on
د. كمال اللبواني: بدء تنفيذ المنطقة الآمنة في الجنوب
د. كمال اللبواني: كلنا شركاء
انتهت المفاوضات السرية مع الروس على إنشاء منطقة آمنة في الجنوب باتفاق غير معلن بدأ تنفيذه فعلا منذ يوم أمس ، فقد تعهدت روسيا إقامة منطقة آمنة في الجنوب السوري بموجب ذلك الاتفاق ، وقد وافقت إسرائيل على تعهيد أمن حدودها للروس ، وهذا ما جعل الأمريكان يوافقوا أيضا ، حيث ليس لهم هدف آخر في سوريا غير أمن اسرائيل بعد هزيمة داعش ، المستنتج من ذلك أن أمريكا وكذلك اسرائيل قد اتخذت القرار الأقل تكلفة بحسب وجهة نظر سياسييها ، والذي يجنبهم احتمال التورط بحرب واسعة في المنطقة لا يريد لا ترامب ولا ناتانياهو اتخاذ قرار خوضها ، لكن هذا الاختيار قد يكون غير صحيح ، فهو مناسب جدا لاستمرار تمدد السرطان الإيراني الذي يغزو المنطقة بحماية ورعاية روسية …فالطبيب الذي يختار العلاج المحافظ لمرض السرطان يحكم على مريضه بالموت عمليا ويضيع فرصته بالنجاة …
فقد ترافق هذا مع تقدم الزحف الإيراني نحو شرق سوريا الذي على ما يبدو أن الأمريكان غير جديين في منعها من بناء الهلال الشيعي عبره (كما أعلنوا سابقا عندما وجهوا انذاراتهم ) ، أي أنه هناك احتمال حقيقي أن يفشل الروس في تنفيذ تعهداتهم باستبعاد الميليشيات الإيرانية عن حدود اسرائيل والأردن لأنهم لا يملكون القوات البرية ، فهل سيتفقون مع أبناء المنطقة لإدارة مناطقهم بعيدا عن النظام وإيران ، أم سيفعلون بهم ما فعلوه في حلب ويهجروهم مع أهلهم ، ليتقدم الزحف الشيعي الميليشيوي للحدود مع الأردن وإسرائيل . هل ستبني روسيا منطقة آمنة لأهل درعا والشعب السوري ، أم ستبني إيران ستان في جنوب سوريا ، نطرح هذا التساؤل بسبب المقارنة مع ما فعله الروس في حلب ، حيث سبق وسلمت للروس باتفاق معها ، فزحفت الميليشيات الإيرانية واحتلتها وهجرت سكانها وسرقتها ، وحولتها لبؤر للعصابات … فالروس لا يملكون القوة على الأرض ، وهم سيستقدمون عصابات النظام المجرم مع الميليشيات الإيرانية … أي في النتيجة ستكون المنطقة الآمنة في الجنوب منطقة إيرانية ، وهذا عكس ما تعهدت روسيا به.
موقعي الاتفاق الذين يذهبون اليوم للنوم ، سوف يستيقظوا بعد أسبوع أو سنة ويروا أنهم قد صنعوا مشكلة جديدة في المنطقة أخطر من داعش ، فإيران لن تتوقف بعد ابتلاع سوريا ، بل ستتمدد للأردن مستخدمة علاقاتها الممتازة مع الفلسطينيين وحماس بشكل خاص وحزب الإخوان ، ثم ستكمل زحفها نحو مكة ذاتها بواسطة حشود شعبية جديدة . ولن تنسى الاتجار بالقدس الشريف … هل هكذا تحفظ اسرائيل أمنها ؟ ناهيك عن الدول العربية ؟ هل تدرك الدول العربية خطورة التغيير الديموغرافي الذي غير هوية العراق ويسعى لتغيير هوية سوريا … والذي تنشغل عنه بصراعها الاعلامي مع قطر وتركيا .
الكثيرون في اسرائيل لا يرضون عن هذا الاتفاق الذي شجع عليه الثنائي نتانياهو – ليبرمان ( الروسي الأصل ) ، لأنه لا يمكن الوثوق بالروسي الذي غض النظر مرارا عن تهريب السلاح لحزب الله وقدم الدعم للمشروع النووي الإيراني ، ثم عمل كغطاء جوي داعم للميليشيات الإيرانية في سوريا … فلماذا يقبل نتانياهو اتفاقا أسوأ كثيرا من المعاهدة النووية التي وقعها أوباما ؟؟؟ . وما هو السبب الذي جعله يقدم سوريا على طبق من ذهب لإيران ، التي تمول تكلفة التدخل الروسي من المال الذي قدمه أوباما لها ، فما معنى وجدية اشتراطها المزعوم على الروس عدم السماح لإيران بالتواجد على الحدود الإسرائيلية والأردنية وما هي الضمانات ؟؟؟ هل هو غباء وضعف أم هي خديعة جديدة ؟؟؟ . طبعا إيران لن ترفع علمها ، وقد تمنعها روسيا من استهداف اسرائيل حاليا ، لكنها لن تمنعها من استهداف استقرار الأردن بوسائلها المعروفة .
ماذا سيفعل الروسي في الجنوب … هل سيجبر المقاتلين على ركوب الباصات الخضر نحو ادلب ، ثم يهجر عائلاتهم خلفهم … هل سيوقف الميليشيات الإيرانية عن الزحف ، وهل يستطيع أن يمنع حزب الله من بناء شبكته السرية في الجنوب . مستغلا سلطة الأسد الشكلية … لا أعتقد أن أحدا قادر على منع ذلك سوى تواجد سلطات محلية فاعلة وقادرة من أهالي المنطقة ذاتهم ، وهذا يتطلب شرطا واضحا على الروس هو الاعتراف بالجيش الحر في الجنوب والتعاون مع الفصائل المحلية لإقامة سلطاتها أي حماية سكان المنطقة ، وليس قتلهم وتشريدهم … فالضمان الوحيد لسلامة تنفيذ هذا الاتفاق هو بقاء أهل درعا في درعا يحكمون أنفسهم ، وتأمين الحماية للعودة الآمنة للمهجرين ، وإعادة بناء متطلبات عيشهم واقتصادهم ، بعيدا عن سلطة الأسد وعن ميليشيات إيران ، وغير ذلك يعني مؤامرة جديدة على وجود واستقرار الأردن ومن بعدها السعودية .
هل سترسل روسيا فرق عسكرية لاحتلال المنطقة أم ستعتمد على الجيش الحر أم جيش وميليشيات النظام وإيران … لا أعتقد أن روسيا ستقبل غير سلطة الأسد أي إيران في الجنوب … هل توجد ضمانات لعدم حصول ذلك ؟؟ هل اليمين الحاكم في إسرائيل غبيا ليستقدم إيران لحدوده ، أم يريد من وراء ذلك فتح الباب أمام إيران لزعزعة استقرار الأردن واقامة الدولة فلسطين على أرضه ؟
إن مصير الثورة السورية تحدده درعا اليوم ، وأمن الأردن واستقراره أيضا ، وكذلك أمن إسرائيل ، فأي حماقة في التفكير بإقامة دولة فلسطينية محكومة من قبل إيران العظمى التي تستكمل الطوق حول اسرائيل … شيء واحد يبدد شكوكنا هذه التي لا يجوز أن نخفيها بعد الآن ، هو بقاء شباب درعا وأهلها في أرضهم وحمايتهم لبناء سلطاتهم واقتصادهم وعودة المهجرين إليها . هذا هو المعنى الحقيقي للمناطق الآمنة .وغير ذلك هو استمرار مشروع تخريب الاستقرار واعادة رسم الجغرافيا البشرية في المنطقة ، باستخدام الأدوات (الداعشية و الإيرانية لا فرق).
.. هل ستكون درعا مقبرة الثورة السورية كما كانت ولادتها… هذا الأمر متروك للأيام القادمة وعنوانه سلوك الروس تجاه فصائل درعا التي لم تكف عن القتال منذ ست سنوات ؟