أيمن أبو هاشم: مخيم درعا ايقونة الوفاء للثورة السورية

أيمن أبو هاشم: الهيئة السورية للإعلام

منذ اليوم الأول لاندلاع شرارة الثورة في حوران، لم يتردد أبناء مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين في مشاركة اخوتهم السوريين، طريق الحرية والكرامة مهما بلغت أوجاع الخلاص ومخاضاته العسيرة. كانت مشاعر ومواقف الفلسطينيين، ممن احتضنت مدينة درعا وريفها آبائهم وأجدادهم إثر نكبة العام 1948، أوضح ما تكون في انحيازها لخيار الشعب السوري، ليس فقط تعبيراً عن الوفاء لهذا الشعب الثائر الكريم، وإنما أيضاً تأكيداً على وحدة المصير المشترك بين الشعبين، ووحدة المعركة التي يخوضانها سوياً، لإسقاط  نظام المتاجرة بالقضية الفلسطينية، ولمن باع الجولان المحتل، ولعدو كل من يطالب بحقوقه الوطنية والإنسانية.

لم تنفك محاولات النظام الأسدي منذ الأيام الأولى للاحتجاجات، لثني الفلسطينيين عن المشاركة في الثورة، والتلويح بالعصا الغليظة كي يقفوا إلى جانبه، وكلّنا يذكر تصريح مستشارة الرئيس المجرم بثينة شعبان في 25/3/ 2011، عندما قالت: ” أن الفلسطينيين يشاركون في مشروع الفتنة” كان ذلك التصريح بعد يومين من سقوط أول شهيد فلسطيني في الثورة السورية، وهو الشهيد وسام الغول ابن مخيم درعا، الذي قضى برصاص قوات النظام أثناء اسعافه لجريحين سوريين كان يقوم بنقلهما إلى المشفى. أكدت المحطات التالية للثورة، أنه كلما كان النظام يواصل عمليات القمع والتنكيل بأهالي درعا وريفها، كان فلسطينيو درعا أكثر عنفواناً وارتباطاً بالثورة، وهو ما تبدى جلياً خلال المرحلة الأولى، من حصار النظام لدرعا البلد، حين سقط أكثر من تسعة شهداء من مخيم درعا، أثناء محاولاتهم ايصال المواد الإغاثية والطبية لأهلهم المحاصرين.

لم يكن حقد النظام على أكثر من خمسين ألف فلسطيني، يتوزعون في مخيم درعا وتجمعات اخرى في المدينة وريفها، بأقل من حقده على الشعب السوري، وربما أكثر، فوفق شهادات لمعتقلين فلسطينيين، أكدوا أن المحققين والسجانين العتاة، كانوا يضاعفون من أساليب تعذيبهم الوحشية، بحجة أنهم ” غرباء قاموا بالتدخل في ثورة لا تعنيهم”. في حين كانت ردود الفلسطينيين على تلك السياسات الظالمة، مزيداً من الانخراط في مختلف فعّاليات الثورة السلمية، الإغاثية والطبية والمدنية والإعلامية. حتى بعد عسكرة  الثورة، التي جاءت رداً على توغل النظام في استباحة دماء الشعبين السوري والفلسطيني، انخرط المئات من شبان مخيم درعا والتجمعات الفلسطينية الأخرى، في صفوف كتائب الجيش الحر في المنطقة الجنوبية، وانشق ضباط وعناصر من جيش التحرير الفلسطيني عن العصابة الأسدية، وقادوا تشكيلات معروفة في لواء حوران وغيره من الكتائب العاملة في المنطقة، واستشهدوا في مواجهات عسكرية مع النظام في مقدمتهم العقيدين البطلين قحطان طباشة وخالد الحسن.

لا ينسى أبناء  مخيم درعا اليوم الذي تحرر فيه المخيم من قوات الأسد، في 27/7/ 2012، باعتباره بداية الخلاص من هذا النظام المجرم، واقترابهم أكثر من وطنهم فلسطين، بعد أن بدأت ثكنات ومواقع حامي العدو الصهيوني بالسقوط الواحدة تلو الأخرى. بيدَّ أن صمت المجتمع الدولي عن جرائم النظام، وترك يد حلفائه طليقة في قتل الشعب السوري، وفي تصعيد حروبهم للقضاء على الثورة، كانت الحقيقة التي يرفضون الاستسلام لها، رغم كل المعاناة التي عايشها أهالي المخيم بعد تحريره. فمن المعلوم تعرض المخيم طيلة السنوات الخمس الماضية، لاعتداءات قوات النظام وقصف طائراته، ما أدى إلى تدمير أكثر من 75% من منازله ومبانيه، وإلى سقوط عشرات الشهداء المدنيين من أهالي المخيم الصامدين، واضطرار غالبية سكانه للنزوح عنه إلى مناطق أكثر أمناً، وكان قد بلغ تعداد سكان المخيم في بداية الثورة قرابة 23 ألف لاجئ، أُجبر من تبقى منهم على مغادرة المخيم، بسبب عمليات القصف الجنوني بكافة الأسلحة المحرمة دولياً، وهو ما تشهد عليه معارك الأيام الأخيرة، التي يستهدف  النظام من ورائها، استعادة السيطرة على المخيم بحكم موقعه الاستراتيجي، الذي يشكل المتراس الأخير في الدفاع عن درعا البلد.

يدرك النظام أيضاً أن سقوط المخيم يعني فصل الريف الشرقي لدرعا عن ريفها الغربي، وانتهاء التهديد العسكري الذي يشكله على مربع الفروع الأمنية في المدينة، إذ تكشف التقارير الميدانية الواردة، عن تعرض المخيم والمنطقة المحيطة به منذ أكثر من عشرة أيام، للقصف العنيف والمتواصل بالبراميل المتفجرة، وصواريخ الفيل، والقذائف المدفعية، وقنابل النابالم الحارقة، بينما تستميت قوات النظام، والميليشيات الإيرانية، والأفغانية، وحزب الله لاقتحام المنطقة والسيطرة عليها. رغم كل ذلك يستبسل أحرار مدينة درعا ومخيمها، ويسجل ثوار البنيان المرصوص، ملحمةً بطوليةً في الصمود والتمسك بأرضهم مهما كلف الثمن، وتمتزج الدماء الفلسطينية والسورية في واحدة من أكبر معارك الشرف والكرامة. يقول الثائر الفلسطيني أبو ايهم حمدان الذي أصيب بشظايا إحدى القذائف وهو يدافع عن المخيم ”  لن نتركهم يمروا، وإن مروا فعلى أجسادنا.. ”

يستحق مخيم درعا الذي اثبت بتضحيات أبنائه الغزيرة، من مئات الشهداء على الجبهات، وغيرهم في معتقلات سجون الطاغية، وبصمود شبابه ورجاله الأحرار، أن يكون وبكل جدارة مثالاً في الوفاء للثورة السورية، ونبراساً في الصمود والتحدي، وايقونة حرية لشركاء الوجع والمصير، وشعلة الخلاص القادم من هذا النظام المجرم، ومن كل أشكال الظلم والطغيان..





Tags: الثورة السورية, سوريا, نظام بشار الأسد