فورين بوليسي: مشافي سوريا في خط المواجهة

كلنا شركاء: فورين بوليسي- ترجمة الجزيرة

محمود حريري جرّاح نشأ وترعرع في سوريا، لكنه لم يعد يتذكر كم مرة تعرض فيها المشفى الذي يعمل فيه بمدينة حلب للقصف منذ اندلاع الحرب عام 2011.

وما أكثر ما شاهد حريري بأم عينيه المرضى وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة على مناضد العمليات أثناء الهجمات العسكرية، وهناك مريض انتزع الأنبوب المغروس في جسده فرارا من المشفى الذي يتعرض للقصف.

وذات مرة كان في زيارة لمنشأة طبية قريبة عندما انهمرت القذائف على رؤوس من بداخلها. وأثناء فراره عثر على دماغ بشري ملقى على قارعة الطريق فالتقطه ووضعه في صندوق صغير ليسلمه لاحقا للمستشفى.

وعادة ما تبدو وحدة العناية المكثفة مرعبة لا سيما عندما تكون هدفا لإحدى الهجمات. وقال حريري في مقابلة بالهاتف مع مجلة فورين بوليسي الأميركية “نضطر تحت وطأة الهجوم إلى إحضار المحفات لإخراج المرضى المُغمى عليهم. ولأنه لا توجد مصاعد كهربائية فنحن نتولى حملهم والنزول بهم عبر الدرج”.

ويعتبر التدمير المتعمد للمشافي أحد أهم العوامل التي تدفع السوريين لمغادرة البلاد، ما فاقم من أكبر أزمة هجرة يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ولإنقاذ المرضى والأطقم الطبية، اضطر العاملون لنقل مستشفيات بكاملها إلى سراديب تحت الأرض ومغارات، وإقامة تحصينات أشبه بالاستحكامات الدفاعية حتى يتسنى الاستمرار في العمل تحت أزيز المدافع ودوي القنابل.

وتحدثت كاثلين فالون التي شاركت بإعداد تقرير حملة “من أجل سوريا” في ندوة استضافها معهد الشرق الأوسط في واشنطن دي سي قائلة “لقد باتت منشآت الرعاية الصحية أشبه ما تكون بالتحصينات العسكرية. فالمستشفيات الميدانية بسوريا ضُربت لتنتقل في الواقع للعمل في داخل مغارات وأقبية وسراديب”.

لكن محاولات نقلها إلى أماكن حصينة قد تُقوض الآن. ومع أن المنح التي تقدمها أميركا والأمم المتحدة ساهمت في إقامة تلك التحصينات المكلفة، فإن وكالة المعونة الدولية الأميركية تواجه تقليصا كبيرا في ميزانيتها في إطار برنامج “أميركا أولا” الذي يتبناه الرئيس دونالد ترمب.

ويساور منظمات الإغاثة القلق من أن يؤدي خفض التمويل الذي تحصل عليه إلى تعريض حياة الأبرياء للخطر، واستفحال أزمة اللاجئين ودفع الجماعات المتطرفة إلى ملء الفراغ.

وتُعد الحرب السورية أكثر الصراعات دموية بالقرن الـ 21 إذ أودت حتى الآن بحياة ما يزيد على 450 ألف شخص ونزوح ما يربو على 12 مليون آخرين. كما أدت إلى فرار 4.8 ملايين سوري إلى دول الجوار وأوروبا.

وإلى جانب الحملات العسكرية التي تشنها ضد الثوار، عمدت قوات الرئيس بشار الأسد إلى استهداف المرافق الطبية والمدارس ومنشآت البنية التحتية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة.

ومنذ عام 2011، تعرضت 454 منشأة صحية للقصف، وفق تقرير نشرته حملة “من أجل سوريا” في مايو/أيار 2016. وكانت قوات النظام وحلفائهم الروس وراء 91% من تلك الهجمات. ويلجأ تنظيم الدولة الإسلامية أحيانا إلى خطف الأطباء لكنه لا يمتلك قوة جوية قادرة على شن غارات.

أما الجراح حريري القادم من حلب فهو يقضي عامه الأول من منحة دراسية بمبادرة هارفارد للعمل الإنساني، ويحدوه الأمل في العودة مجددا إلى سوريا في القريب العاجل. وهو يدرك أن حلا طويل الأجل لمعاناة الشعب السوري لا يمكن أن يتحقق إلا عبر سلام دائم.

وإلى أن يتم التوصل إلى ذلك السلام، فإن الخطوة التالية في حال تعذر صمود اتفاقيات الهدنة والمناطق الآمنة تكمن في حماية المشافي والأطباء ومن يتولون علاجهم من الجرحى والمرضى.

يقول حريري “وراء كل شخص قُتل قصة لعائلة أو أب أو أم أو أطفال. وفي الحقيقة فإن المسألة ليست في الأرقام لأن البشر ليسوا أرقاما”.





Tags: روسيا, صحافة أجنبية, نظام بشار الأسد