نبيل الطرابيشي: ملاحظات على مقالة د. كمال اللبواني.. الصيام في السويد

نبيل الطرابيشي: كلنا شركاء

صادف منذ يومين ان وقعت على مقالة للسيد كمال اللبواني عن موضوع الصيام و طوله حيث يقيم حاليا في السويد و كيف ان المسلمين الأوائل استعملوا التقويم العبري ثم و لأسباب سياسية تم الاستغناء عنها لصالح التقويم القمري. و الحقيقة انني لم اكن انوي الرد على هذه المقالة و لكنني تلقيت عددا من الاستفسارات حولها فرأيت ان اكتب ملخصا عن رأيي بتلك المقالة لتوفير الوقت اللازم للرد على الاستفسارات المتعددة.

الادعاء الاول الغريب هو ان المسلمين الاوائل اعتمدوا التقويم العبري و الذي هو تقويم هجين بين التقويم الشمسي و التقويم القمري و فيه يكون طول السنة 12 او 13 شهرا و يعتمد ذلك على طريقة معينة لحسابها. العرب في الجاهلية كانوا يستعملون ما يمكن اعتباره تقويما هجينا ليوافقوا المواسم مع تقويمهم القمري و هناك عدة آراء حول الطريقة التي استخدموها لذلك [1]. كما ان العرب و المسلمين اعتمدوا على معرفتهم بالابراج و منازل القمر لمعرفة المواسم الزراعية.

في خطبة حجة الوداع انهى الرسول عليه السلام فوضى التقويم التي كانت سائدة في الجاهلية بسبب التلاعب بالأشهر و خاصة الحرم منها بتأخيرها او تقديمها لتناسب استعداد بعض القبائل للغزو و أخبر المسلمين بأن الزمان قد عاد لانتظامه و انه من الآن فصاعدا فان السنة هي 12 شهرا منها اربعة حرم و هي ذي القعدة و ذي الحجة و محرم و رجب كما صرح القرآن بوضوح: “ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم” و ان الشهر يبدأ برؤية الهلال الجديد و بالتالي وضع اساس التقويم القمري الهجري فكيف يخالف المسلمون أوامر القرآن الصريحة و التوجيه النبوي الواضح الذي اعلن عنه في اكبر تجمع في وقتها ثم يعتمدون التقويم العبري كما يزعم السيد اللبواني ؟

و هو يريد ان يكون شهر رمضان في “شهر شباط و اوائل آذار” كما يزعم انه كان اصلا رغم ان اسم الشهر “رمضان” مشتق من كلمة الرمضاء اي الحر الشديد و هذا يعني ان الشهر عند تسميته كان في منتصف الصيف !

ثم يتابع السيد اللبواني:

“هذا الإجراء السياسي المسكوت عنه (التحول عن التقويم العبري) تسبب في أزمة جعلت المغرضين يقولون أن المشرع الإسلامي شرق أوسطي ولا يعلم عن الجغرافيا ، ولا بوجود قطب ، فهو إذا ليس وحيا من خالق الكون بل من صنع بشر محكومين بمعارفهم وجغرافيتهم … كذلك تسبب بالكثير من الجهد الذي سيعانيه الصائم إن كان في المناطق الحارة أو في المناطق القريبة من القطب عندما يكون رمضان في الصيف ، وبالعكس عندما يكون في الشتاء”.

و يبدو ان السيد اللبواني قد جانب الصواب باعتقاده انه لو تم تثبيت رمضان في الوقت الذي يريده لحلت مشكلة الصيام الطويل لأنه في الواقع حتى لو تم تثبيت رمضان في الوقت الذي يريده فستظل مشكلة النهار الطويل قائمة في خطوط العرض فوق 75 درجة شمالا (او جنوبا) لأنه في تلك المناطق و في تلك الاوقات تضطرب علامات الليل و النهار اي أنه يصعب تفريق الليل و النهار و هي نفس المشكلة التي يظن انه يحلها بتثبيت شهر رمضان. ثم هناك ادعاء ان مشكلة اضطراب علامات الليل و النهار في المناطق الشمالية نتيجة تغير وقت شهر رمضان قد ترى كدليل على ان المشرع هو انسان شرق اوسطي ليس له علم بوجود اقطاب للأرض ! و لست ادري كيف خرج بهذا الاستنتاج … فهل ينبغي ان يرسل الله عبر رسوله دراسة جغرافية كاملة للأرض و اشكالات الفصول و خصائص الاقطاب و المناطق القريبة منها و ربما يدعمها ببرنامج كومبيوتر يستعمله الناس الذين يعيشون في تلك المناطق في المستقبل ؟

لست ادري كيف يمكن الرد على مثل هذا المنطق و لكنه لو بحث قليلا لوجد ان هناك حلولا مطروحة لمشكلة الايام الطويلة و احب ان انوه بأنني عملت بحثا مسهبا حول هذا الموضوع و هو منشور في موقع مركز الفلك الدولي باللغتين العربية و الانكليزية [2] و ملخصه ان من يقيم في مناطق شمال خط العرض 45 و يكون طول الصيام عنده اكثر من وقت الصيام في خط العرض 45 عندها يتحول للصيام حسب خط العرض 45 بغض النظر عن موقع الشمس و حركتها في السماء. و قد ناقشت البحث مع المرحوم الدكتور وهبة الزحيلي فاعجبه و طلب ملخص ليستعمله في فتاواه بهذا الشأن و قد زودت بعض من يعيشون في تلك المناطق بأوقات الصيام و الصلاة حسب هذا النظام عندما طلبت مني.

ثم يتحدث السيد اللبواني عن جهل العلماء و الفقهاء المسلمين و الارهاب الذي يتعرض له كل من سيجرؤ على طرح اعادة استخدام التقويم العبري او كما سماها ” اعادة الأمور لنصابها وسنتها وربط التقويم الهجري بالتقويم العبري” و كأن الأصل في الأمة الاسلامية هو اتباع التقويم العبري !

بالطبع نحن نتمنى ان يكون هناك رأي منطقي موحد للمسلمين في جميع انحاء العالم و لكننا ان استطعنا تحقيق ذلك فذلك يعني اننا لم نعد امة متخلفة و اننا استطعنا التخلص من مشكلة الجهل و الفوضى والتفرق.

و هذه المشكلة ليست مقصورة على طول اوقات الصيام و لكنها تشمل مسألة ايجاد تقويم هجري موحد و رغم ان هناك بعض الدعوات لاستخدام تقويم هجري هجين شمسي-قمري الا انني لا اعتقد انها فكرة جيدة و اول المشكلات فيها هي ان السنة لا تعود 12 شهرا كما هو مقرر في القرآن.

التقويم القمري يمكن اعتباره مكملا للتقويم الشمسي وهو تقويم مهم بحد ذاته و له تطبيقاته في الملاحة مثلا لتحديد المد و الجزر كما انه يمثل هويتنا و يربطنا بتاريخنا و يمكن ان يكون مفيدا و عمليا مثل التقويم الشمسي و يكون مساهمتنا للعالم ككل و لكن ذلك يقتضي استعمال الحساب مثلما تم استخدام الحساب لتحديد اوقات الصلاة و المختبؤون خلف حديث صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيته يقتلون التقويم الهجري بجهلهم و ضيق افقهم رغم ادعائهم حبه. و قد قامت الحكومة التركية العام الماضي بعقد مؤتمر يضم عددا من العلماء من انحاء العالم للخروج باتفاق حول تقويم موحد و النتيجة انه كان هناك خطوات صغيرة و خجولة في هذا الاتجاه رغم ان المسألة بسيطة تقنيا و قد كنت احد المدعوين و تقدمت ببحث يطرح الحل بشكل علمي و قابل للتطبيق الا ان هناك الكثير مما يمكن ان اسميه العطالة الثقافية و هي مثل العطالة المادية التي تقاوم التغيير و الحقيقة التي لا يمكن انكارها هي ان هناك مقدارا كبيرا من الجهل و التحجر الفكري في اوساط المؤسسة الدينية التقليدية و لكن علاجها يكون بتقديم بديل عملي افضل مبني على دراسة علمية رصينة.

روابط:

[1] الأحداث التاريخية بين التقويمين الهجري و الميلادي

http://www.qasweb.org/articles/item.php?id=397

[2] الصلاة و الصيام في المناطق الشمالية (و الجنوبية) من الكرة الارضية

http://www.icoproject.org/pdf/tarabishyshigh_2014a.pdf

http://www.icoproject.org/pdf/tarabishyshigh_2014.pdf