الحب العذري.. هل خدعتنا قصص العشاق وقصائدهم؟

كلنا شركاء: الاء السوسي- صحيفة التقرير

حكايات الحب، وقصائد العشق، الميراث الأدبيُّ الذي يفيضُ رقةً وعذوبة تتسلل إلى النفس فتأسرها، وتعلِّقُها في حلقة خيالاتٍ واسعة عن هذا المعنى الإنساني المحيِّر الذي لم يُفكّ لغزه منذ بدء الخليقة وحتى الآن، ولن تُفكَّ شيفرته السحرية التي لا تزال تحتفظ بوهجها رغم تغيرات الزمان والمكان.

ومجانين العشاق العرب تركوا لنا ميراثًا فيّاضًا من الحب؛ إذ ساحوا في صحاري مجهولة، وتلبَّستهم أحوال الوجد، وشدة العشق والهيام إلى الحد الذي فقدوا فيهم عقولهم، وأصبحوا مذهولين عن واقعهم، متشردين في الفيافي، يتغنون باسم حبيبة واحدة، وينظمون القصائد، حتى سميت قصائدهم بقصائد الحب العذري، والعذري ليس نسبة إلى العذرية؛ بل إلى “بني عذرة”، وهي قبيلة اشتهر شبابها بهذا النوع من الحب الذي لا نهاية له.

لقد شكَّل مجموعُ هذه القصائد لوحاتٍ غنائية تفيض رقة وعذوبة، عن عشّاقٍ حُرِموا من محبوباتهم بسبب تقاليد اجتماعية تمنع العاشق من الزواج بمحبوبته إذا شبَّب بها، فعانوا ما عانوه من أهوال الوجد وأسقامه، التي صورها أحدهم، قائلًا:

“ولكنه شيءٌ قضى الله أنه *** هو الموت أو شيءٌ من الموت أعنفُ

فأوله سقمٌ وآخره ضنى *** وأوسطه شوق يشفٌّ ويتلفُ

وروعٌ وتسهيدٌ وهمٌّ وحسرة *** ووجدٌ على وجدٍ يزيدُ ويضعفُ“

هذه الحالة الملحمية الملغزة، التي تجعل العاشق يسخِّر حياته من أجل قضية واحدة هي “الحب” أو “المحبوبة”، جعلت محاولة تفكيك هذه الظاهرة لأبعادها النفسية محاولة مغرية بالنسبة للدكتور صادق جلال العظم في كتابه “الحب والحب العذري”، فبينما ظل النقاد العرب يعتبرون “الحب العذري” هو حب العفة والطهارة والسمو الروحي، كان للعظم رأي آخر!

صادق جلال العظم

العشاق العذريون: محاكمات قاسية!

لقد ظلَّ “الحب العذري” يُقَدَّمُ في سياق “طهوريّ” يجعل العاشقَ مترفعًا عن حاجات الجسد وشهواته، وطائرًا في فضاءاتٍ روحية جمالية خالصة، لكن الدكتور صادق العظم يشكك في هذا التحليل، ويقوم بمحاكمة هؤلاء العشاق محاكمة قاسية، نختصرها في هذه النقاط:

إذا كان العشاق العذريون يعلمون أن “التشبيب” بفتاة من القبيلة سيكون مانعًا من الزواج منها مستقبلًا، وفق عادات القبيلة، فلماذا شبَّب هؤلاء العذريون بمحبوباتهم، ولماذا قبلت المحبوبات هذا الغزل العلني، بل وتباهين به، رغم علمهن بأنه سيكون حكمًا قاضيًا بالفراق الأبدي بينهن وبين عشاقهن المتيمين؟ لماذا شبَّب جميل ببثينة على سبيل المثال؟

يجيب عن هذا السؤال بالقول: “لا شك أن جميل فعل كل ما بوسعه لعرقلة الوصول إلى (الرباط المقدس) مع بثينة، كما أن بثينة سلكت سلوكًا مشابهًا“.

ولماذا عرقل الزواج؟

يرى العظم أن الحب يقع دائمًا فريسة لثنائية قاسية هي “الاشتداد”، و”الامتداد”؛ فالاشتداد هو قوة الحب وعصفه بالروح  بقوةٍ لا يمكن السيطرة عليها، أما الامتداد فهو تلك الحالة السكونية من الحب، التي تظهر بأوضح صورها في مؤسسة الزواج، وعليه؛ يكون على الإنسان أن يضحيَ بأحد الخيارين لصالح الآخر؛ فإما أن يختار الشوق العاصف الذي لا يهدأ ولا يتم إشباعه، وإما أن يختار الزواج المطمئن والهادئ الذي يتم فيه الوصل، وبصياغةٍ أخرى: إما أن يظل الشوقُ حالةً معلَّقة لا سبيلَ مطمئنَ لإشباعها، وإما أن يتم إشباعه وتدجينه في إطارٍ مؤسساتي لا يقتله، ولكنه يقلل من شغفه كما يرى العظم.

وعليه؛ فإن جميل وبثينة “لا يريدان الحب الذي ينزع نحو الدوام والاستمرار ضمن مؤسسة الزواج؛ لأن ذلك لا يتحقق إلا على حساب اشتداد الحب وتوهجه، وكلاهما يبحث في الحقيقة عن حدة الانفعال في العشق ويريد العمل دومًا على تصعيد عنف عشقه وقوته إلى أعلى درجات التوتر الممكنة“.

بناء على النقطة السابقة، يرى العظم أن العشاق يسعون إلى استمرار حالة الحب بكل آلامها وشقائها، ولا يسعون إلى ما يسعى إليه المحب عادة وهو الوصل، فرغم شكواهم المستمرة من الهجر وأهواله؛ إلا أنهم في الحقيقة لم يكونوا يسعون إلى الوصل؛ لأن الحب ما يعنيهم، لا المحبوبة، يقول: “ولكن العاشق يتمسك بألمه وشقائه لكونهما من جوهر عشقه وتجربته الوجدانية، وكلما أمعن العاشقان في التراوح بين البعد وشبه القبول، بين اللقاء المبتور والفراق الطويل؛ نما هذا العشق وازداد“.

وهو ما يؤكده هذا البيت: يموت الهوى مني إذا ما لقيتها *** ويحيا إذا فارقتها فيعود

ويدلل على هذه الفرضية بقصة جميل وبثينة؛ فقد زار جميل بثينة عدة مرات وهي متزوجة، ضاربًا بالأعراف الاجتماعية عرض الحائط، إضافةً إلى كونه فارسًا مغوارًا، وابن قبيلةٍ صاحبة سيادة وكلمة، يتساءل العظم إذا ما كانت كل هذه المميزات، والشجاعة التي أبداها في اختراق العادات والتقاليد لا تؤهله إلى خرق التقليد الأول وهو حرمانه من الزواج بمحبوبته لأنه شبب بها، ويجيب بأن جميل لم يحب بثينة، بل أحب حبَّه لها، يقول جميل:

ولست على بذل الصفاء هويتُها*** ولكن سبتني بالدلال وبالبخل

إن المحبوبة غير ذات مكانة في مثل حب كهذا، بل هي غير معتبرة، إنها مجرد خيال، صورة مثالية في ذهن العاشق تجعله دائم الشوق والانفعال، وتحفظ له حالة من الشغف المجنون، والعذاب المحبب، لكنها كامرأة واقعية لا نصيب لها من هذا الحب، يقول:

“لا يمكن لحبهم أن يتأثر بأفعال المحبوب أو بسلوكه أو بالتبدلات التي قد تطرأ عليه مع مر الأيام، لقد انعزل الحب عن المحبوب، ولم يعد يتأثر به؛ لأن موضوعه ليس إنسانًا حيًّا يتغير ويتبدل في مجرى الزمان، وإنما هو صورة مجردة ثانية في مخيلة العاشق يسبغ عليها أروع الصفات وأجمل الخصال التي لا تحول ولا تزول على مدى الدهر“.

ويؤكد هذا بما روي عن مجنون ليلى، أنه حين لم يلتفت إليها عندما زارته، قال: لقد شغلت عن ليلى بالتفكير بليلى!

على الرغم من الدعاية الأخلاقية للحب العذري، فإن العظم يستنكر عدم التفاتنا إلى شخصية الزوج المخدوع الذي تُزار زوجته في مخدعها أثناء غيابه، والمتغزَّل بزوجته جهارًا، وتضامننا العاطفي مع خيانتها التي نرفضها واقعًا، ويرى:

“إننا ننساق مع هذه القصص والحكايات بدون وعي وإدراك منَّا لأنها تشكل تعويضًا، على مستوى الخيال، لعنصر العاطفة المتوهجة الذي نفقده في حياتنا المنتظمة الرتيبة“.

إن تحول الحب العذري إلى “ظاهرة أدبية”، يحيل إلى قدر الالتباس والشك في كون الحب خيارًا ذاتيًا، وليس تقليدًا جماعيًا، وفي هذه الحالة “يصبح مفروضًا عليه من الأعلى، حيث ينصب صاحبنا في قالب جاهز مهيّأ ورثه كما ورث مجموع أفكاره وردود فعله وأخلاقه من الأجيال السابقة؛ لذلك نلاحظ بدون عناء، شبهًا آليًا ومضحكًا بين طرائق الحب“.

والقول بأن الحب العذري تقليد جماعي سيفقد هذا الحب الكثير من امتداده الإنساني، ويجعله تراثًا مختصًا مشروطًا ببيئته الزمانية والمكانية.

الدنجوان والعاشق العذري: لا فرق!

يستمر صادق العظم في الحديث عن ثنائية الحب الكبرى، وهي الثنائية التي سعى الإنسان للتوافق معها عبر نماذج عدة من العلاقات العاطفية، من هذه النماذج شخصية “الدنجوان” و”كازانوفا”، اللذان اختارا رحلة طويلة بين أحضان المعشوقات المتنوعات، رحلة يصبح فيها الرجل رحالة لا يستقرُّ في أرض؛ لأنه يكره الاستقرار، يقول دنجوان مسرحية موليير:

“كلا، كلا، الثبات لا يناسب إلا الأغبياء والحمقى وحدهم، فمن حقِّ كل امرأةٍ جميلة أن تفتننا، كما أن مصادفة التقائنا بواحدة منهن قبل غيرها لا تجرد الأخريات من حقهن في غزو قلوبنا“.

بالتأكيد فإن هذا الاقتباس يوضِّح الفارق الكبير بين الدنجوان الذي يرى أن النساء متنوعات، وكل واحدة تستحق الاكتشاف، وأن مصادفات اللقاءات الأولى يجب ألا تكون نهائية، وبين العاشق العذريِّ الذي يرى أن لقاءً أول وحبًّا أول هو نهاية الأمر؛ لأنه بداية ملحمةٍ طويلةٍ من العشق، غير أن الدكتور صادق العظم يرى الأمر بمنظورٍ مختلف، فيقول:

“العاشق العذريٌّ لا يحافظ على عنف عشقه بالتنقل الدائم من حبيبة إلى أخرى كما يفعل الدنجوان الكلاسيكي، وإنما يركز أحاسيسه على محبوبة واحدة فريدة، ويؤمِّل النفسَ دومًا بالحصول عليها، ولكنه يصطنع في الوقت ذاته جميع العراقيل الممكنة ليحول بينه وبين امتلاكها؛ لأنه يعلم علم الدنجوان بأن (العاشق متى ظفر بالمعشوق مرة واحدة نقص تسعة أعشار عشقه)“.

لا فرق إذن، محبوبةٌ واحدة، أو محبوبات كثيرات، الأول يؤجل حالة الوصل النهائي، فيصبح حبُّه عبارة عن نوبات متعاقبة من الوصل والهجر، لا تستقر على حال، والثاني يقع في تجارب متعددة لا تؤدي به بالنهاية إلى حالة من الاستقرار، فيلتقي الدنجوان والعاشق العذري في كونهما لا يجعلان “المحبوبة” موضوع الحب، بل يجعلان الحبَّ نفسَه غايةَ نفسه.

إنهم نرجسيون، وشهوانيون أيضًا!

يرى العظم أن “تحوُّل الحب العذري عن المحبوب بوصفه موضوع الحب الطبيعي إلى صورة خيالية تدغدغ مشاعر العاشق وتوترها وازدهاره على الوهم والخيال والغاية المؤجلة دومًا وأبدًا إلى المستقبل، هي كلها من أعراض النفوس التي تعاني حالة مرضية معينة“.

وما هي هذه الحالة المرضية؟

إنها السادوماسوكية، وهي عبارة عن الحالة التي يكون فيها العاشق “ساديًا”، و”مازوخيًا” في آنٍ معًا، أي إنه يحصل على اللذة من خلال تعذيب محبوبته، وتعذيب نفسه أيضًا، ويستشهد العظم بمقولة لكاتب عربي لإثبات ذلك، يقول:

“وقد أشار أحد الكتاب العرب القدماء إلى هذه الظاهرة السادوماسوكية الملازمة للحب العذري، فقال في وصف هؤلاء العشاق: فهم يستلذون مرارة العشق مثل الضرب.. فمنهم من يموت من أوار غرامه، ومنهم من يموت بهيام سقامه”.

إنهم ليسوا ساديين مازوخيين فقط؛ بل إنهم نرجسيون شهوانيون أيضًا، فحسب العظم: “الحب العذري شهواني  في أصله، ونرجسي في موضوعه ومنحاه“، شهوانيٌّ لأن هدفه العمل على إبقاء الشهوة متقدة خيالًا أو واقعًا، فحتى لو لم يمسّ العاشق محبوبته، رغم الروايات الكثيرة عن الزيارات الليلية المتبادلة بينهم؛ إلا أن شهوة الخيال لا تقلُّ جموحًا عن شهوة الواقع، وهم نرجسيون لأن الحب لا يعتني بالمحبوب، بقدر عنايته بحالة حبه ذاتها.

هل كان هذا صحيحًا؟

قد تبدو تحليلات صادق العظم منطقية، وعقلانية، لكن لمعرفة ماذا كان يريد العظم من خلال هذا الطرح، ينبغي أن نعلم أن المفكر السوري صادق العظم هو مفكر اشتراكي، مؤمن  بأن نموذج المجتمع الاشتراكي هو النموذج المثالي، بعيدًا عن المجتمعات العربية التي يراها مجتمعاتٍ قبلية تقليدية يسود فيها الكبت الذي يولد علاقات مشوهة بين الرجل والمرأة، تنتهي إلى نظام الأسرة، أو إلى هذا النوع من الحبِّ.

في ختام هذا الكتاب يقدم العظم رؤيته المبنية على أطروحات مفكرين شيوعيين كلينين وأنجلز، بأن الأسرة يجب ألا تتحول إلى رباط ملزم، بل أن تكون مرنة ومطاطة، بحيث يتخذ فيها القرار بالانفصال في أي وقت يشعر فيه أحد الطرفين بأن الحب لم يعد موجودًا، وهكذا يتم حل ثنائية الحب الكبرى: الامتداد والاشتداد، حسب رؤيته.

رغم ذلك، لا تمنع هذه الدوافع المؤدلجة من القول بمنطقية التحليل، دون الأخذ بالخيار البديل الذي يطرحه العظم، أو القطع بصحة ما قال به؛ لأن الإنسان يبقى كائنًا مركبًا شديد التعقيد، لا يمكن الحكم عليه، والبتُّ في نواياه ومعتقداته، فسواءً أكان الحب العذري هو النموذج الطهوريّ الأسمى للعلاقة بين الرجل والمرأة، أو كان مجرد حالةٍ مرضية لها دوافعها النفسية، هل يمكن ألا نهتز طربًا حين نسمع قصائد  مجنون ليلى، أو جميل بثينة، أو قيس لبنى؟

إن جمال الملحمة أسمى من أن نعاند فتنته.