالسؤال عن سر اهتمام الكاتب بشخصية ألويس برونر الضابط النازي الذي لجأ إلى سوريا في الستينيات هارباً من العدالة، بعد أن شارك شخصياً بقتل وحرق عشرات الألاف من اليهود الأوروبيين، ضمن ما سميت بعملية “الحل النهائي” الذي نفذه جهاز الإس الإس بقيادة أدولف آيخمان الذي كان برونر الذراع اليمنى له.
أجاب إبراهيم الجبين بأنه لم يكن هو صاحب القرار باستقبال برونر في دمشق قبل خمسين عاماً، بل إن برونرو هو من ذهب إلى سوريا من ألمانيا، وجعل من نفسه مستشاراً لنظام البعث ثم لحافظ الأسد وبشار الأسد لتأسيس منظومة رهيبة من السجون والمعتقلات. مضيفاً أن الأفكار على قارعة الطريق كما يقال في الأدب القديم، وأنه وجد أن هذه الفكرة وهذه الشخصية تلبي الكثير من الأغراض لديه، “منها ما يتصل بالهولوكوست الذي ساهم به برونر لينتقل إلى سوريا مساهماً في الهولوكوست اليومي الذي يتعرض له شعبي السوري منذ أكثر من خمسين عاماً وحتى هذه اللحظة”. ومن تلك الأغراض التي تحدث عنها الجبين ما وصفه بأنه مسؤولية الألمان عما يجري في سوريا حالياً، وأن استغراب واستنكار البعض منهم لاستقبال اللاجئين السوريين، يرد عليه بقصة برونر، الذي تسبب بهذه الموجات من الضحايا. مضيفاً أن المسؤولية عن الأفكار الخيرة في العالم هي مسؤولية جماعية، وكذلك المسؤولية عن الأفكار الشريرة، مسؤولية جماعية أيضاً.
ريع الرواية
الكاتبة الفلسطينية نعمة خالد طرحت سؤالاً يتعلق بالتناص مع التاريخ، ولكن دون الرضوخ لذلك التاريخ، كما قالت. مضيفةً إن الجبين يتخلص من سلطة الفكرة المسبقة أثناء كتابة ما اعتبرته إعادة تحرير الحدث التاريخي من جديد. ونقل أحد الحاضرين رسالة شفهية من منطقة جبل الزاوية للروائي إبراهيم الجبين لتخصيصه ريع بيع روايته للستوصفات العاملة في المنطقة، وعلق الجبين بأن الشكر الحقيقي هو للقراء الذين يعلمون أن مبيعات الرواية مخصصة لهذا الغرض ولذلك يقومون بشرائها للمساهمة بدورهم بمساعدة المصابين والجرحى والأطفال.
حضر الأمسية عدد من الكتاب والأدباء والفنانين السوريين منهم الروائي السوري نهاد سيريس والشاعرة السورية لينا الطيبي والكاتب والسياسي زكريا الصقال والكاتب والطبيب عساف عساف والإعلامي المغربي في قناة دويتشه فيله أحمد عبيدة مقدم برنامج “غفادرات” والصحفي الكردي مكسيم العيسى والصحفية السورية أملود المير والمخرج السينمائي دلير يوسف.
حقدٌ على دمشق
وكان السؤال المثير للجدل ما طرحه أحد الحاضرين عن النبرة العدوانية الموجودة عند كتاب سوريين تجاه دمشق، وضرب مثلاً على ذلك ما كتبه الروائي السوري عبد الكريم ناصيف عن المدينة بلغة بشعة. علق الجبين على هذا بالقول إن الأمر لم يتوقف عند ناصيف، فهو معروف وتاريخه معروف لكونه ضابط مخابرات متقاعد أصبح كاتباً لاحقاً. المشكلة هي في نصوص وردت عند من لا يتوقع المرء منهم هذه الكتابة المائلة إلى النظر من نافذة أقلوية طائفية، وضرب الأمثلة ببعض المقاطع الواردة عند محمد الماغوط وسعدالله ونوس وآخرين كما حين قال الماغوط “بردى أيها الحسين المتناثر هنا وهناك. سأستردك من النوافير والصنابير والأقداح وقدور الحساء في المطابخ، ومطرات الجنود في المعارك، وغرف الإغماء والإنعاش في السجوب والمستشفيات، لأرد لك اعتبارك على طريقتي”.
أوضح الجبين أن هذه المشكلة تشبه كمن يكتب قصيدة تصف دمشق اليوم ويتحدث فيها عن الثأر للطعنة التي تلقاها عمر بن الخطاب. وأضاف إن هذه المسألة جرت مناقشتها بين شخصيات “عين الشرق” وكانت هناك آراء متعددة ومتناقضة. وأنه لا يوجد أحد كامل، وفوق النقد والتحليل.
هل هي رواية طائفية؟
سؤال مثير آخر طرحه أحد الحاضرين مذكراً الجبين بالرسالة التي وصفها بالجريئة والتي وجهها الجبين لبشار الأسد من قلب دمشق في العام 2005 بعد اغتيال الحريري داعياً إياه إلى طي صفحة والده والمجازر التي ارتكبها ومحللا الوضع المتهالك الذي وصلت إليه البلاد حينها، لكن صاحب السؤال تساءل أيضاً عما سمّاه “النفس الطائفي” الذي يزعم أنه موجود في “عين الشرق”. رد إبراهيم الجبين بحسم، إن سؤالاً كهذا لا يليق بأن يطرح، أمام رواية تتحلل من جميع العقد وتناقش الأعراق والأديان دون تمييز، من اليهود إلى السريان إلى غيرهم. وأنه ليس مسؤولاً عن طائفية بعض الشخصيات (الواقعية) الموجودة في الرواية. وأن دوره ليس إصدار الأحكام بل رصد الظواهر.
الكُرد في عين (الجبين)
الإعلامي مكسيم العيسى سأل إبراهيم الجبين عن الكرد في “عين الشرق” وهل قام بالحديث عنهم كجزء أساسي من المجتمع أم أنه اكتفى وصفهم كغزاة قادمين من خارج سوريا؟ أجاب الجبين بأنه ولد في حي قدور بيك في القامشلي وأن اللغة الأولى التي سمعها خارج جدران البيت كانت اللغة الكردية، وأنه لا يشعر أن القضية الكردية قضية منفصلة عنه، علماً أنه عروبي غير أيديولوجي كما قال عن نفسه، مذكراً الجمهور بصديقه المغيّب الأب باولو دالوليو الذي كان يشاركه القناعة بأن العروبة هي “قبة ثقافية” وليس عرقاً. وأنها حاضنة كبرى للثقافات وليست آلة لطمس تلك الثقافات. وأضاف الجبين إن “عين الشرق” تنقل حياة الكرد في مدينة صغيرة بعيدة في الشمال السوري كانت قد سبقت المدن الأوروبية في استقبال اللاجئين الأرمن والسريان واليونان والأيزيديين، إنها مدينة عامودا التي عاشت فيها غالبية كردية اختارت أحد أبطال رواية “عين الشرق” وهو حنا يعقوب عبدلكي اللاجئ المهاجر القادم من ماردين وقلعة مرا، وجد الفنان يوسف عبدلكي (الذي رسم الغلاف عين الشرق) ليكون رئيساً لبلديتها.
رواية “عين الشرق” لإبراهيم الجبين الصادرة حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ويذهب ريع بيعها إلى جميعة لينداو عضو جمعية ضحايا الحروب الألمانية والتي يشرف عليها البروفيسور عدنان وحود وتعنى بنقل الأدوية والتجهيزات الطبية إلى المستوصفات والمراكز الطبية في الشمال السوري المحرر. أما جمعية ومكتبة “بيناتنا” السورية فهي قاعة كبيرة مصممة بشكل هندسي مميز، وبإطلالة على العاصمة الألمانية برلين من الطابق السادس عشر في إحدى بنايات شارع ستريسمان؛ وتعد الأولى من نوعها في ألمانيا. وقد افتتحت في فبراير الماضي؛ ويديرها فريق عمل يتكون من عرب يقيمون في برلين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى ألمان تشاركوا معهم بالفكرة لتسهيل تقديم الخدمات للجمهور. ومن بين القائمين عليها الناشر السوري ماهر خويص مؤسس دار خطوات في دمشق ومهند قيقوني وعلي حسن وإينز كابرت ودانا حداد.
Tags: محرر