نيويورك تايمز: عائلات سورية لاجئة تسوح في نيويورك

كلنا شركاء: نيويرك تايمز- ترجمة عبد الرزاق اسكيف- السوري الجديد

تفاعَلَت خمسُ عائلاتٍ بسلاسةٍ في موكبِ سياحةٍ رّبيعيِّ في مدينةِ نيويورك يوم الثلاثاء، كانتِ النّسوةُ يرتدين الحجاباتِ الملوّنةً بالأحمرِ والأسودِ والازرقِ، والأولادُ المراهقون يعتمرونَ قبعاتِ البيسبول. كانوا يتحدّثون بالعربية ويحملون عصي السيلفي.

في ساحةِ التايمز، واجهتِ العائلاتُ، البالغ عددها خمسةٌ وعشرونَ لاجئاً سورياً، الإكوادوريين الذين يرتدونَ أزياء إلمو والنيجيريين الذين يتجولون في الحافلات ذات الطابقين. وفي حديقة سنترال بارك، قام اثنان من أبناء العمومة بالقفزِ فوقَ الصّخورِ القديمةِ، هم ليسوا نازحين بعد الآن، إنّما فاتحون للملعب الشّهيرِ وهم في التاسعة من عمرِهم. في باتيري بارك، كانت عائلة من فرنسا تُراقب المشهد بينما أخذ أفراد المجموعةُ يلتقطونَ الصورَ بالتناوبِ وتمثال الحرية خلفَهم.

وقالت رحاب تقي، وهي أمٌّ تبلغُ من العمرِ ثلاثةً وثلاثين عاماً، وبمساعدةِ مترجمٍ: “الحريّة أمرٌ جيّد”. لقد أمضتْ عائلتُها ثلاثَ سنواتٍ في الأردن قبل وصولها في أغسطس/ آب. وقالت السّيدة تقي إنها كانت تعاني من الاكتئاب بينما كانت تحاولُ التكيّفَ مع منزلِها الجديد في شمال ولاية نيو جيرسي. تقولُ: “يمكنك أنْ ترى الحياةَ بطريقةٍ مختلفةٍ عندما تكونُ في هذا المكان”.

تدور معظمَ الجولاتِ السِّياحيةِ في نيويورك حول أماكن تاريخية. لكن هذه الجولةٌ كانت لتذوّقِ الحاضرِ.

تقدِّمُ “ريال نيويورك للسياحة”، وهي شركة عائلية مضى على تأسيسها عشرة أعوام، أسبوعاً من االجولات السياحية المجّانيَّةِ لمئةٍ وخمسينّ لاجئاً سوريّاً تم إعادة توطينهم مؤخّراً في نيو جيرسي. وقد جرى اختيار المشاركين من قِبلِ إينا للإغاثةِ، وهي جمعيةٌ خيريّةٌ لتقديمِ الخدماتِ الاجتماعيةِ الأمريكيةِ للمسلمين.

في مترو الأنفاق، ليوك ميلر من ريال نيويورك تورز أدّى الخدع السحرية لكل من إإبراهيم الساج، يسار، وابن عمه حمزة خاوج.توثيق: تود هيسلر/ صحيفة نيويورك تايمز

قال ليوك ميلر (البالغُ من العمرِ ثمانيةً وأربعينَ عاماً) وهو مؤسّسُ الشّركةِ السّياحيّةِ إنّه وزوجتَه أمبر كاميرون قاما في البدايةِ بتقديمِ جولاتٍ مجانيّةٍ في الأيّامِ التي أصدرَ فيها الرّئيسُ ترامب أوامرَه التّنفيذيّةَ الأولى بتعليقِ إعادةِ توطينِ اللّاجئيَن السوريينَ وحظرِ المسافرينَ من مجموعةِ من الدّولِ ذاتِ الأغلبيةِ المسلمةِ، وأضافَ: “أردنا أنْ نفعلَ شيئاً لمواجهةِ الأمر. لذلك قلنا، دعونا نفعلُ ما نُيدُ فِعله.”

وقد رأت مديرُ عملياتِهم، كريستي باورز على صفحات الفيسبوك أنَّ إميلي خان، معلمة اللغةِ الإنجليزيةِ في مدرسة ليمان مانهاتن الإعداديّةِ، كانت تتطوّعُ للتّعليمِ من خلالِ إينا للإغاثة، فقامت بالتواصل مع المنظمة عن طريقها.

بدأتِ السّيدةُ باورز حملةَ “مَوِّلْني” للمساعدةِ في تحمّلِ التّكاليفِ والمنفعةِ للمنظّمةِ، وقد جمعتْ تبرّعاتٍ بقيمة 3،935 $ اعتباراً من صباحِ الخميسِ. وقال ميلر إنَّ الحملة أثارتْ أيضاً بعضَ التّعليقاتِ السّلبيّةِ، ومنها تعليقٌ قالَ إنَّ الاموالَ يجبُ أْن لا تذهبَ إلى المهاجرينَ “الذين لا ينبغيأان يكونوا هنا في المقامِ الأوّلِ”.

وقالَ السّيدُ ميلر، “بالإضافة لتذاكرِ القطارِ للعائلاتِ إلى نيويورك، فإنَّ بطاقاتِ الميترو،و الطّعام والبقشيش الّذي يتمُّ دفعُه لفناني الشوارع، تُكلِّف هذه الجولاتُ الشّركةَ أكثر من أربعةِ آلافِ دولاراً.

لقد فرّتْ جميعُ العائلاتِ الخمسِ التي كانت في جولةِ يوم الثلاثاء مِنَ الحربِ في سوريا. وقد أمضوا حوالي ثلاثَ سنواتِ لإتمام الفحصِ الأمنيِّ والصّحّيِّ قبل إعادةِ توطينِهم من قِبَلِ وكالةٍ تعاقديّةِ حكوميّةِ، وهي لجنة الإنقاذ الدولية.

مروة بيدق، ست سنوات، على دائري سنترال بارك. توثيق: تود هيسلر/ صحيفة نيويورك تايمز

قالت هبة بيدق (أربعٌ وثلاثونَ عاماً) والتي كان زوجها يدير صيدلية في مدينة حلب السورية “لقد فقدنا كل شيء”. كان عليه إجراءُ جراحةِ الغدّةِ الدّرقيّةِ قبل الحربِ ويحتاجُ إلى الرّعايةِ الطّبيّةِ الآن، وكذلك ابنتهم البالغةِ من العمرِ عشرة سنوات، فهي غير قادرة على المشي. جلبت السيدة بيدق ابنتَها البالغةَ من العمرِ ستُّ سنوات في الجولة.

لقد غادرت الشقيقة الكبرى للآنسة تقي، وهي غصوم تقي، وعمرها ثمانيةً وثلاثين عاماً، مدينةَ حمص إلى لأردن عام 2011، ووصلت إلى الولاياتِ المتحدةِ في يوليو مع أطفالِها الخمسةِ الذينَ تتراوحُ أعمارُهم بين ثلاثة وستة عشرَ عاماً إضافةَ إلى زوجُها تامر خاوج، وهم يعيشون في اليزابيث، ن.ج

وقالت غصون تقي: “في البدايةِ، كنتُ مكتئبةً جدّاً، لقدْ وُضِعْتُ في فندق في منطقةٍ صناعيّةٍ. وقد فكّّرتُ في نفسي متسائلةً،” هل هذه أمريكا؟ “بعد أربعةِ أيّامٍ، عندما جاءت أختي، كنا في نفس الفندق. شعرت بأن هناك أملاً، سوف تتحسّنُ الأمورُ”.

تستطيع ابنتاها، هبة وعمرها ثلاثة عشر عاماً، وحياة، وعمرها اثني عشر عاماً، أن تتحدّثا بالإنجليزية. تريدُ حياة أن تكونَ طبيبةً.

تعيشُ عائلةُ رحاب تقي على بعدِ ثلاثةِ أميالٍ في روزيل، ن. ج. ولا يتكلّم أبناؤها المراهقون اللغة الإنجليزية. وقالت ليلى إلفان، منسقةُ شؤونِ اللاجئين في إينا للإغاثة، إن شّقتَها كانت مليئة بالنّاموس لمدّةِ شهورِ. وقالتْ لجنةُ الإنقاذِ الدّوليّةُ إنّها تعالجُ المشكلةَ وتعملُ على إيجادِ منزلٍ جديدٍ للأسرةِ.

وكانتِ الجولةُ التي جرت في يومٍ مشمسٍ، مصدرَ وحيٍ للأخواتِ، وهي الجولة الأولى لهنّ في المدينةِ.

وقالت رحاب تقي: “أشعرُ بأنّ كلَّ السّلبيّةِ تتلاشى”.

وقالت شقيقتها: “إنّني أكتشفُ جانباً آخرَ من أمريكا، على خلاف إليزابيث.”

أعضاء المجموعة يلعبون على الصخور في سنترال بارك، وهي إحدى وجهات الجولة المتعددة. توثيق: تود هيسلر/ ذي نيو يورك تايمز

بدأ اليوم في الساعةِ العاشرةِ صباحاً أمامَ محطّةِ بنسلفانيا فى مانهاتن بعد التّعارف على بعضِهمِ البعضِ، وبواسطة ترجمة قدّمَتها السيدة إلفان، ساروا في الشارع السابع إلى تايم سكوير.

وفي الحال، كانتِ العائلاتُ في مترو الأنفاق المتّجهِ إلى سنترال بارك. لقد تخلّى الموسيقي وعامل المسرح تينان هوكر هارينغ، البالغ من العمر واحداً وثلاثين عاماً، عن مقعده ليتمكنوا من الجلوسِ معاً.

قالَ السّيدُ هوكر هارينغ: “مِنَ الجميلِ أنْ نرى جيراناً جددًا أكثرَ ثِقةً، وأفرادًا أكثرَ وضوحاً في مجتمعنا، ولا يخافونَ من تبنّي منزلِهم الجديدِ، بنفسِ الطّريقة التي لا ينبغي لنا أن نخافَ من تبنّي الجيرانِ الجددِ”.

وخلال الرحلةِ، قامَ السّيّدُ ميلر، الذي كانَ يستضيفُ أطفالاً في مركز ميموريال سلون كيترينج للسّرطان، بإبهارِ إبراهيم وحمزة، أبناء الشّقيقاتِ البالغانِ من العمر تسعَ سنوات، بالخدعِ السّحريّة.

في حديقة حيوان سنترال بارك، شاهدتِ المجموعةُ أسدَ البحرِ. وبعد تسلّقِ الصّخورِ، اصطفَّ الأطفالُ في منصّةِ سنترال بارك. كانت تذاكرهم وهي بقيمة ثلاثة دولارات تحملُ اسماً مألوفاً: ترامب. (في عام 2010، استعاد السيد ترامب المنصّة الدّوّارة، ووقّعتْ شركتُه عقدَ إيجار حتى عام 2020 لتشغيلها).

وقال شون لينش، وهو دليل ريال نيويورك للسياحة: “نرى بعض العدالة الشّاعِرية في الأمر.”

رحاب، تقي، ولدها إبراهيم، وابنة اخيها حياة، في تايم سكوير. ابنها غزوان، إلى اليمين، يستخدم عصا سيلفي. توثيق تود هيسلر/ ذي نيو يورك تايمز

كان الأطفالُ يستمتعونَ بالخيول الخشبيِّة ولكنّهمْ كانوا أكثرَ حماساً لرؤيةِ خيولِ النّقلِ الحقيقيّةِ، تماماً مثلَ تلك الموجودةَ في شوارع حمص أثناء العطلات..

وقالتْ رحابُ تقي إنّها شعرتْ وكأنّها في المنزلِ. وأضافت: “في فصلِ الرّبيع، سنذهب إلى المتنزّهاتِ”. “هناك أنهارٌ، وأطفالٌ في كلِّ مكانٍ. في الأردن، لمْ يكنْ هنالك حدائقٌ فيها أعشابٌ”.

وباعتبارِهم لاجئينَ هناكَ، لَمْ يُسمحْ لأطفالِها الأكبرِ سنّاً بالذّهابِ إلى المدرسةِ، لذلك قامَ ابنُ عمّهم الطبيب بتعليمِهم. وفي يوم الثلاثاء، تحدّثَ زوجُها علاءُ الساج مع ابن العم في الأردن عبر فيس تايم، وكانت المنصّة الدّوّارة الدّوّارةُ في الخلفيّةِ. “شكراً لك”، قال السيد الساج باللغة العربية. “لن أنسى أبداً ما قدّمتَ لأطفالِنا”.

كما اتّصلَ شابٌّ آخر بأمِّه في الأردن، فقد كان الأولادُ يستخدمون فيس تايم للتحدّثِ مع أقارب لهمْ في نيوجرسي لم يتمكنّوا من القيام بهذه الجولة. في الوقت الذي لا يرسلون فيه الصّورَ عبر تطبيق سناب، فقد كان الأولادُ المراهقون يرسلونَ رسائلَ نصّيّةٍ لأصدقائِهم. عندما جلسوا في باتيري بارك لتناول الغذاء، كانت وجبتُهم البيتزا.

قبل أن تنتهي جولة الخمس ساعات، تخلّى السّيدُ ميلرعن  نصّه المعتاد في جولاتٍ كهذه، مدركاً أنَّ دعاباتِه وصورَه عن نيويورك القديمة لن تُنقَلَ في الترجمة، كما أنّه لم يتوقفْ في بعض المحطّاتِ التقليديّة وذلك لتوفيرِ الوقتِ.

وأضاف، “تلك هي نيويورك -عليك أن تسيرَ مع التّيّارِ”. “كانت طاقتُهمْ رائعةٌ ومشرقة. ليس هناك حدودٌ مع الأطفالِ. حيث تنهارُ الجدران، الابتسامةُ هي الابتسامة، والفرحُ البسيطُ بتسلّقِ الصّخورِ هو نفسُه بالنّسبةِ لأيِّ طفلٍ.”

أمّا الكبارُ فكانتْ لهمْ جرأتُهم. قالَتْ رحابُ تقي: “تعلَّمتُ أنَّه من الأفضلِ ألَّا أبقى في المنزلِ. يجبُ أنْ أذهبَ واستكشفَ”.