أفغانستان التي لا نراها.. عباءات زرقاء وحقول تفاح

كلنا شركاء: لؤي ياسر- صحيفة التقرير

في غضون رحلة طويلة قاربت السنة والنصف بين كابول وجلال آباد، قامت الكاتبة والمراسلة الفرنسية “إنجريد توبوا” بتدوين مئات الملاحظات والخواطر، وخلال عملها كمدرسة للغة الفرنسية رأت كل شيء هناك مختلفًا؛ بعيدًا عن التقارير الإعلامية المعلبة، فأولت اهتمامها للحياة اليومية بعيدًا عن العنف، فتحدث عن أفراح الناس وأحزانهم، أزماتهم الخاصة أو حتى قصص الحب، وعند عودتها قامت بجمع كل الأوراق، وقررت بين ليلة وضحاها أن تكتب رواية أولى لها؛ لتحصل بعد أقل من عام على “جائزة الرواية الأولى في فرنسا”.

“توبوا” المولودة عام 1980 في مدينة “روان “، والتي تقع على نهر السين شمال غرب فرنسا، درست الآداب، وتأثرت كثيرًا بالكاتب والرسام والرحالة السويسري الشهير “نيكولاس بوفيير” الذي لف أرجاء العالم، والذي يعتبر كتابه “طريق العالم” The way of the world – الذي يصف فيه رحلته من جنيف إلى ممر خيبر على الحدود بين باكستان وأفغانستان – من أعظم الكتب التي عنيت بأدب الرحلات في العصر الحديث.

بوفيير

 

كان سر تميز “بوفيير” الذي قطع كل رحلاته بسيارته “الفيات” الصغيرة؛ هو مزجه في كتاباته بين ما يراه وما يشعر به، فلا يقف على حدود الوصف المكاني، كما يتخلى عن أي معلومات مسبقة نحو ما يكتب عنه، وينقل فعلاً ما يراه، مما ينتهي بعلاقة حميمة بينه، وبين المكان في أجواء شبه صوفية.

أما “إنجريد توبوا” فقد بدأت عملها عام 2001؛ كمُراسلة إخبارية في إيران ووسط آسيا وهايتي، وشاركت في بعثات مراقبة الانتخابات في إندونيسيا ومولدوفا، وأذربيجان، والكونغو، وجورجيا، وسرعان ما تأثرت كثيرًا بكتابة، وسيرة الرحالة الشهير، إلى حد اعتباره أبًا روحيًا لها.

الكاتبة انجريد توبوا

 

في عام 2003 انتهزت فرصة عمل لتدريس اللغة الفرنسية في أفغانستان، وبعد أربع سنوات من السفر لجأت للكتابة كما تقول “لتصفية مشاعرها الخام”، حيث جسدت تجربتها الفريدة التي بقيت حبيسة صدرها؛ فمزجت كتاباتها بين المشاعر الداخلية، والظروف الخارجية، أو كما تقول بين الاستقرار المقلق، والحركة المضطربة.

من الصفحات الأولى لرواية “ملك أفغانستان لم يزوجنا” إلى ربع حجمها تقريبًا، يبدأ وينتهي معظم الحدث الوحيد في الرواية، والذي لا يكفي لصنع مقومات لسرد حكائي غني ومثير، حيث تستهلها البطلة بالإعلان عن الوظيفة التي تدفعها للانغماس في الحياة الجديدة “عاجل.. مطلوب مدرس لغة فرنسية في كابول، عقد لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد”، وفي سعيها لنيل الوظيفة تقابل المسؤول “ناتان” الذي تعجب به من النظرة الأولى:

” قابلت ناتان في باريس.. رغم أن تركيزي انصب على إقناعه بتوظيفي، فإنني اعتراني ارتباك شديد لشدة انجذابي الجسدي إليه، وأصابتني الحيرة لصلابة وجهه التي لا تتماشى مع لون عينيه”، ومع الإطلاع على سيرة “إنجريد توبوا” التي تشابه إلى حد كبير بطلة روايتها، يختلط علينا الحقيقي بالمختلق، والروائي بالشخصي، لذا فربما يجنح تصنيف العمل كسيرة، وليس كرواية، وكلما دفعت عنك الإحساس بذلك، يترسب بداخلك أن الكاتبة الشابة لم تحك إلا عن نفسها، أو على أقل تقدير، عن تجربة شخصية لها.

ففي الرواية تجد البطلة أيضًا كثيرة الأسفار، فمثلاً تقول: ” منذ قرابة عام، وأنا أعاني تعب العودة من السفر، أفتقد معظم ما اعتراني من صفاء.. وكان العزاء هو الانتقال إلى موضع آخر.. معاودة الترحال لأنفصل عن ذاتي التي أفسدت المشهد”.

غلاف الرواية

 

وبخلاف تدريسها اللغة الفرنسية لأول مرة في حياتها في كلية قديمة دمرتها الحرب والصراعات لخمسة وعشرين طالبًا، بينما العمال والمرممون يحاوطونها من كل الجوانب، تمضي هي في أفغانستان لا تعرف أحدًا، ولا تستطيع حتى التواصل مع السكان المحليين بلغتهم. كانت أشبه بسائح يمر مرورًا عابرًا ووحيدًا مع مرشده في الحواري والأزقة، يلفته منظر البيوت القديمة المتهدمة، والأطفال العرايا القذرين، أو ربما يعتقده تراثًا أو فلكلورًا لتلك الأمة.

وتظل البطلة في دائرتها طول إقامتها لا يتغير شيء:

“عشت ثمانية عشر شهرًا تحت السقف المسطح لبيت تقليدي، صمم كما تخيلناه، سقف من الطين، حوائط من الجير الحي، وألواح زجاجية”.

وعلى إيقاع واحد بطيء وممل أحيانًا، تكمل الرواية إلى نصفها، لتجد وصفًا مجردًا وخواطر ذاتية، حيث تتنافى محاولاتها في اقتباس تجارب “بوفيير”؛ فتفشل في دمج الأرض مع الذات، فالحدث هامشي، ساكن في الخلفية، بينما الكلام مفعم بالعاطفة الخالية من روح المكان، ولو لم تشر لأن الأحداث تدور في بلد ساخن كأفغانستان، لما تعدى الكتاب كونه خواطر فتاة وحيدة، تدور أحداث في خلفيتها.

ورغم قلة العروض، والنقد الأدبي الذي تناول تلك الرواية في الصحف الفرنسية، والذي لا يتعدى معظمه خبر صدور الكتاب، لم تترجم الرواية إلا للعربية في “سلسلة الجوائز” الصادرة عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب” عام 2009. وبخلاف فوزها بجائزة الرواية الفرنسية للعمل الأول للكاتب، لم تحظ بالاهتمام الذي أُولي لكتبها التالية، وإن كان بعض النقد الفرنسي يشير لإمكانيات الكاتبة الواعدة، وقدرتها على السرد الشعري الموهوب، واستخدام الوصف أكثر من القدرة الحكائية.

لكن بالترجمة العربية صارت رواية “ملك أفغانستان لم يزوجنا” كائنًا بشعًا مشوهًا، حيث يغيب عن المترجمة بشكل شبه تام الحس الفني، فترجمة العمل الأدبي يجب ألا تخلو من موهبة أدبية في الأساس في روح الناقل، أو المترجم، فتحمل جملاً سلسة، وتركيبات مألوفة في اللغة المنقول إليها، ولا تساير التركيبات اللغوية للغة الأم لتخرج جامدة، فنلاحظ في هذا النص الوصف الرقيق، والخيال المتداعي موجود في جمل هلامية تفتقر إلى التركيز في تكوينها، ولا تنفع بشيء.

“إنجريد توبوا” تقيم الآن في فرنسا، وهي متفرغة للكتابة الأدبية، كما تقوم بتقديم ورش للكتابة في بلدها للأطفال والمراهقين، وصدر لها حتى الآن ثمانية كتب للأطفال، وستة أعمال أدبية آخرها في مارس من هذا العام.