on
د. سامر زعيّن: الأزمة السورية..(تشيرنوبيل جيوسياسي)؟
د. سامر زعيّن: كلنا شركاء
في أعقاب “ثورات الربيع العربي”، التي انطلقت شرارتها الأولى يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر عام 2010 من مدينة سيدي بوزيد التونسية، بدأت عملية الانهيارات السياسية في العالم العربي تتوالى كأحجار الدومينو، حتى وصلت في ربيع عام 2011 إلى سوريا أيضا. في سوريا، الدولة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى وأعلن عن استقلاها بعيد انتفاضة الاستقلال في 17 أبريل 1946 وجلاء القوات الفرنسية عنها، والتي تحتضن مختلف الأعراق والأديان، انطلقت الشرارة الأولى للثورة الشعبية يوم 15 مارس/ آذار من عام 2011. دوافعها كانت نابعة في الدرجة الأولى من السخط والاستياء الكبير الذي أصاب الشعب السوري نتيجة أن البلد، الذي تحكمه سلطة دكتاتورية، بات ومنذ فترة طويلة يقف عند تقاطع المصالح الجيوسياسية المتضاربة التي لا تصب في مصلحة البلد والشعب. اتساع رقعة الاحداث الناتجة عن تلك العوامل جعلت من سوريا، وخلال فترة قصيرة، “نقطة الصفر” لانطلاق الصراعات الإقليمية من أجل بسط النفوذ والسيطرة في المنطقة.
الصراع الدموي الذي يدور في سوريا منذ ما يقارب الست سنوات ونيف، والذي تسبب في دمار أكثر المدن السورية، كما دمار الاقتصاد السوري وتشرذم وتفتت المجتمع السوري، تعدى مصطلح الحرب الأهلية أو حرب بالوكالة بالمعنى التقليدي للكلمة، كونه بات صراع متعدد الابعاد، آثاره أصبحت تتمدد خارج الحدود السورية، لتصبح ذات طابع إقليمي ودولي، تلعب فيه دورا بارزا قوى حكومية وغير حكومية، وتتجذر فيه خلافات طائفية وعرقية عميقة.
لذا فليس من المستغرب وصف المدير السابق للمخابرات المركزية الأمريكية “سي أي أيه” الجنرال ديفيد بتريوس خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي، الحرب الدائرة في سوريا بأنها “تشيرنوبيل جيوسياسي”، أي بالمعنى المفهوم للمصطلح، عواقبها باتت تشبه الى حد بعيد العواقب المدمرة الناتجة عن الكوارث النووية، والتي ستمتد إلى عشرات السنين، ويكون لها تأثير ليس على المنطقة فقط ولكن أيضا على المجتمع الدولي بأسره. أما المحلل في صحيفة “الغارديان الفرنسية” ريتشارد نورتون تابلور فقد وصف الأزمة السورية، في دراسة نشرت خلال شهر أيلول/سبتمبر 2015، أي بعيد التدخل الروسي في سوريا، بأنها “زلزال جيوسياسي” مدمر.
بينما المحلل الجيوسياسي المعروف د. كابلان فقد وصف الفراغ في السلطة نتيجة الأحداث التي تمر بها المنطقة، بما في ذلك الأزمة السورية أيضا، بـ “لحظة نهاية الامبراطورية”، وهو أراد التشبيه من خلال هذا المصطلح ما بين ما يحصل حاليا في المنطقة، وإلى العواقب التاريخية الوخيمة التي لحقت بها جراء سقوط الإمبراطورية العثمانية، ومن بعدها انهيار الانظمة الاستعمارية البريطانية والفرنسية المهيمنة في المنطقة، وما تبعها من سقوط للزعامات التي كانت تقف على رأس الدول المنبثقة عن الحدود المصطنعة التي خلقها الاستعمار.
في ضوء ذلك يؤكد كابلان في تحليله على استمرار الحرب في سوريا إلى أجل غير معروف، وبأن الظروف المعقدة في المنطقة ستشكل تهديدا قصير ومتوسط المدى، وشدد على أن التحدي حاليا ليس إرساء الديمقراطية (كما كانت تدّعي الإدارات الامريكية)، وإنما كيفية استعادة النظام والاستقرار. كما يؤكد أيضا على التغير الجذري لبنية الدولتين العراقية والسورية من الناحية السياسية والاقتصادية والديمغرافية، الأخيرة ستؤدي إلى تعاظم أعداد النازحين الذين سيرغمون على ترك مدنهم وربما بلادهم لأسباب اقتصادية أو إنسانية أو عرقية أو مذهبية.
إذا أخذنا الأمور من منظور أوسع لسرد الاحداث فسنرى بأن ما يجري في المنطقة العربية من تحولات جذرية وفوضى عارمة هو جزء من عملية إعادة تقسيم جديدة للعالم، يتبعها إعادة تنظيم بعيدة المدى. بدايتها كانت بتسارع فترة العولمة خلال الثلث الأخير من القرن الماضي في المناطق الأورو-آسيوية وما يتبعها بالمعنى الجيوسياسي من أقاليم. في هذا السياق فالاحتمالات والدلائل جميعها تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط أيضا، أو كما وصفها مستشار الأمن القومي السابق للبيت الأبيض زبيغنيو بريجنسكي بـ ” البلقان العالمي”، سوف تبقى خلال العقود القادمة “موقد” التغيرات في العالم. فعدم الاستقرار الذي سوف يمتد من قناة السويس حتى الصين، ومن الحدود الروسية – الكازاخية حتى بحر العرب، سيزيد بشكل مضطرد خلال هذه الفترة من سخونة الوضع في منطقة القوقاز و منطقة وسط آسيا، لتصبح تلك المناطق هي الأخرى بؤرة للنزاعات الحامية. كل ذلك سيؤثر في النهاية على العلاقات ما بين الغرب وبين كل من روسيا والصين.
عودة إلى سوريا، فالمحاولات العديدة التي بذلت من أجل أيقاف النزيف هناك أو على الأقل عدم تمدده، بائت جميعها بالفشل، بل على العكس تماما، حيث ازدادت وحشية، وتعمقت الجروح أكثر وأكثر، وهذا يشير بشكل واضح يوم بعد يوم على توجه البلاد نحو التفكك والتقسيم.
في حال كان هناك سعي لنشوء “كيانات سياسية مستقلة” على أنقاض الدولة السابقة، أو تحويل هيكل الدولة القديم إلى نظام فدرالي أو كونفدرالي، فالأمر هنا يتوقف على تطور العلاقات ما بين القوى المختلفة داخل سوريا، وكذلك على الاتفاقيات والصفقات التي تعقدها الأطراف الخارجية.
الدمار الكبير الذي لحق بسوريا خلال الأعوام الماضية راح ضحيته حتى نهاية عام 2015 ما يقارب نصف مليون قتيل، ونحو مليوني جريح. وهذا يعني بأن 11 في المئة من تعداد سوريا، الذي قدّر بحوالي 22 مليون نسمة قبل بداية الأزمة، وقعوا ضحية هذا النزاع. أما الأضرار المادية فقد وصلت إلى ما يقارب الـ 265 مليار دولار، والناتج المحلي الإجمالي قد انخفض حتى نهاية عام 2015 بنسبة 58 في المئة مقارنة بعام 2010.
أما البطالة فقد ازدادت بنسبة 58 بالمئة. حاليا يعيش 85 في المئة من السكان تحت خط الفقر، النسبة الكبرى منهم في فقر مدقع. متوسط العمر المتوقع للسكان انخفض منذ عام 2011 من 71 عام إلى 55 عام. أضطر أكثر من نصف السكان ترك منازلهم والنزوح إلى خارج البلاد (حوالي 5 ملايين إنسان)، أو البقاء داخل البلاد والعيش في مخيمات “غير رسمية” في ظروف قاسية للغاية وغير إنسانية. ما يقارب من 70 في المئة من السكان في سوريا لا يحصلون على المياه الصالحة للشرب، أما الانقطاع الشبه كامل لشبكات الكهرباء فلم يؤثر على الحياة اليومية للسكان وحسب، وإنما على ما تبقى من خدمات طبية أيضا. المأساوية الحقيقية للوضع في سوريا يوضحها التقرير الصادر عن الأمم لمتحدة، والذي يتحدث عن مصير ما يقارب 6 ملايين شخص يواجهون حياة وظروف صعبة للغاية، و600 ألف شخص يقيمون، أو محاصرون في مناطق من الصعب جدا الوصول اليها بسبب ظروف الحرب، ولذا ليست هناك أية ضمانات لحصولهم على الغذاء والأدوية اللازمة.
في شهر شباط/فبراير 2016 نشرت المنظمة العالمية لمجلس حقوق الانسان تقريرا رسمت فيه صورة درامية عن كارثة إنسانية تحدث في سوريا، كارثة فريدة من نوعها في تاريخ القانون الدولي الإنساني. معدو التقرير يرون أن الدولة السورية وصلت الى حافة الانهيار التام من الناحية الاقتصادية والخدماتية.
أما رئيس البنك الدولي فقد تحدث خلال مؤتمر صحفي عقد في شهر نيسان/أبريل، عن أن تكلفة عملية إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى حوالي 150- 180 مليار دولار. وإذا ما حسبنا هذا المبلغ بالسعر المتداول حاليا للدولار الأمريكي، فهو أكبر بكثير من المبلغ الذي استخدم خلال “خطة مارشال” لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. السؤال المهم المطروح هنا هو في حال استتبت الأمور في سوريا، فمن هي الجهات أو الدول التي ستتكفل في إطلاق عملية إعادة الاعمار تلك؟ حسب تقديرات البنك الدولي فأن عملية إعادة الاعمار ومعها إعادة معدل دخل الفرد إلى ما كان عليه قبل الحرب، أي حوالي 3000 دولارا أمريكيا في العام ستستمر حوالي عشرون عاما.
من الواضح أن ما يجري حاليا في المنطقة من إعادة ترتيب للبيوت الداخلية للدول سوف لن يستثني تركيبة الدولة العراقية الحالية أيضا. هكذا فالتغيرات التي ستحدث في أنظمة الدولتين، أي السورية والعراقية، ستعني بأن اتفاقية سايكس- بيكو، التي وضعت قبل مئة عام من أجل فرض الأمر الراهن في بلاد الشام، قد عفي عنها الزمن، والخارطة السياسية الجديدة للمنطقة ربما تحتاج الى فترة قد تمتد إلى عدة أعوام حتى يتم استكمالها.
Tags: سلايد